رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



«30 يونيو» أوقفت الإستراتيجية الغربية

29-6-2018 | 16:00
د. موفق محادين

من بين تداعيات واسعة محلية وخارجية لثورة 30 يونيو المصرية، التى تقاطع الشارع فيها مع تقاليد الجيش المصرى فى اللحظات العصيبة للدولة العميقة، فإن أهميتها التاريخية تأتى من الدور الحاسم الذى لعبته فى وقف الإستراتيجية الأمريكية – الصهيونية الجديدة، والمثلث الإسلاموى الذى راهنت عليه فى هذه الإستراتيجية: تركيا العثمانية كمركز إقليمى، وقطر كمركز إعلامى ومالى، والإخوان كذراع (شعبى). 

يشار هنا، إلى أن فريق إدارة الأزمات الأمريكى ومستشاريه مثل الراحلين (بريجنسكى وبرنار لويس) وباحثين فى معهد واشنطن، كارنجى ونيد وراند، قد توصلوا إلى أن أفضل بديل لدولة الحرس البيروقراطى العربية، هو مزيج من الإخوان المسلمين وممثلى الليبرالية (المتوحشة).
 
وحسب وثيقة منشورة باسم أحد هؤلاء الباحثين، وهو الخبير الدستورى الأمريكى ـ اليهودى، نوح فيلدمان، فإن جماعات إسلامية مثل الإخوان والشيخ القرضاوي، وحركة النهضة بزعامة الغنوشى تتمتع ببراجماتية أعلى من قوى عديدة غير إسلامية، ولا تمثل أى خطر على أيديولوجيا السوق الرأسمالية، وقادرة على نزع أو تنفيس جرعات الغضب الشعبية العربية فيما يخص الصراع العربى ـ الصهيونى، وذلك بتبنى سياسات مستمدة من تأويلاتها للموروث الإسلامى، كما فعل خالد مشعل حين تحدث عن هدنة طويلة، على غرار صلح الرملة.
 
وثمة استدراك ضرورى هنا، هو أن الحديث عن الاستبدال الأمريكى لدولة الحرس البيروقراطى لجماعات من الإسلام السياسى المدعومة من جماعات التحالف المدنى وما يسمى الثورات البرتقالية، لا يعنى أن إستراتيجية الإزاحة والإبدال المذكور، إستراتيجية للانتقال الهادئ الذى يحافظ على الدولة ويغير شكل النظام فيها، بل هى كما أكدت التجربة والمعطيات، إستراتيجية عنوانها الفوضى والحرائق والحروب والفتن المذهبية والجهوية، التى أدت حيثما اندلعت إلى تفكيك الدول وتفتيت المجتمعات وتبديد كل ما راكمته الشعوب من بنى تحتية على مدار العقود.
فباسم تغيير الأنظمة تم تحطيم الدول وقطع طريق الاندماج المدنى والهويات الجامعة، لصالح أشكال من الاحتراب والكانتونات الطائفية والهويات القاتلة.
 
يضاف إلى ذلك فى الحالة المصرية، أن تفكيك مصر وإضعاف الدولة العميقة فيها، هدف ثابت فى كل السيناريوهات الأمريكية ـ الصهيونية المتداولة لإشاعة الفوضى ورسم الخرائط الجديدة على أسس مذهبية وجهوية: من السيناريو الذى ورد فى كتاب خنجر إسرائيل للصحفى الهندى كارنجى وكتب مقدمته الرئيس التاريخى الأسبق لمصر وقائد الأمة وضميرها، جمال عبد الناصر، إلى السيناريو الإسرائيلى الذى صدر فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى تحت عنوان إستراتيجية إسرائيل للعقود المقبلة، إلى السيناريو الذى أعده برنار لويس وتبناه الكونجرس الأمريكي.
كما كشفت وثائق عديدة عن سيناريو أمريكى ـ إسرائيلى لتحويل سيناء إلى خاصرة رخوة تمتد إلى مصر كلها عبر الجماعات التكفيرية، وبما يؤدى أيضا إلى انتزاع أقسام من سيناء لغايات التوطين.
فى ضوء ما سبق، لم تكن هناك أولوية تعلو على قطع الطريق على هذه السيناريوهات، ودور الإسلاميين فيها، فجاءت ثورة 30 يونيو، كاستجابة مصرية شعبية داخلية وكضرورة على المستوى القومى، سرعان ما انعكست فى كل زاوية من زوايا الوطن العربي، فعمقت ما أنجزه الجيش السورى ضد العصابات التكفيرية، وما أنجزه الوطنيون والعلمانيون والديمقراطيون فى تونس وغيرها ونقلت جماعات الإسلام الأمريكى من الهجوم إلى الدفاع.
 
إلى ذلك، لا بد من الإشارة إلى ضرورة تصحيح نظرة البعض إلى هذه الحركة المجيدة، فهى ابتداء ليست حزبا ولا كتلة تاريخية بالمعنى الذى تحدث عنه غرامشى، ولا يجوز أن تناقش وتقارب كظاهرة واحدة موحدة من حيث مضمونها الاجتماعى والديمقراطى.
 
فهى حركة واسعة الطيف، وتنطوى بسبب تنوعها الاجتماعى والسياسى والأيديولوجى على تعارضات موضوعية، لا تقلل من أهميتها وضرورتها التاريخية ومن صيرورتها كذلك، ولا يجوز سحب أية ملاحظات على الجزء أو ذاك من صناعها وتياراتها على مجمل هذه الحركة.
 
والمهم أن رحلة الألف ميل التى أطلقها المصريون بكل مكوناتهم الوطنية، بدأت بخطوة صحيحة، هى إزاحة الإسلام الأمريكى من طريقهم، الذى لا يزال شاقا وطويلا ضد التبعية.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg