رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

مقالات



30 عاما حتى تصل إلى 30 يونيو

26-6-2018 | 23:25
مهدى مصطفى

 

 
قبل ثلاثين عاما جرت هذه القصة الفريدة. كان جدار برلين يتساقط فى أكتوبر 1989. تتدفق الجماهير بين ألمانيا الغربية والشرقية فى مشهد جنونى. 
 واشنطن تعلن نهاية التاريخ، والرأسمالية خاتم البشر. تتفكك دول أوروبا الشرقية بلداً وراء الآخر.المنشقون السوفييت يكشفون عن أدوارهم السرية فى إسقاط المعسكر الشرقى دون خوف. تتسلم الشركات العابرة للقارات دفة القيادة.
 واشنطن قائدة العالم تنتصر بلا حرب، حسب تعبير ريتشارد نيكسون. تفكر الآن فى الشرق الأوسط. تعطى الإشارة لرجالها الكامنين بالتحرك، تفكر فى ربيع على غرار ربيع براغ،  تتعطل قليلا فى البلقان، ولا تغيب عنها مكافأة رجالها الذين انتصروا لها  فى أفغانستان وأوروبا الشرقية، والشرق الأوسط،  فتفكر ملياً فى إعطائهم الجائزة الكبرى، والجائزة الكبرى هى تمكين رجالها المخلصين من حكم مصر.
  فى نفس العام الذى سقط فيه جدار برلين، كانت خلية  بريجنسكى ـ  صاحب تمكين آية الله الخومينى فى إيران ـ  تقود الفكرة الأكثر جنونا، وهى تسليم مصر لجماعة الإخوان. فقد ساعدونا فى مكافحة الشيوعية، وانتصروا لنا بجماعاتهم فى الحرب الباردة، وإذا تسلموا مصر فإنهم سيكونون خير حلفاء، والتاريخ القريب خير شاهد، فمنذ انخراطهم معنا أثناء الحرب العالمية الثانية لم يخرقوا اتفاقا، ولم يخلفوا وعدا.
 وكادوا  يسلمون مصر  للإخوان عام سقوط برلين.وضربوا مثلا بنجاحهم فى تسليم إيران للخومينى، وتراجعوا فى اللحظة الأخيرة تحت إلحاح النصائح بأن هوية مصر عصية على أن تكون هى هوية تركيا أو إيران، وأن الشرق الأوسط بالكامل قد يتحول إلى كتلة من اللهب، وما بين مؤيد عميق الإيمان بالفكرة، ومتخوف على مصالح أمريكا، تأجلت فكرة مصر، وحولوها إلى بلاد عربية وغير عربية حول الجغرافيا المصرية.
فى عاصمة عربية إفريقية اجتمعوا فى بيت آدم، وسلموه مفاتيح الفكرة لتنفيذها فى البلد متعدد الأعراق والأديان، ونجح آدم، وحكمت الفكرة، وعادوا وجربوها فى الجزائر، فدخل بلد المليون ونصف المليون شهيد فى عشرية سوداء، والمثل يقول «جراب الحاوى لا يخلو من الثعابين»، ذهبوا إلى تورجوت أوزال، رئيس تركيا الأتاتوركى الأخير، ورموا بالأفعى فى حجره، وكان هذا الرجل بمثابة الجسر الذى عبروا عليه لتمكين رجالهم المخلصين فى الحرب الباردة.
كانوا يعتقدون أن تركيا قادرة على استعادة مستعمراتها السابقة تحت مسمى «الخلافة»،  وكانوا يعتقدون أن البلد العربى الإفريقى سيحفر تحت جذور الأشجار المصرية، وكانوا يعتقدون أن تحويل قضية فلسطين إلى صراع دينى- دينى سيفعل مفعول السحر فى الجماهير، وكل هذه الظنون ذهبت أدراج الرياح، فعصبوا أعينهم ورموا بأنفسهم فى مياه المحيط العميق، واسترجعوا الفكرة الأولى بتسليم مصر لجماعة الإخوان، ونجحوا فى لحظة مريبة.
نجحوا فى صناعة فوضى، اشتغلوا عليها بدأب ثلاثين عاما، سرقوا هوية مصر، نصحوا صناع الفوضى بأن هذا هو الوقت المناسب، لا قبل ولا بعد، وقالوا لهم: انقضوا الآن، وقد انقضوا بليل، وظنوا أنهم فروا بالضحية، وتبادل أعضاء خلية بريجنسكى الأنخاب.
 وكانت السنة الثلاثون من جدار برلين نهاية للعبة واشنطن، استيقظ فيها المصريون، وقرروا الخروج إلى الشوارع فى أكبر جمعية عمومية فى التاريخ، ليستعيدوا هويتهم المخطوفة.
وكل جدار برلين وأنتم طيبون. وكل باراك أوباما وأنتم بخير.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg