رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 21 سبتمبر 2018

مقالات



كتاب مصرى جديد

29-6-2018 | 15:58
د.حسن شعبان

شكلت الحركة الثورية الشعبية المصرية فى الثلاثين من يونيو عام 2013 انعطافة تاريخية فى الحياة السياسية الحديثة للعالم العربى، حيث إن قدرة الشعب المصرى على الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين اعتبر ضربة قاصمة لكل مشروعات الأخونة فى المنطقة العربية، وأعاد بوصلة الحركة السياسية العربية بشكل وئيد إلى مشروع الدولة المدنية العصرية.

غير أن هذا النجاح المصرى التاريخى اصطدم بحائط التعتيم عليه، حيث عانى المشهد المصرى ولا يزال من ضيق فى أفق المتعرضين له، إذ يصر قسم من المتابعين لهذا المشهد على انتهاج أسلوب المقارنة والمقايسة مع التاريخ، وهو واحد من أكثر أساليب القراءة السياسية قصورا، فهو نهج  يقوم على إيجاد وحدة للقياس يحاكم المرحلة المصرية الحالية بالاستناد إليها، فمثلا هناك من المتابعين العرب من يبحث عن دور مصرى شبيه، لذاك الذى لعبته مصر إبان الحقبة الناصرية، وعليه يستحضر من تاريخ الخمسينيات والستينيات وحدات القياس الجاهزة فى مجالات الاقتصاد والسياسة والإعلام وغيرها، مطالبا باستنساخها وإلا فالويل والثبور، وهو فى هذا لا يبالى مطلقا بكل المتغيرات الهائلة التى شهدها العالم فى جميع مجالاته، والتى تجعل المقارنة بين العهد المصرى الحالى والعهد الناصرى أشبه بمقارنة الإمبراطورية الرومانية مثلا بواقع الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، وهو قياس اختزالى قاصر يظلم الحاضر ويسطح الماضى 
ومنهم من يرغب فى قياس الزمن المصرى الحاضر بمرحلة الرئيسين السادات ومبارك على ما فيهما من اختلافات، وهذا أيضا ختل سياسى مريب، لأنه يتجاوز الحيثيات الداخلية لكل تجربة من هذه التجارب بما لها وما عليها. وغير متنبه إلى فرادة كل تجربة من التجارب بخصوصياتها الزمكانية الخاصة.
 
والأدهى من نهج المقارنة هو ذاك النهج التبسيطى الذى يرتكز فى مقاربته لأى قضية أو مستجد سياسى إلى فكرة المؤامرة، فيأخذ فى التنظير عن الدور الأمريكى أو الدور الروسى وما لكل منهما من فعل وتأثير على هذا البلد أو ذاك، وما لكل منهما من نفوذ هنا أو مصالح هناك، واضعا كل المشهد المصرى الحالى فى دائرة اللعبة الدولية معتبرا أنه خلاصة حتمية لتناقضاتها وفعلها وهذا نهج مريض يلغى الفعالية الداخلية للدول والدينامكية الخاصة بكل شعب، ويمارس السياسة من منظور هوليوودى يرى فى عرابى المافيات القدرة على تحريك المقدرات والمصائر بأمر واحد، وهذا مما لا دليل عليه مطلقا فى السياسة الدولية، بل هناك عناصر معقدة تؤثر فى صوغ القرار، كما فى فاعليته وقدرته على الوصول إلى هدفه أو عدم قدرته على ذلك.
 
وبين النهجين الأول والثانى يبرز ثالث أكثر سطحية، إذ يستند إلى الموقف السياسى والأيديولوجى المسبق، فأتباع التيارات الإسلاموية يتناولون الواقع المصرى من منظورهم العقائدى، حيث السياسة ليست إلا تعبدا بأوامر تنظيمية تصدر من هذا المرشد أو ذاك الشيخ، دون أى اعتبار للمعطى الواقعى فى الحراك السياسي.. وهذا التيار بالذات لعب دورا مفصليا فى تجميد الحراك السياسى العربى، بل والعودة به قرونا إلى الخلف بتأثير من خطابه اللا تاريخى وأدبياته الشعاراتية المسطحة واستغلاله للدين لتثبيت العبودية والتخلف.
 
إن قراءة الدور المصرى بالاستناد إلى المعايير التى أشرنا إليها تمثل للأسف اختزالا مسفا لحقائق الجغرافية السياسية المصرية وهدما غبيا لأساسات أى مستقبل سياسى عربى مأمول فى قادم الأيام، إذ تمثل مصر بثقلها الديموغرافى وموقعها الجغرافى وقدراتها الثقافية والمعرفية حائط الصد الأوحد فى وجه طوفان الطائفية والمذهبية الذى يكتسح البنية الحداثية للمجتمعات العربية منذ سنين، ويطيح بها لصالح المشروعات التفتيتية والحروب الأهلية الممولة إقليميا ودوليا، فمكونات المجتمع المصرى واسعة التنوع وعميقة الجذور، والشاملة لجميع ألوان الطيف بين إسلام معتدل عقلانى يحتوى المذاهب بتشكلاتها المختلفة ومسيحية مشرقية تضرب جذورها فى عمق الحضارات القديمة، بإمكانه أن يصفع تيارات التكفير والتفتيت فيطيحها عن صدارة المشهد العربى الذى ما كان ليكون لها لولا التواطؤ الدولى والإقليمى على محاصرة النموذج الحضارى المصرى منذ سنين طوال.
 
غاية ما ينبغى قوله فى هذا الشأن: إن ما يحدث الآن فى مصر هو تجربة جديدة ومتميزة لا تخضع للقياس ولا للمقارنة مع أى مرحلة سابقة أو أى نموذج محدد سلفا، بل تنبغى قراءتها من خلال دورها
فى لحظتها التاريخية الراهنة وانطلاقا من سلسلة  متراكمة من المواقف تمثل منضمة إلى بعضها نهجا سياسيا متكاملا، لا أن تجزئ المواقف ويؤخذ كل منها على حدة ليبنى عليه.. 
وعلى من يرغب فى متابعة المشهدية المصرية أن يتحرر من الرؤية التقليدية والإسقاطات الماضوية والأهم هو التحرر من الثنائية الأرسطية القائمة على استحالة اجتماع النقيضين، وانقسام العالم إلى خير مطلق وشر مطلق والانفتاح على العقل الجدلى القابل لبناء دائم لنماذج جديدة على حساب انفراط أو ارتطام القديم. هذه النماذج الجديدة قد تكون هى ذاتها حالة متفردة فى التاريخ السياسى للمنطقة فى ظل تغيرات كبرى شهدها العالم ليس أقلها سقوط الأطر التقليدية للتفكير والتحليل السياسى .
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg