رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



وما أدراك ما آدم؟

3-7-2018 | 23:14
مهدى مصطفى

على أية حال جرت القصة. ولد آدم، واستبشر به أبواه. وتيمنا باسم أبى البشر سمياه آدم، قالت والدته لأبيه: حتى يجرى على كل لسان دون عناء.

ذهب آدم صغيرا للدراسة فى بلاد العم سام، كان فطنا ذكيا وزكيا، سريع العلم والثقافة، التقط جوهر البلاد الشاسعة، حظى برعاية المكتشفين الماهرين، كان فطنا ذكيا وزكيا، فى أعماقه قرار بالتخلى عن بشرة لوحتها شمس البلد العربى الإفريقى، متعدد الأعراق واللسان والأديان، ونسى أبويه ردحا من الزمن، ثم نسيهما للأبد حين واتته الفرصة.
 
عاد من بلاد تمثال الحرية. لسانه ألسنة، لغات ولهجات، شق طريقه فى سن مبكرة إلى قمة الدنيا، فهو يحظى برعاية العم سام، وجد نفسه يتحكم فى مصائر التاريخ والجغرافيا، وكان كما قلت ذكيا وزكيا، فانخرط بين الناس فى تواضع الصناع المهرة.
 
 تعلو وجهه ابتسامة خفيفة. يتواضع أينما حل، له حكمة الشيوخ، وفتوة الشباب، يمشى بين الناس خفيفا، اختاره الناس إماما دون أن يتقدم الإمامة.
 فى ذلك البلد الإفريقى الشاسع، عربى الهوية، تتصارع النخبة على السلطة، تصدح الحناجر، وحده كان بعيدا كمرجع أخير عند الاختلاف. 
 
 لا يراه أحد إلا قلة مختارة، لم يكن طرفا يوما فى معركة، فى داره يلتقى المختلفون، يحكم بينهم، تتغير الأنظمة، غربية مرة، وشرقية مرات، يبقى هو فى مكانه السامق دون أن يتزحزح عن مكانته، ولسان حاله يقول: سيأتى إلىّ خراجها كما كان يقول المرحوم هارون الرشيد.
 
 أخيرا جاءت البشارة، وتلقى آدم التعليمات قبل سقوط الاتحاد السوفيتى بقليل، قالوا له حان وقت تسديد فاتورة التعليم، ووقع عليك الاختيار لتكشف ما تعلمته وتنفذه بدقة، وكان يتلقى الأوامر كأنه فى محراب.
 
 والفاتورة هى تجريب حكم الإسلام السياسي فى بلادك، وأنت أهل للبشارة، وأنت تعرف يا آدم ليست بلادك هى المقصودة، إنما البلد العميق المسمى مصر، كنا قد اخترناها فى البداية بعد انهيار الكتلة الشرقية، ولكن مصر فى حاجة إلى زمن طويل، فلنجرب الحكاية هنا، وأنت قادر على روايتها وتنفيذها، وقادر على حشد الجماهير من كل فج عميق، ألست يا آدم بقادر على سحر متابعيك، وألست مخفى الهوية عن مريديك.
 
كان آدم فى مزرعته العامرة بأشجار المانجو والموز، احتسى شايا أسود، وشرع فى تنفيذ الرواية المتشابكة، استيقظ الناس، وجدوا آدم يدعوهم لطريق جديد فى بلد متعدد اللسان، متعدد الأديان، ولكنه كان قادرا على صهر الجميع فى مشروع حان وقته وموعده.
 
بينما كانت وسائل الإعلام مشغولة بما يجرى فى أوروبا الشرقية، والصراع على السلطة فى موسكو، كان رفاق آدم يتحركون لتنفيذ تعليمات العم سام، لتجد الجماهير نفسها فى حيرة وارتباك، فآدم حين يقول شيئا فهو الحكيم.
 
 ونجح الحكيم، وصار رفاقه يحكمون ويتحكمون، ولا يمر نهار ولا يأتى ليل إلا واللعنة تقع من أفواههم على الاستعمار، والتبعية، ويحظى العم سام بأكثر اللعنات فى التاريخ المكتوب والشفاهى، وفى لحظات النشوة العارمة تهتف الجماهير الموت للشيطان الأكبر، أهلا بالاستقلال وداعا للتبعية.
 
 فى بلاد آدم جاءت الجماعات المميتة من أفغانستان، والصومال، واليمن، ومن كل فج عميق، صارت البلاد ملاذا آمنا لـ «المجاهدين» والناس مساكين، وفى ظن أنهم إلى الله يتقربون.
 هتف الجميع بقتال الكفار، أما آدم فكان يجلس حيث يريد، بعيدا عن فوهة السلطة، يكتب الحكاية بأهداب عينيه، فتمضى فى مسارها المرسوم.
 
آدم المطمئن إلى عالمه، التلميذ النجيب لمعلميه، وجد نفسه فجأة وسط الطوفان ، طوفان يسمى 30 يونيو، ذلك اليوم الذى لم يرد على خاطره، ولا على بال معلميه القدامى والمحدثين، فسكت آدم عن الكلام الحرام، وقال لمشغليه: إنه بلد لم يولد مثله فى البلاد، فلا تجربوا كوابيسكم فيه. 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg