المجلة



دعاة «الترخيص الأخلاقى» لاختراق النخبة

2-6-2018 | 04:49
نبيل شرف الدين

 
يقدمون خدماتهم نظير أجر معلوم ويبرمون صفقات البيزنس .. بدءًا بتأسيس فضائيات وصولا لشركات الاستيراد والتصدير والعقارات
 
شقة خانقة بإحدى عشوائيات مدن مصر أو قراها المُهملة، وشباب ملتحون يرتدون الجلابيب وأجواء احتقان تحيطها مظاهر الفقر والتجهم، كانت هذه ملامح أجيال الجهاديين التى تبدلت بأخرى لأندية راقية، والمساجد الأهلية «الخمس نجوم»، وصالونات فخمة بفيلات فاخرة، وملابس ممهورة بتوقيعات بيوت الأزياء العالمية، وأجواء تمتزج فيها مشاعر الخشوع بالبهجة، وشاب وسيم يتحدث بطريقة المُبشرين البروتستانت، وجمهوره نخبة المجتمع وأسرهم، ليكتمل المشهد بعشاء فاخر أعدته مطاعم أو فنادق شهيرة، فالجميع سيشاركون بثمنه ومكافأة للداعية، عملاً بالمثل الإنجليزي: «لا طعام دون مقابل»، ومصور صحفى يختار لقطاته بعناية وآخر يسجل بالفيديو لتوثيقها، تعقبها أخبار تنشرها كبرى الصحف والفضائيات، وتثير جدلاً يبدأ بانتقادات لاذعة يصدرها الوعاظ التقليديون خريجو الأزهر، ومعهم الكُتّاب العلمانيون، وبرغم ذلك تنمو ظاهرة «الدعاة الجدد» لأهداف عدة كاختراق الشرائح العليا بالمجتمع وترويج «إسلام السوق» كما وصفه الباحث السويسرى باتريك هاينى بكتابه الشهير ورسم ملامحه بعناية كمحصلة جهود استمرت عشرة أعوام، معتبرًا أنها «قيم إسلامية جديدة» لبيئة السلطة والثروة والنجاح، عززتها اختراقها للمجال العام، لتتحقق الفائدة روحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا بالدعم المتبادل لطبقة المتدينين الجدد المتصالحة مع قيم الحداثة، وأفرزت «الدعاة الكاجوال» الذين يقدمون خدماتهم نظير أجر معلوم تتجاوزه لإبرام صفقات البيزنس بشتى الأنشطة بدءًا بتأسيس فضائيات وصولا لشركات التصدير والاستيراد والعقارات، فالغنى ليس تهمة يخجل منها المؤمن، والمظهر الريفى الرث ليس صالحًا لأوساط النخبة التى تقود المجتمع، سواء بحكم مناصبهم الرفيعة بالدولة، أم شركاتهم الضخمة، أم مكانتهم المؤثرة كالفنانين والرياضيين والإعلاميين وغيرهم، وحرصهم على الابتعاد عن السياسة، لتنحصر أطروحاتهم بالدعوات الأخلاقية، والسعى للخلاص الفردى وفق المنهج البروتستانتى أيضًا، متجاوزين الكهنوت الكلاسيكى للوعاظ الأزهريين والسلفيين.
 
بالمقابل تبرز رؤية تستشعر خطورة الظاهرة باعتبارها «البوابة الأولى» لاستدراج الطبقات العليا وأبنائهم الذين تؤهلهم عائلاتهم لتبوء مكانة مرموقة، لتعقبها خطوات أخرى بعدما استنزف دعاة كعمرو خالد والجندى ومسعود وغيرهم بضاعتهم التى تتضافر فيها «الرقائق» بالسرديات الدينية المعروفة بلغة مُبسطة، والجرعات الروحية بالصفقات التجارية، وكما يقول المثل الشعبى المصرى «أول الرقص حنجلة»، فقد كانت مهمة «سى عمرو» هى «الحنجلة»، المؤدية حتمًا للرقص مع «الإخوان»، أو «الجهاد» أو «السلفية»، بعدما يكتشف الشباب، أن «سى عمرو» لا يملك إجاباتٍ شافيةً عن تساؤلات صعبة تتصدى لها نظريات «الحاكمية» وأطروحات «الولاء والبراء»، وبدلاً من أن يستمع جمهوره لحكاياته المسلية، يتوجه للخطوات التالية التى ستقوده لمستنقع «الدواعش» بالعبور لمرحلة جديدة، تناقش الشئون السياسية والقضايا العامة وتسعى لتعبيد الناس وأمرهم ونهيهم، فظهرت التحولات عقب ما يُسمى الربيع العربى ليتجاوز «الإخوان المسلمون» ساحة العمل المجتمعى لسعار السلطة، ويتحول السلفيون من رفض المشاركة السياسية لتأسيس الأحزاب، وتخطيهم حدود التشدد المذهبى السائد بينهم لسعة البراجماتية، وبالتزامن اتسعت الظاهرة الجهادية.
 
بيزنس الدعوة
 
ولعل هؤلاء الذين صنعوا «سى عمرو» الرسميون منهم والمحظورون، ظنوا أنهم بهذا النسق سيسحبون البساط من تحت أقدام الجماعات الأصولية الجهادية، بالتبشير بالنموذج الإسلامى المُدجّن «الروش طحن»، الذى يقدم «دعوة ـ كليب»، تستند لمؤثرات متعددة منها «الروشنة» وآليات السوق، فهذه الظاهرة خلقت مستهلكين مستفيدين سواء من الدعاة أنفسهم، أم رجال الأعمال الذين يبرمون معهم صفقات الدعاية لمنتجاتهم، وعلى سبيل المثال، ملف المدارس الإسلامية التى تشكل موجة تسويقية واسعة منذ «مدرسة الكمال» التى تأسست فى الثمانينيات وصولا لمدارس إسلامية تقدم مختلف أنواع شهادات التعليم الأجنبى للطبقة الأرستقراطية الجديدة التى تستهلك المنتج طالما كانت المعلمات محجبات وخريجات الجامعات الأجنبية.
 
حتى الحجاب تحولت فلسفته من لباس يعكس التواضع والحشمة، ويكاد يذيب الفوارق الطبقية بين النساء لصالح منافسات طاحنة لتسويق الأزياء الموسومة بالإسلامية، فنشأت مصانع تتفنن بإنتاج موديلات تستلهم أزياء شعوب إسلامية كالأتراك والخليجيين والمغاربة وغيرهم، بإضافة لمسات فنية تميزها بالذوق الراقى وتعبر حدود مصر للأسواق العربية والإسلامية، وتتبارى بحملات دعائية ومنافذ البيع الفاخرة، وتستقطب نجمات السينما والفضائيات للترويج مدفوع الثمن، ليتحول الحجاب لطبقة جديدة تتجلى بأحدث صرعات الموضة، وتلبى الرغبات الفطرية للإناث بالتجمل والتميز، وتتمدد لتشمل الإكسسوار والمجوهرات مرورًا بصالات «الجيم» و«صالونات التجميل الإسلامية» وصولاً لأندية نخبوية لممارسة «اليوجا الإسلامية» والعلاج بالحجامة المعروفة منذ قدماء المصريين والصينيين والعرب قبل الإسلام، ونظم التغذية المعروفة بمصطلح «الماكروبيوتك» الآسيوى الجذور باعتماد بساطة الغذاء وأسلوب الحياة كمفتاح للصحة السليمة، وبرغم تلك الحقائق جرت أسلمتها بتفسيرات متعسفة، وصلت للترويج لفوضى معالجة الأمراض المستعصية بالأعشاب وبول البعير.
 
وتبقى أسئلة عن وضعية هؤلاء الدعاة، وهل يمثلون الإسلام بمرحلة الليبرالية الجديدة «النيوليبرالية»، أم أحد تجليات الإسلام الصوفى فى طبعته العصرية؟ أم أنهم «وضعية مصمتة» بين رؤيتين الأولى: تستبعد ظهورهم وتمددهم عفويًا كإفراز للتحولات الاجتماعية دون ظهير يدعمهم، والأخرى تعتبرهم يحرثون الأرض لاستقطاب شريحة جوهرية ستلعب دورًا مهمًا بقيادة الوطن مستقبلاً، وبالتالى فالاطمئنان الساذج لأنشطتهم تقدير خاطئ.
 
صناعة نجوم الدعوة
 
كانت بداية «سى عمرو» مع الدعوة عقب حضوره احتفال عيد ميلاد ابن أحد أصدقائه فى «نادى الصيد» حيث ألقى خطبة حول الاحتفالات وكيفية توجيهها لصالح الإسلام بعدها طالبته الإدارة بلقاء أسبوعى يتناول الدعوة لتعاليم الإسلام، وبدأ نجمه بالصعود فانتبهت إليه السلطات، خصوصا بعد أن  بدأ الآلاف يتوافدون عليه حتى تجاوزت الأعداد حدودها، لكنه بعد فترة ولأسباب تتعلق بهندسة استخدامه مُنع من إلقاء الدروس بمسجد «نادى الصيد» ليبدأ رحلة جديدة بمراكز الشباب حتى اختارته «جمعية الحصري» ليخطب بمسجدها.
وتصور صُنّاع «سى عمرو» وأقرانه إمكانية اضطلاعهم بتفريغ حالة العنف من جذورها، وترسيخ «النموذج اللايت» للدعاة منزوعى المخاطر، وبرغم ذلك ترك تأثيراً واضحاً بمناطق أخرى تجاوزت التى استهدفها مهندسوه، فانتقل لشرائح اجتماعية لم تكن يومًا موضع استهداف الجماعات الأصولية، برغم وجود بعض النماذج الاستثنائية من هذه الشرائح انخرطت بالفعل بصفوف الجماعات الإرهابية، ومنهم أيمن الظواهرى مثلاً، لكن يبقى انتشاره بالطبقة المتوسطة العليا محدودًا، فالظواهرى استثناء لا يؤكد القاعدة بل ينفيها، بينما تحول «سى عمرو» بفضل «سحر الكُهان» لمنصة ربما يصبح الشاب العادى الذى عرفناه طيلة قرون استثناء من ظاهرة «الهوس الديني» السائد والمتنامي.
هذه الظاهرة التى تفشت اجتماعيًا ليست وليدة المصادفة، لكنها حصيلة ترتيبات وخطط مدروسة بعناية لظهوره بإلحاح بالصحف والفضائيات وحتى المنتديات الخاصة لرجال الأعمال الذين تعتريهم أحيانًا مشاعر الذنب لما يقترفه بعضهم من موبقات كنهب المال العام وسرقة أراضى الدولة، والتهرب من الضرائب وجميع أشكال الفساد المتفشية، فيعوضون ذلك بإقامة «صالونات دينية» تفسرها ظاهرة نفسية تُسمى «الترخيص الأخلاقي» Moral Licensing مفادها أن الإنسان حينما يتطوع بأنشطة خيرية يتصور أحقيته برخصه ارتكاب سيئات، تمامًا كحرص تُجار المخدرات على أداء فريضة الحج سنويًا، وإقامة مآدب الرحمن للفقراء ومنحهم الملابس والطعام، لذلك فهى حالة تحمل أبعادًا اجتماعية وسياسية وثقافية، ويستوى استخدامها بـ«نحنحة الهضبة» و«حشرجة شعبولا» ووعظ «سى عمرو» وإشاعة خزعبلات علاج المس الشيطاني، وهكذا تفاقمت الظاهرة منذ السبعينيات لتصل لذروتها نهاية عهد مبارك.
 
«اللهو الخفى»
 
وتشى بداية «ظاهرة عمرو» بحقيقة دور الكهنوت المستتر خلفه، فهو ليس إفرازاً شعبيًا خالصًا كظواهر الشيخ كشك، والمطرب أحمد عدوية، فهذان قاطعتهما  وسائل الإعلام الرسمية بصرامة، فيما فتحت صفحات كبريات الصحف صفحاتها، ووزعت أسطوانات CD لفضيلة «سى عمرو» مجانًا، لتضمن وصوله لجميع دول المنطقة، وتعبر المحيطات للغرب والشرق، ليصبح «سى عمرو» ظاهرة، برغم أنه لم يقدم جديدًا، لكنه يُعيد إنتاج حكايات شائعة بالتراث الإسلامى بمهارات تبشير القّس سامح موريس (راعى الكنيسة الإنجيلية بقصر الدوبارة) والذى يناسب نموذج «الشاب الروش» الذى يبغض القراءة ويسفهها ويقاطع الصحف، ويهيم بـ«الميديا الجديدة» ومواقع التواصل الاجتماعي، ويجتاز الامتحانات بالغش والدروس الخصوصية، ويلتحقون ـ بفلوسهم ـ  بالجامعات الخاصة، ويجدون أفضل فرص العمل الحكومية والخاصة، بينما تتبقى للقطاع الأكبر من أقرانهم وظائف من طراز «مندوب مبيعات»، و«سكرتيرة بتاع كله»، أو الانضمام لشريحة العاطلين.
 
وتبقى أخيرًا مسألة «الداعيات الجديدات»، وهى النسخة النسوية الموازية للدعاة الرجال، وإن اختلفت فى الكثير من السمات، فهن ينقسمن لفصيلين: اللاتى تخرجن من معاهد الدعاة، ومن يمارسن الدعوة خارج المؤسسات الرسمية، ووسائلهن لتوصيل رسالتهن، وهذا يتطلب قراءة منفصلة لأهميتها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg