مقالات



مدينة تيتانك!

7-7-2018 | 19:13
أكرم لاوندى

أتذكرون تيتانيك .. ذلك الفيلم الرومانسي الرائع الذى طال سقف الإبداع وأغرق الكرة الأرضية بشلال دافق من مشاعر الحب الفياض والرومانسية الحالمة وألهب قلوب الملايين والمليارات لعدة أجيال 
إنها حمى (جاك وروز) التى اصابت سكان الكوكب منذ ما يزيد على عشرين عاماً  ولكنى اليوم أحدثك عن تيتانيك المدينة وليس الفيلم...فأين تقع مدينة بهذا الاسم ؟ 
 
ربما تظننى أحدثك عن (باريس) مثلا، تلك  المدينة الناعسة بين احضان نهر السين او (لاس فيجاس) عاصمة الصخب والجنون فى العالم ... إطلاقا، بل أحدثك عن (كابول) عاصمة أفغانستان المسجونة بين جبال تورا بورا والمحاصرة من طالبان و القاعدة وأمريكا والمهددة فى كل لحظة بالموت جوعاً أو قصفاً او قهراً. 
 
وسط هذا الأتون ظهرت مدينة تيتانيك كابول سابقاً والقصة بدأت عقب هزيمة الاتحاد السوفيتي على يد المجاهدين الأفغان بدعم من عدة دول فى مقدمتهم أمريكا والسعودية و الصين، تلا ذلك تأسيس أول حكومة للمجاهدين برئاسة صبغة الله مجددى، وهنا بدأ الفاصل الأكثر دموية فى تاريخ هذه الدولة، اختلفت فصائل المجاهدين وتنازعوا فيما بينهم حول تقسيم السلطة وهنا انفجر الصراع العرقى المذهبى ذلك الإرث القديم الذى طفح الى السطح مع اول استحقاق .
 
انسحبت قوات قلب الدين حكمتيار إلى الجبال المطلة على العاصمة كابول بينما تراجعت قوات أحمد شاه مسعود قائد المقاومة الأفغانية المدعوم من السعودية خارج حدود العاصمة باتجاه الجنوب وما يفصلهم ويقع بينهم العاصمة ذاتها ودارت رحى الحرب الأهلية ، لمدة عامين متتاليين ظلت قوات حكمتيار تقصف (كابول) بوابل من صواريخ استينجر الأمريكية الصنع ليرد عليه أحمد شاه مسعود بوابل من قذائف الهاون الانجليزية حتى تم سحق العاصمة تماماً ليس ذلك فقط.
 
بدأت حرب اخرى بين جماعتين عرقيتين وهما (البشتون والهزارة) ، فى مئات من الحوادث المتكررة حيث تهجَّم قوات من (البشتون) على عائلات بأكملها من (الهزارة) لتقتلهم جميعاً ، ويرد عليهم (الهزارة) بأن يختطفوا مجموعة من فتيات (البشتون) ليقطعوا أوصالهم ويوثقوهم فى الأشجار بعد أن يعتدوا عليهن .
 
وفى الجانب الاخر من البلاد ترى القائد العسكري عبد الرشيد رستم الموالى لدولة تركيا يدخل فى حرب مع على مرزاى مؤسس حزب وحدة الشيعى المدعوم من ايران .
 
كانت الجثث المتحللة وبقايا الأشلاء تملأ أسطح البنايات ومعلقة فوق الأشجار ومن يفكر فى البقاء فى (كابول) يهدده الجوع و خطر القصف ومن يفكر فى الهروب يترصده المجرمين واللصوص الذين لا يتورعون فى القتل والاغتصاب ومن يفلت من كل ذلك ويهرب الى مخيمات اللاجئين تنتظره الدزونتاريا والصقيع اللذين أهلكا مئات الآلاف.
 
إذن حديثنا عن مدينة الخوف والأشباح ، لقد كانت أفغانستان كانت جنة الله على الأرض ، حديقة غناء شاسعة مترامية الأطراف يجرى فيها خمس أنهار تحدها الجبال وتتوسط خمس دول آسيوية ويعيش على أرضها قرابة 20 مليون انسان وسط تنوع بيئى هائل وعشرات من روافد الأنهار وجداول المياه .
 
لم تكن العاصمة كابول اقل من مثيلتها فى دول أوروبا ، الشوارع النظيفة والميادين الأنيقة تملؤها المسارح والسينمات والمطاعم الفاخرة ، هناك جامعة كابول العريقة والمعاهد البحثية والمدارس الحكومية والخاصة وفوق كل ذلك ، تراث عظيم وحضارة عريقة يكللهم معلم أثرى استثنائى فريد معجز فى الهندسة والبناء وهُما تِمثالان أثريان كبيران لـ (بوذا) منحوتان على منحدرات وادي (باميان) في منطقة هزارستان في وسط الدولة حتى عام 1978 .
 
إذن ماذا حدث ؟ أين ذهب كل هذا ؟ ...ذهبت(كابول) العريقة غرقت في أعماق الجهل والتطرف والقتل والخراب ...غرقت كما غرقت تايتانيك ورقدت في أعماق المحيط دون رجعة.
استولت طالبان على مقاليد الحكم وسيطرت على العاصمة التى بقى بها اقل من نصف تعداد السكان وسط انهيار شديد فى البنية التحتية وانقطاع مستمر فى الكهرباء .
 
كما أصدرت دولة طالبان مجموعة من الفرمانات واجبة النفاذ وإلا تكون العقوبة هى الجلد وإقامة الحد فى الطريق العام وعلى رأسها مثلا منع حيازة أجهزة التلفزيون، ومن يثبت أن لديه جهاز تلفزيون يصادر الجهاز فوراً ويعاقب جميع سكان المنزل بالكامل بالجلد فى الطريق العام .
 
وبالطبع اضطر الناس الى إخفاء الأجهزة و فى وقت متأخر من الليل مع إرخاء الستائر وخفض الصوت الى أقل درجة، ثم يبدأ تشغيل التلفزيون ليلتقط أحياناً إشارة ضعيفة تأتى من دول مجاورة ، وأحياناً يتم تهريب شرائط الفيديو المسجلة. 
 
لقد قتل الإرهاب حلم شعب كامل في الحياة ، تماماً كما قتل النبلاء أحلام جاك وروز في البقاء معاً .
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg