رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 22 سبتمبر 2018

مقالات



6/30.. ملهمة لثورة 15 مايو الليبية

29-6-2018 | 16:15
خالد الترجمان

30/6 هذا تاريخ له ما بعده، كما أنه جاء بسبب ما قبله ودون الخوض فى تفاصيل عديدة، وما اتضح بعدها من إعداد المشهد لتمكين الإسلام السياسى من هذه المنطقة، وإعادة رسم هندستها السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية، ولأسباب خاصة بتونس وعلاقتها التاريخية بفرنسا والتى لديها رؤيتها الخاصة فى التعاطى مع الإسلاميين، فضل الإخوان التراجع خطوات للوراء حتى لا يفقدون كل شىء.

أما فى مصر فاتجه الإخوان بحكم النشأة التاريخية لهم إلى لعبة الانتخابات والذهاب مباشرة من خلال الموسسات الدستورية إلى الاستيلاء على السلطة من رأس الهرم، ومن ثم أخونة كل شىء فى مصر، وفى ليبيا التى أراد لها المشروع أن تكون وعلى مرأى الإسلاميين «بيت المال»، التى ضخت عدة مليارات فى خزانة الإخوان تحت مسمى وديعة «لمصرف مصر المركزى»، الذى اتضح أنه لم يستلمها إطلاقا وأنها ذهبت للجماعة.
ليبيا هذا ا لاسم التاريخى الذى أطلق على منطقة شاسعة من الشمال الإفريقى وترسم بحدوده الحالية بعد الغزو الإيطالى لبلادنا كانت طوال التاريخ، خصوصا شرقها امتدادا وعمقا إستراتيجيا لمصر، كما أن مصر كذلك كانت الامتداد والعمق الإستراتيجى لليبيا.
فمنذ عهد الفراعنة كان الليبيون فى تواصل دائم مع مصر، والأثر الليبى موجود بمصر من شيشنق إلى رمز ريشة النسر التى زينت قبائل المكاى الليبية، وزينت كذلك قادة مصر الفرعونية، ولعل أهم الاكتشافات وجود الأهرامات المصغرة فى ليبيا، وكذلك المومياوات، سواء فى الجنوب أم فى أكاكوس أقصى جنوب غرب البلاد، كل ذلك وغيره من الشواهد تدلل على أن مصر وليبيا ارتبطتا تاريخيا، وأن الشقيقة الكبرى مصر كانت ومازالت من تساند شقيقتها ليبيا وقت الأزمات والشدائد، ولعل جراسيانى عندما فكر فى الانتهاء من المقاومة الليبية بقيادة شيخ الشهداء عمر المختار، قام بخطوتين، تهجير القبائل فى شرق البلاد واعتقالها فى المعتقلات الشهيرة، التى أودت بحياة ثلاثة أرباع مليون ليبيى، ثم زرع سياجا شائكا بطول الحدود الليبية المصرية، ووضع نقاط مراقبة ودوريات لمنع إمداد المجاهدين بالسلاح والذخائر والطعام، التى كانت مصر تقدمه دون منة لليبيا.
إن العلاقات الاجتماعية والمصاهرة طوال التاريخ مزجت الأنساب، وارتبط الليبيون والمصريون اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، لكل ذلك وأكثر كانت 25 يناير، وكانت 17 فبراير، لذلك وأكثر كانت 30 يونيو 2013، وكانت 15 مايو 2014.
ما قدمنا إليه فقط لنقول إن 30/6 فى مصر، و15/5 فى ليبيا، كانت بسب ما قبلهما، لذا لولا 30/6 فى مصر، ترى هل كان من الممكن أن تكون 15/5 الإجابة ليست سهلة حتما، فلنا أن نتخيل أن هذا العمق الإستراتيجى والدعم اللوجستى لقواتنا المسلحة التى قدمتها القيادة المصرية وعلى رأسها الرئيس عبد الفتاح السيسى، كان يمكن أن تكون لصالح الإخوان والمتطرفين وضد قواتنا المسلحة.
إن التاريخ يصنعه الرجال الحقيقيون الذين يمضون إلى الأمام مستفيدين من تجارب التاريخ والشعوب.
كانت ثورات تونس ومصر ثم ليبيا حتمية تاريخية، وكانت مشاريع الدول التى تداخلت فيها بعضها يتسق مع بعض ويتعارض مع آخرين، خصوصا فى وضع ليبيا تحديدا، بما حباها الله من ثروة بترولية ومن احتياطيات من الغاز والبترول، فمثلا «البئر C7» غرب البلاد والذى تقدر احتياطياته بما يمكن أن يكفى عددا من دول أوروبا لمدة ثلاثين عاما، والتى حاولت دويلة قطر أن تضع يدها عليه، من خلال مشاركتها للشركة المنقبة.
هذا وما تحويه كنوز صحرائنا من معادن وموقعها المتوسط على المتوسط وقربها من وسط إفريقيا، كل ذلك جعل المصالح تتفق وتتضاد وذلك ما جعل الصراع المسلح يتواصل بعد انتهاء القذافى وتحركت دول كتركيا ودويلة قطر، وكذلك الدعم المهم المستتر الذى تقدمه بريطانيا للإخوان من فتح شهية الإسلاميين، لبسط نفوذهم وسيطرتهم منذ إنشاء المجلس الوطنى الانتقالى وانضمامهم إليه وتخليهم عن اتفاقهم مع القذافى وابنه سيف الإسلام بعد ضمان سقوطهم وانتهائهم، وهذا ما جبل عليه التنظيم منذ نشأته وارتباطاته المشبوهة سواء بالاستعمار الإنجليزى أم بالماسونية وغيرها، ومن خلال المجلس الوطنى الانتقالى، على الرغم من أنه ضم العديد من الوطنيين الذين كانت لهم مواقف وطنية إبان عهد القذافى، إلا أن هؤلاء كانوا أحادا وكجزر متفرقة لم يكن يجمعهم فكر أو موقف أو حزب أو تيار، فى حين أن المجموعات الإسلاموية، سواء الإخوان أم الجماعة المقاتلة ثم من بعدهم أنصار الشريعة والقاعدة، هؤلاء سرعان ما سيطروا على كثير من السلاح و الذخائر، ونقلت شرقا لتخزينها، وآنذاك المعارك الطاحنة ضد القذافى كانت غربا، كذلك تم الإصرار على تسليم مصرف ليبيا المركزى للصديق الكبير وهو أحد رجالات الإخوان المنظمين للمجلس الانتقالى، كذلك تم تسريب مجموعات من الإخوان للمحافظ الاستثمارية الليبية فى الخارج وللسفارات وفق خطة واضحة المعالم لهم ومخفية عن الكثير من الليبيين حتى من وقف فى وجوههم داخل المجلس الوطنى الانتقالى تمت إزاحته دون صعوبة، بسبب أن التيار الوطنى كان يعمل فرادى ،كجزر متباعدة، وبالتالى لم تتم مواجهة الإخوان بتيار وطنى ديمقراطى واضح وقادر، وتمت التمويلات المالية الهائلة من قبل مصرف ليبيا المركزى للإخوان وللشركات الإخوانية التى تورد للبلاد كل شىء حتى المياه المعلبة، ولنا أن تتخيل صرف مبلغ خمسة مليارات دينار ليبى لتأثيث وزارات أول حكومة كانت أغلبها من الإخوان، وفتحت العديد من المسارب لتكديس الأموال والحصول عليها وكذلك العمل على حجبها عن الآخرين، خصوصا القوات المسلحة وخطط تسليحها وتدريبها من خلال إما تدجين بعض العسكريين والسيطرة عليهم بالمال والوعيد، أو بالبت فى التصفيات الجسدية والتى طالت بعد العسكريين السياسيين والنشطاء والحقوقيين رجالا وشبابا ونساء وطالت جميع المدن الليبية، وشاهدت أكبر تركيز لها فى عاصمة الوطن مدينة كل الليبيين (العصية) كما تحب أن نطلق عليها وسقط أكثر من ألف شهيد بأيدى محترفين كون أن هذه الجماعات تعرف أن معركتها الأساسية والتى يتوقف عليها مصيرها حتى فى بنغازى فإن سقطت بنغازى، فى أيديهم يسقط الوطن فكما علاقة مصر بليبيا تاريخيا علاقة بنغازى بالوطن، بنغازى هى شرارة بدء وانتصار كل حراك سياسى وعسكرى فى ليبيا قمنا أعلن الاستقلال وقتها خرجت مظاهرات ضد النظام الملكى، ومنها استولى القذافى على السلطة ومنها فرضت ضده طول عقود حكمه ومنها انطلقت ثورة 17 فبراير ومنها تصدى الشباب والشيوخ والنساء وحتى الأطفال للميليشيات وللإسلاميين من الجماعة المقاتلة وأنصار الشريعة والقاعدة وتصدى لها أبناء العصية فى جمعة الوحدة سميت جمعة إنقاذ بنغازى دفعنا فيها أكثر من 35 شهيدا، ولولا تدخل القوات الخاصة بقيادة رجل المدنية ونيس بوحمادة قائد القوات الخاصة لكانت مجازر لا يعلم إلا الله مداها، وسرعان ما تدخل المؤتمر الوطنى العام وحكومته ليشرعنوا هذه العصابات ويعلنوا أنها قوات وميليشيات تتبع الدولة، ولكن هذا لم يوقف الأمر وتحرك أبناء الوحدة  فيما أسميناه السبت الأسود تصدى أبناء بنغازى للميليشيات وكان يوما آخر دامياً ووقع فيه أكثر من 45 شهيدا.
وكما ذكر المجرم الإرهابى أن معركتهم أى معركة الإرهاب، هى مصيرية وحاسمة فى بنغازى (العصية) إن انتصروا فقد سقط الوطن فى أيديهم وإن خسروها فقد أنقذ الله الوطن منهم.
وكان ما أرادوه لقد هزمناهم بروح العصية بأبناء ليبيا المؤمنين وبالدولة الديمقراطية وبقيادة عسكرية فوضناها لمحاربة الإرهاب ولإنقاذ الوطن قيادة تمثلت فى المشير خليفة خفتر الذى نشر فى تاريخ الوطن وعرف واستوعب تاريخ الصراعات العسكرية.
تحرك أبناء العصية وفوضوا المشير خليفة حفتر وطالبوه بالتصدى للمجرمين والإسلاميين (أنصار الشريعة والقاعدة والميليشيات التى تحالفت معهم) وإنقاذ العصية وإنقاذ الوطن من السقوط فى براثنهم وبالرغم من قلة من كان حوله وقت انطلاق ثورة الكرامة ثورة التصحيح، حيث لم يتعد من خاض بهم المعركة الأولى فى 2014‪/‬5‪/‬15، ولكن ثقته وإيمانه بأبنائه فى القوات المسلحة وفى رجالات وشباب وأهالى شرق ليبيا وحتمية انتصار الحق وهزيمة الإرهاب جعلته يتعلق بهذه القوة ويهاجم معسكرات ومناطق تمركز قوات الإرهاب المسيطرة، والتى لا تفارق بها لدى المشير من عدة وعتاد ورجال وكان أن تشرف الفريق عبد الرازق الناظورى بأن يكون ابنه أول شهيد فى ثورة الكرامة، ليحمل لمثواه الأخير فى مدينة المرج ويعود فور انتهاء مراسم الدفن لأرض المعركة ولم يغادرها لا هو ولا الرجال حتى الآن، وليتوافد الرجال فرادى وجماعات للانضمام لمعارك الشرف والكرامة، وتسطر أكبر ملاحم البطولة فى تاريخه الحديث، هذه العقلية التى قادت هذه المعارك وبدأت بنفر قليل، هى عقلية قد استوعبت دروس التاريخ وانتصار الثورات فى العالم، وكذلك كان يعلم بأن ظهره سيكون محميا ومسنودا بأقوى جيوش المنطقة وبقيادة رجل وهب نفسه لجيشه وشعبه وقاد ثورة 6‪/‬30 بعد أن طلب شعبه تفويضا للقضاء على الإرهاب للقضاء على الإجرام، للقضاء عمن أرادوا تفويض الجدار الأخير الذى يحمى الوطن العربى من سبل السقوط فى أتون الإرهاب والتطرف وتمزيق الوطن، كانت ثورة 30 يونيو هى الملهم وهى السند وهى الداعم لثورتنا ثورة الكرامة فلولا انتصار ثورة التصحيح فى مصر ولولا شجاعة رجالات القوات المسلحة المصرية وإيمانهم بوطنهم مصر وبوطنهم العربى الواحد ولولا حكمة التوقيت الذى تحرك فيه الرئيس السياسى للإطاحة بمشروع أخونة مصر والاستيلاء عليها، ومن ثم تمزيق الوطن العربى والاستيلاء عليه وتنفيذمشاريع الغرب فى دول سنية وأخرى شيعية ودول عرقية وسطها لزيادة شرذمة الوطن بعدما فعلوه بالعراق وبجيشه وادخال الجيش السورى فى معارك لم تنته، أفشل الرئيس عبد الفتاح السيسى مشروعهم ليس فى مصر وحدها ولكن فى كل المناطق التى يحاولون الاستيلاء عليها وقدم للقوات المسلحة العربية الليبية ما احتاجته لبناء نفسها ومحاربة الإرهاب وتحرير الوطن وهذه الانتقادات التى تحرزها قواتنا المسلحة ما كان يمكن أن تتحقق بهذه الروعة والقوة لولا سامح الله لم تنتصر ثورة التصحيح فى مصر ثورة 30 يونيو، صحيح أن المعارك ضد الإرهاب لم تنته بعد، خصوصا لدينا فى ليبيا الحبيبة ولكننا ننتصر كل يوم درنة آخر معقل للمتطرفين فى شرق البلاد والتى كانت تمد المتطرفين فى مصر بالسلاح والذخائر وتدريب المقاتلين انتهت معاركنا فيها وكذلك أنهت قواتنا المسلحة طرد الميليشيات المتحالفة من بقايا سرايا إرهاب بنغازى والعراق والميليشيات المرتزقة التشادية من الموانىء النفطية، الطريق لا يزال أمامنا طويلا ولكننا حتما سننتصر ونستعيد الوطن من براثن الإرهاب، فلابد من الانتصار على الظلام (ومهما اشتد الظلام فالفجر قادم لا محالة).
وختاما لا يسعنى على المستوى الشخصى ومن منطلق وطنية أن أحيى الشعب المصرى قيادة متمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى والحكومة المصرية، وكذلك أثمن عاليا وأحيى بفخر موقف الإعلام المصرى الذى وقف معنا وساندنا، عندما كنا محاصرين إعلاميا وكانوا يصفون جيشنا الأبى (ميليشيات حفتر) كان الإعلام المصرى جريئا ومسموعا ومقروءا يقف معنا ويساندنا ويفتح لنا مساحة واسعة للمقاومة ومساندة قضيتنا فى حربنا ضد الإرهاب والمتطرفين.
وكانت «الأهرام العربى» أول من تقدم إلينا وكسر الحصار حولنا بقدوم أحد فرسان الكلمة فى مصر الأستاذ أحمد عامر الذى استقبلته فى طبرق وبرغم محاولات منعه من الوصول للعصية، حيث معارك الشرف والعزة خوفا على حياته بالدرجة الأولى لكنه ركب المخاطر معى وأبنائى الصغار وحضر لبنغازى وقاتل معنا بكلماته المقاتلة وتعرض معنا للقصف فى ساحة الكبش، حيث استشهد ذلك اليوم تسعة شهداء جراء قصف الدواعش لنا فى الساحة ورفض مغادرة الساحة وهو يرى الليبيين يهتفون متحدين الدواعش وقذائفهم، وهنا لن أنسى ما قاله لى إن فهد يقف فى مواجهة قذائف الدواعش وهو يهتف (ميتين ميتين توا ولا وبعدين) هؤلاء أناس لن ينهزموا وستنتصرون حتما.
هذا الرجل و«الأهرام العربى» رافقنى أو رافقته فى كل محاور القتال منذ أول لقاء له باللواء ونيس بوحمادة وتحرير حى الليثى، وحتى آخر المعارك فى بنغازى فى وسط البلاد والصابرى مرورا بالقوارشة وسيدى فرج وقنفودة، دون خوف ولا تردد، كما لن أنسى المساحات التى أتاحتها لى القنوات المصرية من سى بى سى إلى أون لايف ودى إم سى والنيل الإخبارية والإذاعات المسموعة إذاعة القاهرة وإذاعة صوت العرب المئات من المداخلات التى أسهمت فى سماع العالم من خلالها لصوتنا صوت الوطنيين الذين يسعون لبناء وطن حر ديمقراطى وإعادة الثروة لليبيين والتى استولى عليها الشراذم المتطرفة.
شكرا لمصر شكرا لشعبها شكرا لحكومتها شكرا لـ«الأهرام العربى» والإعلام المصرى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg