رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

مقالات



لا تنفذوا وصايا كيسنجر

30-5-2018 | 01:09
مهدى مصطفى

 
 
إما النصر أو النصر. ليس مسموحا بالهزيمة، فالهزيمة هذه المرة ساحقة، نصبح معها كالهنود الحمر، حين قام المستعمر الأبيض بتصفيتهم من الوجود.
وإذا أردتم النصر، فلا تنفذوا وصايا هنرى كيسنجر،  وتناسوا ترهات برنارد هنرى لويس، فلا وصايا كيسنجر مقدسة، ولا نظريات برنارد هابطة من السماء.
فكيسنجر  فى كتابه «النظام العالمى» يوصى بتخليق وستفاليا جديدة فى الشرق الأوسط، ووستفاليا هى معاهدة أوروبية خلّقت دول أوروبا الحالية، وتم توقيعها فى ألمانيا عام 1648، وكانت قد ولدت بعد حرب الثلاثين عاما الأوروبية، حرب المذاهب والطوائف والعرقيات، حرب دينية أهلكت ملايين الأوروبيين، وخلقت فى النهاية ما يسمى بالنظام العالمى الذى لا نزال نعيش تحت مظلته المثقوبة، وكيسنجر يبشرنا بوستفاليا  عربية دموية جديدة.
وكيسنجر المبجل يرغب بقوة أن نمثل دور أوروبا، دولا وشعوبا، على الشاشة، فنخوض حربا دينية مهلكة، وبعدها يتخلق نظام السيد كيسنجر، ويبشرنا بأن حرب الثلاثين عاما نتج عنها قيام دول أوروبا الحالية، المتقدمة، الصناعية، المتطورة، وهذه النتيجة نفسها يرغب فيها كيسنجر بطريقة معكوسة، ويزعم أن  تطور الشرق الأوسط لن يحدث إلا إذا خاض فى بحر وستفاليا المقدس، ومن شدة الأسى والأسف أن يؤمن بها سياسى عربى عاش فى أوروبا، ويرغب فى تنفيذ وصية كيسنجر المرعبة.
وبحر وستفاليا  واسع ولا قرار له، مياهه المالحة  تتشكل من حروب دينية ومذهبية وعرقية،  وكيسنجر وأستاذه ومعلمه برنارد لويس ينظران إلى الشرق الأوسط  كالجبنة السويسرية المخرّمة، جبنة مخرّمة بالطوائف والمذاهب، ويريدان أن تزداد خروما، ولن تتزايد إلا بحروب طاحنة، وفى نهايتها يجلس المتحاربون حول مائدة وستفاليا الجديدة، يتفاوضون على البقايا، بقايا الشعوب والأراضى، لتتخلق دويلات صغيرة، خاضعة لمركز عالمى واحد، دويلات ممنوعة من الصرف، ممنوعة من وحدة المصير تحت أى ظرف، إلا إذا أرادها  مركز العالم المسيطر فى مقاولة لحرب، أو هدم إمبراطورية مكروهة من السيد العالمى، وقد جربوا  هذه الوصفة ونفعت فى قتل  المريض الأفغانى، فحطموا جسد الاتحاد السوفيتى، وفتتوا البلقان، وأزاحوا أوروبا الشرقية، ومصادفة كانت جماعات من الشرق الأوسط هى الوقود الحيوى لتدمير إمبراطورية السوفييت، ولا تزال الوصفة صالحة.
وأخشى أن تكفروا بشخصية كيسنجر، وتؤمنوا برسالته، تماما كالفرس الذين آمنوا بالرسالة الإسلامية وكفروا بحامليها من العرب، فتقعوا فى براثن وستفاليا، تحت وهم  إنشاء دولة طائفية، أو عرقية، أو دينية، فالبذور لا تزال صالحة فى نظريات كيسنجر، ويغذيها بسماد من أفكار آتية من الظلام الأوروبي الديني الذي أهلك أكثر من 30 مليونا من البشر ومئات الجرحى والمصابين، ولأنهم جربوا جريان الدماء، يرغبون فى تمثيل نفس الفيلم فى منطقة، كان أبرز ما يميزها أنها خزان عرقى ودينى ومذهبى، وتؤمن بأنه لولا اختلاف السلع لبارت الأسواق.
عطارة كيسنجر لا تصلح فى علاج ما شكله الدهر فى الشرق الأوسط، فهو خزان الحضارات القديمة، وقادر على صياغة فكرة مختلفة، فكرة لا تنتمى لبذور وستفاليا، فأهل وستفاليا خاضوا حروبا مهلكة بعد توقيعها، ولا تنسوا أنهم حاربوا بعضهم بعضاً فى حربين عالميتين مهلكتين، واستعمروا كل شعوب العالم، ونفذوا مجازر مرعبة فى السكان الآمنين.
والحل هو أن نفكر فى معاهدة عربية خالصة، تكون مظلة، ونحن نجلس كقوة متماسكة حول مائدة النظام العالمى، ولا أعنى به نظام هنرى كيسنجر مطلقاً.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg