رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

مقالات



رسالة سرية إلى الفلسطينى الجديد

23-5-2018 | 01:47
مهدى مصطفى

 

ترددت طويلا فى كتابة هذه الرسالة، فقصة الشتات الفلسطينى أعمق وأقسى من أى حبر مسكوب على أوراق بيضاء، وأى نصائح ونظريات سياسية، فهى قصة جرح غائر فى قلب الإقليم العربى، وقصة شظايا متطايرة من جهنم الحرب العالمية الثانية، وقصة تم اختيارها بعناية كشبكة لصيد المنطقة بالكامل.
 وشخصيا أمقت جلد الذات، وثقافة وصم أنفسنا بأننا فاشلون، وأن العرب خرجوا من التاريخ، وأنهم من هزيمة إلى هزيمة إلى هزيمة، ولست مع النخبة السياسية التى تفِّرغ شحنات الغضب، وتداعب غرائز الجماهير بأنها كتبت بشجاعة، وتفرح من التصفيق واستهلاك الكلمات الضالة، فالحقيقة الواضحة أن جلد الذات صب فى طاحونة المخطط المرتب بعناية.
 ومن أسف وقع فى شراكه أصحاب أنبل وأهم قضية كونية فى التاريخ الحديث، فالحرب كانت بين المحور والحلفاء على الأراضى الأوروبية، وفى المستعمرات التابعة، وسقطت قنابلها فى حارات الفلسطينيين الصغيرة، ومن يقرأ نصوص اللاجئين الذين بالكاد كانوا يسمعون أخبار الحرب كحكاية بعيدة جدا، يعرف أنهم سمعوا حكاية الرعب التى نشرتها فى الآفاق العصابات الصهيونية، ومع الأسف غادروا قراهم فى انتظار القوات العربية المجحفلة لإنقاذهم، لكنهم  انتظروا طويلا، ثم غادروا، ومعهم مفاتيح الدور العتيقة، ولم يعودوا، وطال الغياب.
صحيح أن الفلسطينيين ناضلوا، وضحوا بالدماء، وعاشوا الاغتراب، وتاجر بقضيتهم مَنْ تاجر من الزعامات العربية، وتسببت قضيتهم فى صناعة شعراء وأدباء وكتاب ومفكرين سياسيين، وتسببت فى صناعة ثورات، وإقامة دول، وتفجير حروب، ومع ذلك صارت الحكاية كأنها إدمان نتعايش معه وبه، ولا أنكر أنه جرت محاولات عبقرية مثل فكرة الدولة الموحدة لكل سكانها، ورفضتها العصابات الصهيونية، ورفضتها مصانع الاستعمار الغربى، لكنها كانت محاولات صغيرة لم يتم التأكيد عليها، أو تكرارها، والتكرار يعلم الشطار.
وبعد قرار ترامب وإعطاء القدس الشرقية لإسرائيل، لم يعد هناك إبداع جديد للتعايش مع القصة الفلسطينية، فكل الأفكار انتهت وصارت من الماضى، وعلى الفلسطينى أن يولد من جديد، يولد دون فصائل، وحركات سياسية، ودون رموز عتيقة، ودون اتكال على محيط قريب أو بعيد، والفلسطينى مثقف، ومتعلم، وخبر كل فنون الحياة على مستوى العالم، وقادر على أن يبتكر صيغة جديدة للنضال، فلماذا لا يجرِّب فكرة الوحدة الكاملة، بعيدا عن استقطاب هذا النظام أو ذاك، ولماذا لا يجرِّب الابتعاد عن الخلل الجارى فى المنطقة العربية والعالم الإسلامى، فليجرِّب مثلا أن يعترف البعض منهم بخطأ انخراطه فى أحداث المنطقة منذ أيلول الأسود، إلى لبنان، إلى الثورات الربيعية الأمريكية، وهذا انخراط غير منكور، فليقل الفلسطينى الآن، أنا أناضل من أجل تحرير الذات الفلسطينية من ثقافة سادت طوال القرن العشرين، ولا تزال تسير، وهو انخراط خطير، احترقت به أصابع القضية الفلسطينية.
 الحل فى قلوب وعقول الفلسطينى الجديد، والفلسطينى الجديد لا ينتمى لزمن الأبوات، بل ينتمى إلى فضاء سياسى جديد، تحت خيمة تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيونى، إن لم يكن اليوم، فغدا، وللتحرير أشكال مختلفة، ليكن فيها الفلسطينى فنانا عالميا، وروائيا كبيرا، وشاعرا إنسانيا كبيرا، وسينمائيا لا يشق له غبار، يحمل شارته إلى كل بقاع العالم.
  على الفلسطينى أن يتعهد لنفسه بألا يكون منتميا لفصيل، تلعب به دولة إقليمية غير عربية أو عربية، عليه أن ينتمى لأشجار الزيتون، لأرض أجداده، ألا يترك أرضه، ولا ينتظر الجيوش الجرارة، ولا يعتبر أن قضيته قضية العرب والمسلمين، فالتجربة أثبتت فساد هذا المنطق، وهو منطق استفادت منه مراكز الاستعمار الغربى، واستفادت منه خلية الاحتلال.
 الفلسطينى الجديد لا بد أن يتعمد بماء جديد، ماء مكون من ذرتين فقط.. فلسطين ثم فلسطين.. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg