المجلة



التهكم بيزنس.. والشائعات تدمر الشركات.. الإنترنت.. منصة إطلاق صواريخ السخرية الهدامة

4-7-2018 | 21:56
حنان البيلى

جوائز دولية للمدونين والنشطاء لتنفيذ التغييرات المطلوبة
 
بدعوى حرية الرأى.. السخرية تهز سوق الاقتصاد وعالم الاستثمار 
 
يستغل القوى الشبابية للتسفيه والتقليل من شأن أى إنجاز على أرض الواقع 
 
بعد دخول عالم الإنترنت إلى دولنا العربية منذ عام 1993، أفرز لنا ذلك الفضاء أسماء مجهولة الهوية، وفى لمح البصر أصبحوا من الأسماء اللامعة والمؤثرة فى الشباب، والإنترنت مثله مثل أى اختراع له إيجابياته وله سلبياته، والكلمات التى تكتب يمكن أن تكون جسرا للبناء والعكس صحيح، فهناك من ينجزون أعمالهم عبر تلك التقنية، وهناك من يبثون سمومهم وأفكارهم الهدامة.
ولأن شعوبنا العربية تتميز بحس الفكاهة والدعابة والسخرية من مشاكلهم الحياتية، فكان المدخل للتأثير فيهم، باستخدام أسلوب السخرية والتهكم على كل شىء.
يقر كاتبنا الكبير عباس محمود العقاد، فى كتابه «جحا الضاحك المضحك»، أن الكلمة أكبر الفتوح الإنسانية فى عالم الكشف والاختراع، وأنه لو لم يخترعها الإنسان لوجب أن يخترع ما يساويها وينوب عنها، لأنه لا حياة له بغير التفاهم بينه وبين أبناء نوعه. ومن هنا تتضح أهمية الكلمة، وهناك العديد من أساليب الكتابة واستخدام الكلمات، وأحد تلك الأساليب طريقة الكتابة الساخرة، التى تتميز بالجمل القصيرة والكلمات اللاذعة والمعبرة عما يريده الكاتب، سواء بطريق مباشر أم غير مباشر، وترك مجال للمتلقى للتفكير فيما قرأه.
ويعد كذلك فن الكاريكاتير من الفنون التى تستخدم أسلوب السخرية، من الأمور السلبية فى المجتمع، سواء كانت اجتماعية أم سياسية أم اقتصادية، فعادة ما تضحك الشعوب على نفسها وتسخر من مشكلاتها ومن حكامها، وكان ذلك يتم فى نطاق جلسات الأهل والأقارب وفى جلسات الأصدقاء، وإن كان هناك تخوف من قيام أحد الجالسين بالتبليغ للأجهزة الأمنية.
لكن مع دخول الإنترنت إلى مصر عام 1993،  وازدهار تكنولوجيا البث الفضائى، وبأسعار مقبولة، ووجود كم كبير من المعلومات، سواء الصحيحة أم المغلوطة، فى متناول أيدى المصريين، شكلت شبكة الإنترنت عامل ضغط، فى الوقت الذى لم تستطع الحكومات فرض رقابة عليها. وكانت المدونات من أولى الوسائل التى تم عملها، وأصبح فى مصر عدد من المدونين، ولكى يسرع الغرب فى إحداث التغيير الذى يريده، وكان مخططا له منذ فترة طويلة، أطلق عددا من الجوائز، مثل جائزة البوبز The BoBs، التى تمنح للمدونين والنشطاء والصحفيين الداعمين لحرية الرأى التى تأسست فى عام 2004.
وتوالت الجوائز الدولية للتشجيع على الاشتغال عبر الشبكة العنكبوتية لإحداث التغييرات المطلوبة، ويبقى السؤال الأهم: هل يوجد ما يسمى ببزنس السخرية؟ ولا أقصد هنا الكتابة الساخرة، فهى نوع من أنواع الكتابة الصحفية، ومن أشهر كتابها الأستاذ أحمد رجب، ورسام الكاريكاتير الأشهر مصطفى حسين، لكن ما أقصده هو السخرية وهز ثقة المصريين بأنفسهم وثقة المستثمرين فى الأوضاع داخل الدولة، وتصدير صورة حالة عدم الاستقرار.
وفى الحياة الاقتصادية يوجد العديد من الحالات العالمية بين منتجى السيارات، وتكبدت تلك الشركات خسائر جمة، أما فى مصر فيحدث بين بعض الشركات ما يمكن أن يطلق عليه حرب الشائعات، التى تكون غالبا مصحوبة بصورة ساخرة فى شكل كاريكاتير، ولقطات لأفلام شهيرة مع تغيير الكلام على لسان البطل، وهو ما يعرف بالبوست أو الكوميكس فى السوشيال ميديا، وقد حدث ذلك أكثر من مرة بين شركتين شهيرتين فى مجالات العقارات أيام الرئيس الأسبق حسنى مبارك، وكان أصحابهما من أشهر رجال الأعمال فى مصر آنذاك. وفى نهاية عام 2016، تم نشر بعض الصور لطماطم فاسدة على الشبكات العنكبوتية، وتم نشر صور من داخل أحد المصانع الخاصة بصناعة الكاتشب، وتطورت الأحداث ووصلت إلى ساحات القضاء، وقد تسببت تلك الحملة فى التأثير على الاستثمارات الأجنبية المقبلة إلى مصر فى وقت تسعى فيه الحكومات المتعاقبة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.
والأمر هنا لا يتعلق بكشف فساد، فهناك العديد من الطرق المباشرة مثل الذهاب إلى النيابة العامة مباشرة واتباع الطرق القانونية، لكنه قد يفسر على أنه هز للثقة فى مناخ الاستثمار فى مصر، وهو ما يعنى خروج المستثمرين من السوق المصرية ومزيدا من البطالة. وبغض النظر عن تلك الأزمة، فمن يقومون بالترويج والسخرية من القرارات الاقتصادية أو الاجتماعية، سواء الخاصة بالتعليم أم الصحة أو السياسة، فإنهم يجذبون المزيد من المتابعين وعمل المزيد من اللايكات، مما يجلب إعلانات لتلك الصفحات حتى إن كان أصحابها مجهولى الهوية وليسوا من الأسماء المعروفة.
ناهيك عن التسريبات التى حدثت بأصوات وأسماء أشخاص كانوا يعدون أنفسهم من مفجرى أحداث 25 يناير، التى أظهرت بوضوح لا لبس فيه، أنهم يذهبون للقاء شخصيات أجنبية وسفراء أجانب فى مصر، وأنهم يتقاضون مبالغ مالية، فلماذا يتقاضون تلك الأموال، وما الخدمات التى يقدمونها مقابل تلك الأموال؟ وهنا توضح بسنت فهمى - الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس النواب - أن الحروب المسلحة، أى التى تتدخل فيها الجيوش قليلة جدا الآن، لأن الدولتين خاسرتان بما فيهما الدولة المنتصرة ، ولماذا تلجأ الدول الكبرى إلى الحروب العسكرية، وهناك وسائل أخرى يمكن أن تشعل حروبا وتحدث التغيير المطلوب، فدولة مثل إسرائيل لا تستطيع أن تدخل فى حرب مباشرة مع مصر مثلا، لأنها تستطيع التأثير على مجتمع فتى نصف سكانه من الشباب عن طريق المخدرات، وعن طريق المخدرات يمكن القضاء على جيل بأكمله.
والآن نحن فى مرحلة حروب الجيل الرابع، التى يمكن عن طريقها استخدام الشباب ذوى الاتجاهات الفكرية المناوئة لنظام الحكم، أو المعارضين لبعض السياسات، وهذا بالمناسبة يحدث فى كل دول العالم وليس فى دول العالم الثالث فقط، كما يطلقون علينا. فأخيرا تم نشر صور قديمة لزوجة الرئيس الفرنسى ماكرون، التى من المعروف أنها كانت مدرسة، وتم نشر صور لها مع تلميذ عنده عشر سنوات، فلماذا يتم الترويج لهذه الصور الآن؟ الأمر ببساطة الضغط على قصر الإليزيه، وكذلك ما يحدث من سخرية وضغط على الرئيس الأمريكى ترامب.
أما ما يحدث فى مصر وفى الدول العربية عموما، التى تتميز بأن أكثر من نصف عدد مواطنيها من الشباب، واستغلالا للظروف الاقتصادية، فإنه تم استغلال تلك القوى الشبابية للتسفيه والتقليل من شأن أى إنجاز على أرض الواقع. وهنا ترى فهمى أن ما يقوم به المهندس إبراهيم محلب - المساعد السابق للمشروعات القومية - تحت مسمى «كتائب التعمير»، هو مهمة ويجب الإسراع فى تنفيذها ليس فى سيناء فقط، لكن فى كل أرجاء مصر، وهذه الفكرة شبيهة بكتائب التنمية، التى عملها محمد على باشا أثناء حكمه لمصر، التى كان يأخذ فيها الشباب العاطل عن العمل ويقوم مختصون بتعليمهم الحرف المختلفة من زراعة وصناعة بمختلف أنشطتها وصيد للأسماك، ويعطيهم ما يبدأون به حياتهم العملية.
فكتائب التعمير مهمة لكى يشعر الشباب العاطل بأهمية العمل وتكسب الرزق، بدلا من العكوف على مواقع التواصل الاجتماعى والسخرية من كل شىء وتسفيه أى إنجاز، بدعوى حرية الرأى، فلا بد أن تعرف الدولة كيف تخلق المزيد من فرص العمل للشباب لتحويلهم إلى قوى بشرية منتجة بدلا من تحويلهم إلى قوى هدم للمجتمع بأكمله.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg