المجلة



جدلية الدين والحداثة فى الليبرالية العربية

4-7-2018 | 22:23
أمنية حجاج

أصدرت المكتبة الأزهرية للتراث كتاب حسن محمد شافعى وعنوانه “الليبرالية العربية “جدلية الدين والحداثة” حيث تمثل جدلية الشورى والديمقراطية مجالا لاختلاف العلماء والمفكرين العرب والمسلمين. بين اتجاه يرفض هذه العلاقة، انطلاقا من أن الديمقراطية مفهوم علمانى لا ينسجم مع الثقافة الدينية للمجتمع العربى الإسلامي، واتجاه آخر يعتقد بأن ثمة اختلافا بين الفكرة ووسيلة تحققها فى الواقع الاجتماعي، ومن ثم فإن مبادئ الديمقراطية ليست فى تناغم مع الفكر الإسلامى فحسب، بل إن جذور هذا المفهوم تتجسد فى العديد من مفاهيم الحكم والسياسة فى الفكر الإسلامى الدينى والسياسي، على الرغم من أنها نمت تاريخيا بشكل مختلف عن الغرب.
وتمثل الليبرالية أحد أبرز منتجات الفكر الديمقراطى الغربى للدولة الحديثة القائمة على المواطنة، وسيادة القانون، والتعددية السياسية، واحترام حقوق الإنسان، وحقه فى الاختلاف مع الآخر، والفكر السياسى فى الحضارة الإسلامية تطور مع الأحداث السياسية التى انتجت واقعا جديدا اجتهد الصحابة العلماء فى التعاطى معه من أجل التنظير للسلطة السياسية وعلاقتها بالمجتمع، ويمثل نموذج دولة المدينة التى أسسها الرسول النموذج الملهم للأسس العامة للنظرية السياسية من شورى وإجماع وعقد وحرية المعتقد، والتى فى عهد الرسول فى دستور المدينة (الصحيفة) التى حددت فئات الدولة من مسلمين ويهود ومشركين، ونص عليهم قبيلة قبيلة، يكونون جميعهم أمة من دون الناس، ونصت الصحيفة على حقوقهم وواجباتهم باعتبارهم مواطنين، وبينت حدود إقليم الدولة (يثرب) وتُعد هذه الصحيفة فى نظر فقهاء القانون الدستورى سبقاً دستورياً تعرّضت لأهم قضايا الدولة كالمواطنة وشروطها، ومقاربة مفهوم الليبرالية بالفكر الإسلامى يحتاج قراءة لتطور المفهوم فى الفكر الغربى منذ بداية (العقد الاجتماعي) عند توماس هوبز، والتمييز بين الليبرالية كفلسفة قائمة بالأساس على مقولتى الحرية والفردية، وبين نماذج وآليات عمل الليبرالية المتنوعة التى تحمل تحيزات اجتماعية وتاريخية، وهو ما جعلها ليست نموذجا واحدا فى الفكر الغربى ذاته.
لذلك يمكن القول: إن المدخل لهذه الإشكالية هو قراءة الليبرالية بعيدا عن تحيزاتها المعرفية من خلال سبر أغوار مضامينها الفلسفية، ومقاربتها بالفكر الإسلامى من خلال مقاصده وأهدافه العامة، فالمصطلحات ليست كائنات جامدة كما يؤكد رائد الفلسفة اللغوية فى العصر الحديث فيتغنشتاين بأن (معنى الكلمة ليس له ثبات أو تحديد، واللغة ليست حسابا جامدا دقيقا، وإنما تعدد معانى الكلمة بتعدد استخداماتنا لها فى اللغة العادية، وأن الكلمة مطاطة تتسع وتضيق استخداماتها بحسب الظروف والحاجات).
وقد أنتجت المدرسة البرجماتية الأمريكية تصورا جديدا للمفاهيم والأفكار لمعالجة هذا الأمر مؤسسًا على المضمون ودلالته فى الواقع لا على المعنى التجريدى النظري، واعتباره هو أساس الفهم الصحيح لا المعنى النظرى بل زادت على ذلك فى اعتبار أن المصطلحات التى تفتقر إلى دلالات واقعية عملية ليس لها وجود بالأساس.
والمفاهيم الاجتماعية بشكل عام والسياسية بشكل خاص لا تخضع لتعريفات المناطقة ذات الطبيعة المحدودة فى المعنى والدلالة مثل التعريف (بالحد والرسم) بل هى تتطور وفقا للفلسفة العامة للمجتمع، وتصورنا لأبعاد تلك المفاهيم التى هى تصورات ذهنية ذات طبيعة وظيفية لا تستلزم ماهية الشيء على طريقة الأقدمين حين عرفوا (الحد) على أنه مأخوذ من طبيعة الشيء.
فالليبرالية فى المجتمعات العربية والإسلامية تواجه إذن إشكالية سوسيولوجية، وأخرى ثقافية تجسدت فى أطروحات بعض العلمانيين العرب بادعاء استعصاء قيم الليبرالية على التأقلم مع واقعنا لوجود إعاقات بنيوية داخل الثقافة الإسلامية يحول دون ذلك، وهى افتراضية قائمة على نظرة منغلقة للثقافة الإسلامية أو تاريخية وأخرى عقائدية لليبرالية خارجة عن طبيعتهما.
وإلى أى مدى يتفق هذا النمط الليبرالى مع الفكر السياسى الإسلامي؟ وهل تسمح المنظومة الفكرية الإسلامية بوجود أحزاب ذات مرجعيات علمانية؟ وهل تقبل بتداول السلطة كمظهر من مظاهر التعددية الحزبية؟ وما الإشكاليات الفكرية والاجتماعية التى تواجه الفكر الليبرالى داخل المجتمعات العربية، هذه التساؤلات يحاول الكتاب الإجابة عنها، من خلال النظر فى تاريخ هذه الإشكالية فى الفكر الإسلامي، ومساهمة العلماء والمفكرين فى صياغتها، وتتبع جدلياتها فى الواقع المعاصر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg