المجلة



دانتى أليجييرى مشردًا وفقيرًا فى إيطاليا

4-7-2018 | 22:23

ثلاثة من عظماء العالم يتشابهون فى قوة الروح، وسعة الأفق، والثورة على القديم، والتطلع إلى بناء مجتمع إنسانى مثالي، وإن اختلفت أداة التعبير لدى كل منهم، الأول هو «دانتى أليجييري»، الذى أراد فى كتابه الشهير «الكوميديا» أن يقيم عالما جديدا، أساسه العدالة والحرية والنظام والوحدة، والتطهر والصفاء والحب والأمل، والثانى مايكل أنجلو الذى عبر فى تماثيله الشاهقة عن بناء عصر جديد، تسوده القوة والحرية والصدق والذوق الرفيع، والثالث هو بيتهوفن الذى هدف فى ألحانه إلى إقامة عالم مثالى قوامه الحق والفن والحرية والسلام، وفى كل هؤلاء قوة وضعف وسذاجة وحكمة وبراءة وإدراك عميق، وسخط ويأس ومرارة، خرج ثلاثتهم من الأسى والشجن وظفروا بالإبداع، وأخرجوا للإنسانية روائعهم الخالدة، على حد تعبير «حسن عثمان» فى صدر ترجمته لكتاب «الكوميديا الإلهية» لدانتي، الصادر فى ثلاثة أجزاء عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

عاش دانتى فى النصف الثانى من القرن الثالث عشر والربع الأول من القرن الرابع عشر، فى عهد بدأت فيه العصور الوسطى تخفض أشرعتها، وينبثق خلاله فجر عصر جديد، وكانت الأحداث والظروف فى إيطاليا تمهد لظهور دانتى وعصر النهضة، وكان لهذه الظروف أثرها الفعال فى خلق أجيال من العباقرة الإيطاليين، أخرجوا نتاجهم الرائع فى الفكر والأدب والتصوير والنحت والعمارة والسياسة والحرب، ومن هؤلاء دانتى ويعنى اسمه «حامل الجناح الباقى على الزمن»، وينتمى إلى أسرة يقال إنها تتحدر من أصل رومانى نبيل، حيث ولد فى أواخر مايو سنة 1265.
انصرف دانتى إلى الدراسة فى فلورنسا، وعكف على دراسة القانون والطب والموسيقى والتصوير والنحت والفلسفة والطبيعة والكيمياء والفلك والتاريخ واللاهوت، كما درس تراث اللاتين واليونان والشرق، وعرف ثقافة العصور الوسطى، ونشأت بينه وبين البارزين فى فلورنسا علاقة صداقة وود، ومنهم “برونيتو لاتيني” الذى كتب قصيدة بعنوان “الكنز الصغير” تعد دائرة معارف صغيرة، وتحوى فكرة “الكوميديا”، ولم يقتصر دانتى على حياة الدرس والشعر، بل كان فارسا مقاتلا شجاعا، ومارس العمل السياسي، وكانت فلورنسا مدينة ذات قوة حربية آنذاك، ومع ذلك سادها خلاف حزبى كبير، وحدث بين البيض والسود صدام مسلح، وكان السود على اتصال بالبابا، وعمل دانتى على أن يوجد وحدة سياسية بين الجميع فى فلورنسا، فأرسلت الحكومة وفدا إلى روما للوصول مع البابا إلى اتفاق، وكان دانتى ضمن أعضاء هذا الوفد.
واجه دانتى البابا بشجاعة، ولم يذعن لمطالبه، واستبقاه البابا، لأن أحكاما بالتنكيل بالبيض صدرت فى فلورنسا، وصودرت أملاك دانتى وحكم بإحراقه حيا، بعد هزيمة البيض، ثم انتقل من مكان إلى آخر، حتى سنحت له الفرصة لأن يعود إلى وطنه عام 1351 بشرط أن يعترف بأنه مخطئ، ويدفع غرامة مالية، ويطلب الغفران فى حفل رسمي، حيث يسير النادمون فى موكب علني، وهم حفاة الأقدام، ورفض الأمر، وعندئذ حكمت فلورنسا بقطع رأسه، إذا وقع فى يدها.
مضى دانتى فى حياة التشرد والنفي، إلى أن وصل إلى شمال إيطاليا، ولقى أحيانا الترحاب عند الأمراء، وعمل بعض الوقت سكرتيرا ومعلما ليكسب قوته، وعاش أحيانا فقيرا جائعا، حتى أصيب بالملاريا، ولم يحتمل جسده وطأة الحمى فأسلم الروح فى 14 سبتمبر 1321 ومات ويده فوق صدره، وكانت عيناه مغلقتين، ووجهه متصلبا، مات ولم يكن يبدو أكان حيا أم ميتا، لأنه كان ينام على هذه الصورة، ويقال إن “الفردوس” ظل عدة شهور، بعد موت دانتي، تنقصه الأناشيد الثلاثة عشر الأخيرة، وبحث عنها أولاده دون جدوى، ثم ظهر الشاعر لأحد أبنائه فى المنام، وأخبره بمكان القصائد الناقصة فى حائط بمنزل كان قد سكنه، وهناك أمكن العثور عليها، وبذلك اكتملت “الكوميديا”.
أدركت فلورنسا بعد أكثر من نصف قرن من وفاة دانتى ما ارتكبته فى حق ابنها العبقرى من الظلم والجحود، وأرادت أن تكفر عن خطئها، فعهدت إلى بوكاتشو وبيترو ابن دانتى بتدريس “الكوميديا” للجمهور وذاعت بالتدريج بين الناس وانتشر صيتها فى أنحاء إيطاليا، وفى سنة 1865 فى أثناء الاحتفال بميلاد دانتى الستمائة أقيمت بعض الإصلاحات بكنيسة براتشافورتي، وظهر فى أثنائها تابوت خشبى داخل أحد الجدران، ووجد بداخله هيكل عظمي، وافق قياسه قناع الموت لدانتي، وهذا يعنى أن أحد القسس قد أخفى جثة دانتى فى هذا المكان، وقد نقلت فى حفل مهيب إلى فلورنسا ونقش على التابوت: “ليست فلورنسا بل أهواء حزبية هى التى حكمت عيه بالنفى الدائم”، وكانت فلورنسا قد شيدت له قبرا رمزيا يتكون من تابوت فارغ، يعلوه تمثال جالس للشاعر، وقد توج بإكليل الغار، وإلى يمين التابوت سيدة واقفة، ترمز لإيطاليا، وتشير بيدها إلى الكلمات المحفورة أسفل التمثال، التى تقول:”مجدوا هذا الشاعر”، وإلى يسار التابوت تمثال سيدة أخرى ترمز إلى فلورنسا، وهى منحنية وبيدها إكليل الغار، الذى كانت تود أن تضعه على رأسه حيا، وهى تبكي، وستظل دائما تبكى جراء ما ارتكبت فى حق ابنها العبقري.
يقال إن دانتى بدأ بكتابة بعض أناشيد الجحيم” فى فلورنسا باللغة اللاتينية ثم أعاد كتابتها بلهجة فلورنسا، وهو فى المنفى، ويقال إنه انتهى من كتابة “الجحيم” سنة 1314 ويظهر أنه أنهى “المطهر” فى حدود سنة 1316 وكتب “الفردوس” فى رافنا وأطلق لفظ “الكوميديا” على قصيدته الخالدة، وهو لفظ مأخوذ عن اليونانية القديمة، بمعنى أغنية تغنى بلغة العامة، وتجرى على اللسان دون تكلف وتصنع، وكذلك قصد بهذا اللفظ أنها تبدأ فى غابة موحشة مظلمة وتنتهى إلى السعادة الإلهية، وسماها الدارسون والناشرون فيما بعد “الكوميديا الإلهية”، وهى تعد واحدة من الأعمال الإبداعية الخالدة التى أثرت بشكل كبير فى وجدان محبى الفنون فى العالم، وهذه الملحمة فى أجزائها الثلاثة ترصد النفس البشرية بكل ما فيها من توق للعلم والمعرفة والفن والإيمان والمحبة، وكذلك بكل ما فيها من شرور وآثام.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg