رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 20 مايو 2019

نفحات رمضانية



السيدة نفيسة.. رفضت مصر خروجها حية أو ميتة

6-6-2018 | 22:03
د. لوتس عبد الكريم

 
حينما أمرنى أستاذى وشيخى الراحل الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر الأسبق، بالبحث والقراءة عن السيدة نفيسة، طافت بذاكرتى أحداث زمان قديم، حين قدومى إلى القاهرة تاركة مدينتى الإسكندرية، وقت رغبتى الشديدة فى زيارة معالم القاهرة القديمة، ومساجد أهل البيت، فكانت تزاملنى فى زيارة هذه الأماكن إحدى عجائز الأسرة التقليدية فى عباداتهن المتوارثة وكانت زياراتنا إلى مساجد الحسين، والسيدة زينب والسيدة نفيسة من أهم البرامج فى شهر رمضان، حيث الصلاة والتبرك.
كنت أشعر بالتفرد والاختلاف فى مسجد السيدة نفيسة، من حيث السعة والنظافة والعطر الخاص الذى يفوح حول ضريحها الملتف بالساتان الأبيض والزنابق والورد، كأنها عروس تزف لساعتها وأشعر براحة غريبة فى مناجاة الله والصلاة والدعاء بإيمان راسخ وبوحى من هدوء المكان.
استرجعت تلك الذكريات، وقد مضى عليها سنون طوال، وأنا أحاول القراءة ثم الكتابة عن السيدة نفيسة بنت الحسن بن على بن أبى طالب (145-208 هـ) تلك الصوفية العالمة، التى كانت مرجعا لكل باحث فى التصوف التى ولدت بمكة، ونشأت فى العبادة وتعلمت القراءة والكتابة وهى فى السابعة وكانت تؤدى فريضة الصلاة كاملة فى سن السادسة، بل حفظت المصحف ولم تبلغ الثامنة.
وكان الكل يتحدث عن هذه الفتاة الصغيرة، التى تصوم النهار وتقوم الليل، وتطوف الكعبة وتقول كلاما صوفيا فيه الحب لله تعالى.
وعاشت السيدة نفيسة فى المدينة المنورة عمرا مباركا، تلتقى العلماء وتناقشهم وكان من بينهم الإمام مالك بن أنس (179-93 هـ/ 795-711م) الذى كان حديث الفقهاء بكتابه الموطأ، الذى قال عنه الإمام الشافعى:«ما كتاب بعد كتاب الله أنفع من كتاب مالك بن أنس»، وهو كتاب كتبه الإمام مالك، بعد أن طلب منه الخليفة أبو جعفر المنصور وتوفى سنة 158 هـ، كتابة كتاب فى الفقه قائلا له:« يا أبا عبد الله بن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع إليه الأئمة والصحابة لتحمل الناس إن شاء الله على عملك وكتبك ونبثها فى الأمصار ونعهد إليهم ألا يخالفوها.
وكانت تخرج فى مواسم الحج سائرة على قدميها حتى مكة، وحجت ثلاثين مرة واستمر إلحاح الحجاج والعلماء المصريين عليها فى الدعوة إلى زيارة مصر، حتى قبلت، وجاءت إلى مصر فى السادس والعشرين من رمضان سنة 193 هـ، لتبدأ المرحلة الثالثة من عمرها.
كانت فى شوق لزيارة الأحبة الجدود، سيدنا الحسين والسيدة زينب رضى الله عنهما، واتجه كل العلماء إلى مجلس السيدة نفيسة يستمعون إليها، ويناقشونها فى خلاصة الاتجاهات الدينية وأحسنت من تدافع الوفود بالحرج من صاحب الدار، الذى استضافها وكان من أكبر التجار، فقررت العودة إلى المدينة المنورة، وجزع الأمير السرى بن الحكم والى مصر فى العهد العباسى، حتى سنة 201 هـ ـ 816م، واتجه إليها مع ألوف الناس، وحين علم بالأسباب، وهى ضيق المكان بالناس وانشغالهم بهم عن أورادها وعباداتها وواجباتها كزوجة وأم، حاول إراحتها وحل مشكلاتها، قائلا:«أما عن ضيق المكان فإن لى دارا واسعة بدرب السباع، وأشهد الله أنى وهبتها لك وأسألك أن تقبليها منى ولا تخجلينى بالرد، وأما عن الناس فنتقق أن يكون لك معهم يومان، وبقية أيام الأسبوع لعباداتك، ففرحت السيدة نفيسة بذلك وبقيت فى مصر.
ومن مكانها الجديد الذى يقع الآن مكانه مسجدها وضريحها، بدأت حوارات أكثر إشراقا فى الحياة الدينية بمصر، وجاء العلماء وأئمة التصوف من أنحاء العالم يتدارسون فى منزلها ويلتقون على كتاب الله طلابا فى مدرستها، ومن هؤلاء بشر بن الحارث الحافى، الذى تعرفت فى داره بالإمام أحمد بن خليل، وبعد ست سنوات من وصولها، استقبلت الإمام الشافعى الذى انطلق من مكانها إلى آفاق الدنيا بدراساته، واشتد ارتياطهما، حتى كانت تكلفه بصلاة التراويح فى مسجدها.
وتقول السيدة نفيسة عن الإمام الشافعى، لقد كان يحسن الوضوء، وحين يطلب إليها التوضيح تقول:«إن الوضوء الصحيح هو الأساس الذى تبنى عليه العبادات، فإذا كان الأساس قويا كان البناء سليما، وإن أعمال الوضوء كلها طريق إلى غسل القلوب من صدأ الذنوب وشرح للصدور وخطوة يتقرب بها العبد إلى ربه».
هكذا كانت آراء السيدة نفيسة، كمدرسة من الأنوار المحمدية، تناقلها الناس فى كل الأمصار، و قد سئلت عن رأيها بمصر، فقالت رضى الله عنها:«أراد الله بمصر خيرا وكفاها شرفا أنه ذكرها فى القرآن كما ذكر مكة».
وجاء شهر رجب من سنة 208 هـ وبدأت السيدة نفيسة تحتجب عن الناس لمرضها، ولم تعد قادرة على الصلاة، إلا وهى جالسة، وبرغم شدة المرض عليها، فقد أكثرت من الصلاة ومن قراءة القرآن الكريم، واشتد بها المرض وألح عليها الأطباء فى الإفطار حين حل شهر الصيام وأبت فى إصرار قائلة:«وا عجبا، لى ثلاثون سنة أسأل الله عز وجل أن يتوفانى صائمة فأفطر، معاذ الله»، وأنشدت حين ألحوا عليها مرات:
اصرفوا عنى طبيبى        ودعونى وحبيبى
زاد بى شوقى إليه           وغرامى فى لهيب
طاب هتكى فى هواء       بين واش ورقيب
لا أبالى بفوات              حيث قد صار نصيبى
جسدى راض بسقمى       وجفونى نيحبى
ومرت أيام شهر رمضان، وغابت لحظات طويلة تقرأ القرآن الكريم، حتى كان يوم الجمعة الخامس عشر من رمضان، فتقول زينب بنت أخيها:«وفى هذا اليوم استفتحت ـ السيدة نفيسة ـ بقراءة سورة الأنعام، فما تزال تقرأ إلى أن وصلت إلى قوله تعالى:«لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون» الأنعام (127)، غشى عليها، فضممتها إلى صدرى، فشهدت بشهادة الحق، وقبضت رحمة الله عليها، وكانت قد بلغت عامها الثالث والستين، وكانت قد قرأت القرآن تسعمائة مرة.
وما كاد الخبر ينتشر، حتى جاء الناس ينتحبون للسير فى جنازتها والتبرك بها قبل الرحيل، ولكنهم فوجئوا بزوجها المؤتمن يقرر نقلها إلى المدينة المنورة لتدفن بالبقيع، وحاول المصريون إقناع المؤتمن بالعدول عن رأيه دون جدوى، واستعانوا بالأمير والعلماء، ولكنه أرادها حيث مرقد أهل النبوة، وجاء الصباح بخبر جديد فقد عدل المؤتمن عن قراره، وخرج يقول لأهل مصر:«إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد جاءه فى المنام يأمره:«أدفنها عندهم ولا تعارض أهل مصر فيها، فـإن رحمة الله تنزل عليهم ببركتها»، ودفنت فى منزلها، وهو الذى فيه قبرها الآن، كما يذكر المقريزى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg