رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

مقالات



«يوماً .. بكيتُ فيه مصر»

4-7-2018 | 17:57
د.عمرو بسطويسى

عهدت هذا الوطن قوياً أبياً، يضعف أحياناً لكنه لا يركع، ينهزم أحياناً ولكنه لا يموت. كنت فى فترات عملى بالخارج أتباهى أمام الأوروبيين والأمريكان بهذا الاستقرار التاريخى العجيب الذى أشبهه دائماً بالنيل فى عراقته وقدمه واستقراره، ينسال من منابعه ويخترق الوادى القديم فى ثبات واستمرار  مُبهرين إلى أن يحتضن أمواج البحر شمالاً. 

كنت أتباهى أننا نشرب من الصنبور ماءً عذباً نقياً ندفع فيه ملاليم. كنت أتباهى بطيبة شعبنا وحبه للغريب وكرم ضيافته، وكيف أن ضيوف مصر وإن قصر أو طال بهم المقام، لا يحتاجون لبذل أى مجهود ليعيشوا وسط المصريين ويتأقلموا معهم، فهذه كانت دائماً مهمة المصريين، فهم من سيلتفون حول الغريب ويحتضنونه ويسهلوا عليه أمور الحياة. فما هو إلا وقت قليل إلا وتنزرع فى وجدانه أحاسيس مصرية جميلة لا يدرك من أين أتت.  كنت أتباهى بمصريتى وتاريخى المتنوع من زمن مصر القديمة - التى يصطلح البعض على تسميتها مصر الفرعونية - إلى مصر القبطية والإسلامية إلى آخره من الحضارات التى نمت واستقوت فى أحضان المحروسة. 
 
ظل هذا الإحساس بالعزة والقوة يتملكنى ويوجهنى فى مسار الحياة، إلى أن جاءت ثورة 25 يناير، وظننت أننا سنعلو ونعلو ونطال السماء، ولم أكن مثل ملايين غيرى أُدرك ما يحاك من ورائها من مؤامرات ودسائس. ولم يمض وقت طويل حتى أدركت مع الكثيرين حقيقة الأمر، فقد امتلأ ميدان التحرير بالخونة والانتهازيين وعناصر مخابراتية عالمية، تبحث عن كيفية هدم هذا الوطن مستغلةً طموح الشعوب فى التطور والتقدم.
 
واستمرت الأمور إلى أن طالت الجماعة سُدة الحكم، وأطل الرئيس الجديد فى أولِ خطبةٍ له بالميدان بروح قاتلة من الفئوية والتقسيم، وتوالت المصائب على هذا الوطن، ولأول مرة رأينا أبناء الوطن يُصنفون ما بين إخوانى وليبرالى وإسلامى وأصولى إلى آخره من المسميات، وانطلقت جحافل من سموا أنفسهم النشطاء السياسيين والخبراء فى الشئون السياسية والاجتماعية والعسكرية، ولم ندرك أبداً من الذى منحهم هذه الألقاب الرنانة، انطلق هؤلاء فى الفضائيات وغيرها، وظلوا ينفثون سمومهم البغيضة فى عقل ووجدان هذا الوطن. 
وفى خضم هذا عهدنا عاماً من حكم مصر كان هو الأسوأ، فالرئيس لم يكن إلا بوقاً لمرشده، لا يستطيع أن يتحدث ببنت شفه إلا بأمره، وكم من القرارات المصيرية تأجلت حتى يستيقظ المرشد من نومه لينظر فيها. 
 
فقدت مصر فى تلك الفترة موقعها العربى والدولى، وأصبحنا أضحوكة العالم، وبدأنا نرى على هذه الأرض الطاهرة القتل والسحل على الهوية، وأطل علينا مع كل نفس أصحاب الوجوه العابسة والأفكار المظلمة، وأصبح شغلنا الشاغل شرعية نكاح الموتى وإرضاع الكبير، وفيما إذا كان الأذان فى مجلس الشعب يرفع فى القاعة أم فى الممر الخارجي.  
دارت كل هذه الأفكار وأنا جالس فى حفل تخرج ابنى فى المدرسة لينتقل إلى المرحلة الأعلى، وعندما بدأت مراسم الحفل بعزف السلام الجمهورى، وقفنا جميعاً ووجدت نفسى منهمراً فى البكاء، وطالت الدموع ملابسى وعجزت أن أخفى الأمر فسألتنى أمى - رحمها الله - وكانت جالسة إلى جواري،  عن سبب بكائي. فقلت لها “ أنا حاسس إن مصر ضاعت ولم يتبق لنا منها غير السلام الجمهورى”. 
 
تساءلت كثيراً أين تلك الدولة القوية؟ أين الجيش؟ أين المخابرات؟ أين هؤلاء الرجال الذين حافظوا على هذا الوطن على مر السنوات والعهود؟
لم أدرك ساعتها أنهم يعملون فى صمت وأنهم ما زالوا يحتضنون الوطن ويزودون عنه. أدركت هذا مع ثورة 30 يونيو، وتأكدت أن مصر لا تضيع ولا تسقط طالما بها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. 
 
اليوم وقد أصبح كل هذا ذكريات مضت، فإن الشعب المصرى وقد اكتسب ما يكفيه من الوعى الوطنى والفهم السياسى، والإدراك لما يحدث حوله فى العالم، فهو لن يسمح أبداً بأن يأتى يومٌ آخر نبكى فِيهِ مصر. 
 
تحيا مصر .. تحيا مصر .. تحيا مصر.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg