رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 19 نوفمبر 2018

مقالات



بين شيخ الناتو.. ومفكر الغزو

10-7-2018 | 22:29
مهدى مصطفى

 

روديارد كبلنج، شاعر بريطانى حائز على جائزة نوبل فى الآداب، مولود فى الهند فى ذلك الزمن الإمبراطورى البريطانى الممتد. قال فى لحظة صفاء ذهنى حقيقى: الشرق شرق.. والغرب غرب.. ولن يلتقيا.  وقد صدق الشاعر إلا قليلا.
وقائع التاريخ تكشف بجلاء أن  كبلنج  قال جانبا من الحقيقة، عكس ما زعمت مراكز الاستعمار الغربى، وبعض أتباعها المتيمين فى الشرق، بأنها جاءت لإعمار الخراب،  وعمران النفوس والقلوب، ونشر التقدم والازدهار وقتل التخلف.
وكأن الحرية لا تأتى إلا من الغرب، مع اعترافى بأن هذا الغرب تعلم من حرب الثلاثين عاما الدينية، وتعلم من حربين عالميتين ضاريتين، ونحن لم نتعلم بعد، لكنه فعل فى بلادنا ما تخلص  منه هو شخصيا ، فشكل ونشر الجماعات السرية الدينية، وأوصلها إلى السلطة فى غفلة من الزمن، واستقطب نفرا من الناس يرحبون بالغزو، كما فعل ذلك الكاتب السياسى «الملهم» عندما ظهر على شاشات التليفزيون، عشية سقوط العاصمة العراقية بغداد، وقال بفرح غامر: إن اليوم هو يوم تحرير بغداد وليس سقوط بغداد.
 وحين شعر المذيع بالصدمة، عاجله (المفكر) السياسى الهمام بأن بغداد ستكون منصة لمدافع الديمقراطية المصوبة على عواصم الشرق الأوسط! وبالفعل انطلقت مدافع الديمقراطية الطيبة،  فجرفت بفوهاتها الديمقراطية جدا تونس وليبيا وسوريا واليمن السعيد.
  ذلك الكاتب الهمام كان ولا يزال، ضمن نسيج متكامل، ظهر معه، وبعده، ألف كاتب وسياسى عربى بالتمام والكمال، ووقعوا على بيان شهير، وتضرعوا فيه للبيت الأبيض، وناشدوا الرئيس الأمريكى باراك أوباما لاستعجال التغيير فى الشرق الأوسط، كما فعل سلفه جورج دبليو بوش فى العراق، وإن طالبوه بألا يكون الغزو خشنا خشونة قصف العراق، واستجاب لهم أوباما  على عجل فى 2011.
وصل ذلك البيان الشهير إلى وسائل الإعلام، وكان موقعوه يعتقدون أن مناشدة الكونجرس والبيت الأبيض بغزو بلادهم لا ترى الأنوار، فبدلا من التوارى خجلا، بعد افتضاح الأمر، جاءوا بذرائع تاريخية وفتاوى دينية بأن طلب المعاونة من قوى خارجية مشروع، ومباح، وحلال، وأن التقدم لن يتم إلا إذا جاءت قوى غاشمة  لترتيب أوضاع البلاد.
ورأينا ذلك الشيخ الذى وصف حلف الناتو بأنه الطير الأبابيل وهو يقصف ليبيا، وشاهدناه وهو يناشد أمريكا بقصف سوريا، وعرفناه وهو يطمئنهم على أمن إسرائيل بعد تسلمهم السلطة فى سوريا، وشاهدناه وهو يعتلى المنابر مرحبا بالخراب، وكأنه لا ينام الليل إلا على سرير الديمقراطية، وهو يقيم فى بلد، بالكاد، يملأ تعداده فندقا متوسطا من ذوى النجوم الثلاثة، بلد يملك المال والغاز الوفير، ويعتقد أنه يمكن أن يصبح إمبراطورية  من موقع رأس الدبوس.
ما الحل إزاء هذه الظواهر المرضية؟
 هل نؤمن بكبلنج ونستريح، وهل نقطع الغرب عن الشرق؟ وهل يوجد تقدم  صناعى واجتماعى وثقافى دون خطوط الغرب؟
 الحل موجود، وبسيط، ويكمن فى المساواة بين الشرق والغرب، مساواة فى المصير البشرى، وأن الجميع شركاء فى هذه الأرض، لا اعتداء ولا غزو، ولا فرض سياسات، ومن يفعل يصبح معتديا آثما، فالغابة ليست بغابة ما دامت شجرة واحدة.
 فإذا كان الغرب متقدما الآن، فقد كانت بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر القديمة متقدمة، وإذا كان الغرب لديه الفلاسفة والكتاب والشعراء، فإن الشرق مهبط الوحى السماوى، وهو الذى قدم فلسفته الصوفية إلى شعوب الأرض، والغرب نفسه لم يتقدم إلا بعد  استلهامه لروح هذا الشرق.
 فلتجربوا مسارا آخر، وليمتنع ذلك الليبرالى جدا عن استدعاء الغزو لاجتياح البلاد، وليصمت شيخ الناتو عن الكلام المباح وغير المباح، وعلى أحفاد كبلنج أن يتوقفوا تماما عن استعادة الماضى، فهو لن يعود، لا بعباءة شيخ الناتو، ولا بأوهام ذلك (المفكر) الليبرالى حتى التخمة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg