رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 15 اغسطس 2018

مقالات



يحيى حقى.. واحد شاطر ومشطور.. وبينهما «فلوذج»!

16-5-2018 | 14:21
دينا ريان

كان يحيى حقى فى قمة سعادته، ومجمع اللغة العربية يبسط كلمات الفصحى ويقربها إلى العامية، وبطريقته الطريفة سألنى هل أنت جوعانة؟
ألا تريديننى أن أحضر لك واحد شاطر ومشطور وبينهما فلوذج؟
كتمت ضحكتى.. ثم سألته.. نعم؟
رد على يحيى حقى .. ضاحكاً: هذا ما كنت سأقوله لك، لولا أن مجمع اللغة العربية أجاز ذكر ساندوتيش بديلا عن شاطر ومشطور وحلاوة طحينية بديلا عن الفلوذج.
رددت عليه: أيوه.. نظام "الفلوذج بتاع الفلوذج" مثل أغنية "الفراولة بتاع الفراولة".
لم يتوقف يحيى حقى عند استظرافى الصبيانى الرخيص الذى فلت منى،عفواً.. بعد أن «سيحت الشمس» رأسى وبدأت تدخل علينا نسمات طراوة، قد تكون سرابا، لكننى أحببت هذا السراب.
وجدته يقول:
إن ألفاظا عامية ومحدثة تلقت من مجمع اللغة العربية أخيراً المباركة لتدخل تحت جناحه.. على سبيل المثال:
"الكناشة" أصبحت النوتة.
"الفرجون" أصبحت الفرشاة. 
"الفلوذج" أصبحت الحلاوة الطحينية.
"الأريكة" أصبحت الكنبة.
"البعوضة" أصبحت ناموسة.
المبالغة فى الكذب لخصت إلى الفشر.
مسموح بدل ما نقول نخبة من تلك المادة أن نقول عينة.. وهكذا.
يحيى حقى الجالس على كرسيه المتحرك ومعه عصاه التى يحرص على مسكها حتى وهو جالس على كرسيه!
ولد فى السابع من يناير عام 1905، وبذلك يعتبر من نجوم برج الجدى، كذلك هو من مواليد درب الميضة بحى السيدة زينب، نفس الحى الذى ولد فيه أبى،فشعرت بأنه عمى.. هو يتيم الأب منذ الطفولة، تحملت والدته مسئولية تربيته هو وأخويه وحرصت على إلحاقهم بأرقى مستويات التعليم، حتى حصل على البكالوريا 1921، ثم التحق بمدرسة الحقوق وتخرج فيها 1925، ثم عمل معاونا للإدارة فى مدينة منفلوط بأسيوط، ثم انتقل للعمل بالسلك الدبلوماسى، مما أتاح له فرصة التنقل.. كانت سنوات نضجه الأدبى والفنى، عقب ثورة 1919 التى تركت بصمات واضحة على إنتاجه الأدبى، وأهمها الشعور بالقومية المصرية.
سماه د. مصطفى ماهر.. خادم العربية.
وسماه د. غالى شكرى. عاشق الحروف أو سفوح الجبل.
كانت فكرته دائما تتمثل فى قدرة اللغة العربية على الاختصار الشديد مع الإيجاز القوى.
أين المرأة فى حياتك يا ترى؟
احمر وجهه الخجول بطبعه وقال: إننى أقل الناس معرفة بالمرأة، لكننى لى رأى معاكس عما هو متبع وسائد بين الجميع بمن فيهم الشعراء والأدباء.. إن المرأة ليست رومانسية!! بل واقعية مائة بالمائة إلا من رحم ربى، لكنها غير الرجل فى واقعيتها، لأنها تعبر عن غريزة طاغية عليها هى غريزة ترسم لها حياتها، وهى الأمومة، حيث تقع أزمتها عندما تجد نفسها غير قادرة على الإنجاب، إنها غريزة ترسم لها حياتها بطريقة عملية، وفجأة رد على سؤال قرأه فى عيناى عن المرأة التى تحب من هو أكبر منها بكثير؟ 
فقال: إنها تبحث فيه عن الحماية وعن قيمة معينة تميل إلى الأبوة.
وجدته يقول ويدلى بدلوه عنها حتى وصل إلى نقطة الفزع القومى التى غيرت مسار التاريخ الحديث فى القرن العشرين، عندما ظهرت أزمة خروج النساء للعمل، وأن هناك كما من النساء اللاتى يتمنين لو لم يخرجن للعمل وبقين فى بيوتهن يرعين الأطفال ويلعبن دورهن فى حماية البيت لأنه دور خطير.
رأيت أن الصدام بينى وبينه.. بين جيلين الفارق بينهما عدة أجيال.. قادم لا ريب فيه! وآثرت السلامة بعد أن شعرت بأن الشمس التى جلست فيها من أجله قربت أن تصيبنى بضربة حادة، وقبل أن أبدأ فى هذيان الدفاع عن خروج المرأة للعمل والفارق العمرى بينى وبينه أجيال وراء أجيال، انسحبت بدبلوماسية شديدة وأنا أقول له: كده الحوار أصبح آخر فلوذج! أى آخر حلاوة.. وطبعا قلتها فى سرى.. وهذه كانت نهاية جلستى مع العبقرى الطيب.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg