مقالات



واشنطن وبيونغ يانغ .. الشيطان يكمن فى التفاصيل

4-7-2018 | 21:37
د. حسن أبوطالب

قبل يومين التقى وزير الخارجية الأمريكى بومبيو مسئولين كبار فى بيونغ يانغ، وقبلها التقى السفير الأمريكى فى فيتنام نظراء له من كوريا الشمالية فى المنطقة الفاصلة بين الكوريتين. تأتى هذه اللقاءات على خلفية القمة التاريخية التى عقدت بين الرئيس ترامب والزعيم الكورى الشمالى كيم جون فى سنغافورة 12 يونيو الماضى، التى سبقتها تدخلات صينية وروسية أسهمت فى عقد القمة، لكن دون الإعلان عن محتوى هذه التدخلات. لقاءات المسئولين الأمريكيين بنظرائهم الكوريين الشماليين تعنى أن هناك عملية ما يجرى الإعداد لها. ولكنها عملية تظل محفوفة بالمخاطر، ومحاطة بالاعتراضات من قبل بعض المؤسسات الأمريكية، وفى مقدمتها الاستخبارات الأمريكية التى سربت عمدا قبل أسبوع محتوى أحد تقديرات المواقف بشأن موقف كوريا الشمالية المتوقع تجاه نزع سلاحها النووى.

تسريبات استخباراتية 
 
وفى هذه التسريبات التى نشرتها صحف أمريكية، نجد تشكيكا فى نزاهة الموقف الكورى الشمالى، واستنتاجا بأن بيونغ يانغ سوف تلجأ إلى خداع الأمريكيين ولن تكشف عن كامل ترسانتها النووية وسوف تلجأ إلى إخفاء بعض أسلحتها النووية والصواريخ العابرة للقارات فى أماكن سرية. ويبدو أن هدف التسريبات أمران؛ أولهما إما الضغط على بيونغ يانغ نفسها لكى تقدم كل ما لديها بغض النظر عن غموض المقابل الذى سوف تقدمه الولايات المتحدة. والثانى الضغط على المفاوضين الأمريكيين أنفسهم من أجل التمسك بمطلب النزع النووى الكامل لكوريا الشمالية بدون تقديم أى تعهدات أمريكية محددة. بعبارة أخرى التمسك بما يعرف بالسيناريو الليبى.
 
وهنا يبدو الأمر من داخل الدولة الأمريكية نفسها ومؤسساتها العميقة ملتبسا إلى حد كبير، وقبل تسريب محتوى تقرير الاستخبارات الامريكية انتقد كثير من النواب الأمريكيين القمة بين ترامب وكيم، وتعهدوا برفض أى شىء تقدمه الحكومة الأمريكية كمساعدات لبيونغ يانغ، مما جعل بومبيو يصر على أن بلاده لن تقدم أى شىء لكوريا الشمالية ولن تحمل دافع الضرائب أى شىء، وفقط ستقوم واشنطن برفع كوريا الشمالية من قائمة الدول الراعية للإرهاب والسماح للقطاع الخاص بالاستثمار هناك. 
 
هذه التطورات الملتبسة تعد انعكاسا طبيعيا للمقولة الشائعة “الشيطان يكمن فى التفاصيل”، وهى العبارة التى تُقال دائما عند بداية مفاوضات صعبة بين طرفين كل منهما يضمر الشر للطرف الآخر أو على الأقل يتوجس كلاهما من الآخر، وتاريخ من الصراعات الوجودية، أو بينهما جبال من المشكلات الصعبة التى تتطلب تنازلات متبادلة وصعبة على الطرفين. 
 
المبادئ الأربعة 
 
وإذا نظرنا إلى محتوى الوثيقة التى وقعها كل من الرئيس ترامب والزعيم الكورى الشمالى كيم جون سنجد أنها تدعم نظريا وعمليا وجود خلافات عميقة لا تجد حلا حتى الآن. إذ تتضمن أربعة مبادئ عامة، أولها التزام الطرفين بإقامة علاقات جديدة وفقا لتطلع الشعبين إلى السلام والازدهار، وثانيها العمل على إقامة وتعزيز سلام دائم ومستقر فى شبه الجزيرة الكورية، وثالثها التزام كوريا الشمالية باتخاذ إجراءات لنزع كامل الأسلحة النووية فى شبه الجزيرة الكورية، وأخيرا إقامة علاقات جديدة بين البلدين.
 
هذه المبادئ الأربعة من حيث الجوهر ومن حيث طبيعة الصراع بين الطرفين تعبر عن مقايضة بين نزع سلاح كوريا الشمالية النووى بصورة كاملة فى شبه الجزيرة الكورية، وربط ذلك بنزع السلاح النووى من كامل شبه الجزيرة الكورية، وإقامة علاقات جديدة بين واشنطن وبوينغ يانغ تمهد إلى تغيير كبير فى مجمل علاقات شرق آسيا. وبعض التقارير أشارت إلى تعهدات أمريكية أمنية كمقابل لنزع السلاح النووى، كان قد صرح بها وزير الخارجية الأمريكى بومبيو. وهى مقايضة تبدو طبيعية وتلبى لكل طرف بعضا من مطالبه وطموحاته. المبدأ فى حد ذاته يبدو مقبولا، وربما فى المحادثات الثنائية بين ترامب وكيم التى لم يحضرها أى من المسئولين من البلدين، تم الاتفاق على بعض التفاصيل غير المعلنة وغير الموثقة، التى يصعب الاعتماد عليها كاتفاق رسمى بين بلدين. ومن ثم يمكن القول أن الوثيقة تشير إلى أمور معقدة وأخرى مستبعدة، أو مسكوت عنها أو لا يرغب الطرفان فى إثارتها أو الإشارة إليها علنا على الأقل فى المرحلة الراهنة، التى تُعد بمثابة مرحلة تأسيس لعلاقات جديدة بشروط معينة. 
 
المسكوت عنه
 
ومن أهم المسكوت عنه أربعة أمور، أولها ما يتعلق بإنهاء الحرب الكورية رسميا. فمنذ العام 1953 هناك هدنة بين الكوريتين تضمنها الأمم المتحدة، ولا تسمح بأكثر من تفاعلات محدودة للغاية. ومعروف أن مطلب إنهاء الحرب رسميا هو مطلب كورى شمالى بالأساس، والسكوت عنه يعنى أن الهدنة ستظل هى الأساس حتى يتم التخلص من الأسلحة النووية الكورية الشمالية. والمتصور إذا نجحت عملية بناء علاقة جديدة بين بيونغ يانغ وواشنطن فسوف يتطور الأمر لاحقا إلى توقيع معاهدة بين الكوريتين بمباركة أمريكية ودولية لإنهاء الحرب، وبدء علاقات دبلوماسية عادية.
وثانيها غياب الالتزام الأمريكى الواضح والمحدد بضمان أمن نظام كوريا الشمالية وما المقابل الأمريكى الذى ستقدمه إذا بدأت كوريا الشمالية فى نزع سلاحها النووى. ووفقا لتصريحات الرئيس ترامب نفسه بعد الانتهاء من القمة، فإن العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية سوف تستمر، ولن ترفع قريبا، معتبرا أن هذه العقوبات نفسها هى التى أدت إلى الموقف الكورى الشمالى المتمثل فى الالتزام بنزع السلاح النووى فى شبه الجزيرة. ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة تنتظر التخلص الكامل من البرنامج النووى ومن الأسلحة التى تم صنعها ومن المعارف النووية التى تَحصّل عليها علماء كوريا الشمالية، وأن يتم ذلك سريعا جدا جدا حسب تعبيرات ترامب نفسه، وغالبا سيكون ذلك وفق نظم التحقق التى تتبعها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبعد ذلك فقد تنظر الولايات المتحدة فى رفع العقوبات وإعطاء الضمانات الأمنية والبدء فى علاقة جديدة. 
 
مثل هذا السيناريو هو نفسه ما يعرف بالسيناريو الليبى فى عهد القذافى، وقوامه أن يتم التخلص من كل شىء مقابل وعود مؤجلة وليست محددة وليست مضمونة التطبيق. أما مسألة أن يكون هناك تدرج والتزام متبادلان مع إنجاز كل خطوة فهو مطلب طرحه الكوريون الشماليون لكنه مرفوض أمريكيا، ولا تنص الوثيقة التى صدرت عن القمة عن أى مؤشر يوحى بهذا الأسلوب التدرجى فى التنفيذ والمتبادل فى الالتزامات. ومن خلال تصريحات الرئيس ترامب أيضا يبدو أن التعهد العملى الوحيد الذى قد تلتزم به هو وقف مؤقت أو تخفيض مستوى التدريبات العسكرية البرية والبحرية المشتركة مع كوريا الجنوبية التى تجرى سنويا، التى تعتبرها كوريا الشمالية تدريبات استفزازية تمهد لغزوها. 
 
والمثير هنا أن الرئيس ترامب أشار إلى وقف هذه التدريبات المشتركة باعتبارها غير ملائمة فى وقت يبنى فيه علاقة جديدة مع الزعيم كيم، وأيضا لأنها مكلفة وبلاده تدفع معظم تلك التكلفة. وبما يعنى أنه نظرته للأمور المتعلقة بالأمن الأمريكى مرتبطة بحجم الأموال التى تنفق عليها. والسؤال الذى يتبادر إلى الذهن هو، إلى أى حد يمكن أن يكون خفض مستوى هذه التدريبات كافيا لإقناع نخبة الحكم فى كوريا الشمالية، بالاستمرار فى تدمير الضمانة الوحيدة لأمن البلاد، دون أن يكون هناك أفق محدد ومضمون للمقابل المناسب؟ وهو تساؤل تصعب الإجابة عنه نظرا لحجم الصمت الذى يحيط بطريقة صنع القرار فى بيونغ يانغ.
 
الصواريخ العابرة للقارات  
 
والأمر الثالث يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية لدى كوريا الشمالية، والتخلص منه ليس مطلبا أمريكيا وحسب، بل مطلب يابانى رئيسى وأيضا مطلب كورى جنوبى. والواضح أن الحديث بشأنه سيظل مؤجلا إلى حين حسم ملف القدرات النووية لكوريا الشمالية. وليس مستبعدا أن تطرح واشنطن التخلص من هذه الصناعة الصاروخية لاحقا كشرط رئيسى قبل أى رفع للعقوبات عن بيونغ يانغ. وكانت واشنطن قد طالبت قبل عقد القمة بأن تقدم بيونغ يانغ صاروخا باليستيا عابراً للقارات وعدداً من الرؤوس النووية ومواد نووية مختلفة، غالبا لفحصها وبيان مدى تقدمها ومن ثم تحديد حجم المعارف النووية لكوريا الشمالية، وهو ما رفضه الزعيم كيم. والواقعة تدل على إصرار واشنطن على محو الذاكرة النووية للنظام فى كوريا الشمالية.  وهو أمر يصعب تصور أن تقبله بيونغ يانغ بدون مقابل محترم.
 
ورابعا ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان فى كوريا الشمالية، وهذه النقطة تثير الكثير من الحساسية لدى بيونغ يانغ، ومعروف أن الولايات المتحدة تصدر تقريرا كل عام عن الحريات فى العالم، وعادة ما تنال كوريا الشمالية الكثير من الانتقادات، فهل سيتم التغاضى عن تلك الانتقادات فى التقارير المقبلة فى الوقت الذى يُتصور فيه قيام بيونغ يانغ بعملية تفكيك لبرنامجها النووى؟
هذه القضايا الثلاث معا تعطى مصداقية أكبر لمبدأ الشيطان يكمن فى التفاصيل. ولن يطول الأمر كثيرا، فقد بدأت اللقاءات الثنائية بين مسئولى البلدين وهدفها تحويل المبادئ الأربعة إلى أسلوب عمل وإلى خطط وإلى سياسات ومواقف، وكل ذلك يصب فى التفاصيل التى ستوضح إلى أى مدى يمكن بناء مرحلة جديدة فى شبه الجزيرة الكورية وفى توازنات القوى الدولية فى شرق آسيا ككل. لقد تعهد الرئيسان بطى صفحة الماضى، لكن يظل السؤال: كيف ذلك بدون أن نعرف التفاصيل؟! فلننتظر ونر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg