رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

مقالات



رسالة إلى الدكتورة هالة

11-7-2018 | 17:36
د.عمرو بسطويسى

- إعطاء صلاحيات أكبر لمديرى الصحة بالمحافظات ومديرى المستشفيات

- تقسيم المستشفيات إلى 3 فئات (أ،ب،ج) حسب قدرتها فى الخدمات الطبية
 
مطلوب تفكيك وإعادة تركيب مؤسسات الوزارة وتبسيط المنظومة الإدارية 
 
على مدى عدة شهور مضت غمرتنى الاتصالات والرسائل من كل حدبٍ وصوب بأن العبد لله مرشحٌ لمنصب وزير صحة مصر. كان أصدقائى وأصحابى سعداء بهذه الفكرة، لدرجة أن الكثيرين أصبحوا ينادوننى بلقب "معالى الوزير". 
 
لم تكن لدى أية دلائل منطقية على مصداقية ما يحدث، فعملى الحكومى تدرج من طبيب مقيم جراحة قلب وصدر بقصر العينى عام 1987 وانتهى بدرجة أستاذ فى ذات التخصص، ولم أتول مناصب إدارية إلا فى جامعة مصرية وطنية غير حكومية معاراً من قصر العينى على مدى الثمانى سنوات الأخيرة، وقد كتب الله لى فيها التوفيق وبالأخص فى مجال خدمة المجتمع والقوافل الطبية. ومن المعروف أن اختيار الوزراء نادراً ما يكون من ماعونٍ غير حكومى وهو منطق أراهُ مقبولاً. 
 
إذاً، فلم يتعد الأمر بالنسبة لى أكثر من شائعات انطلقت من حيث لا أدرى ومحبةٍ من الأصدقاء، ورغبة منهم فى أن يعتلى من يحبونه ويقدرونه سُدَّة حكم منظومة الصحة المصرية طمعاً فى أن يروا تغييراً ملموساً. 
 
تفاقم هذا الأمرُ كثيراً حتى أصابنى الضيق والملل، فهو ليس له منطق ولا أنا كنت ساعياً لهذا المنصب الجلل. وبدأت أحوِّل هذا النوع من الحوارات إلى مزاح وضحك حتى لا أتحول أنا - وبلا ذنب مني- إلى شخصية "عبده مشتاق" التى ابتدعها الراحل مصطفى حسين التى كان جلّ همها أن تنال أيةَ حقيبةٍ وزارية طمعاً فى المنصب وما يُصاحبه من هيبةٍ وجاه.
 
كانت هذه هى الحال فى ظاهرها، لكن عقل الجراح المختبئ فى داخلى، الذى اعتاد، بسبب طبيعة عملى فى جراحة القلب، أن يتوقع ويتقبل كل الاحتمالات وألّا يترك الأمور للظروف، مع وجوب وضع الخطط والخطط البديلة. هذا العقل قرر أن يضع خطته البديلة فى حال حدث غير المتوقع، وتم استدعاء العبد لله لمقابلة رئيس الوزراء الجديد، الذى سيسأله حتماً عن خطته لإصلاح منظومة الصحة فى مصر. 
 
أول عائق ألفيته فى طريقى كان ندرة المعلومات عن هذه الوزارة المهمة، ومن المعلوم أن الحصول على معلومات عن أية وزارة مصرية لم يكن يوماً سهل المنال. إذاً فأنا مضطر إلى استخدام ما أدركته حواسى على مدى 32 عاما من خبرة فى المجال الطبى منذ التخرج، قضيت أغلبها فى المجال الجامعى الطبى والجراحى البحت، وبعضها فى الإدارة الطبية، وكانت خبرتى مع وزارة الصحة محدودة بالمقارنة، وإن كانت كافية للتعرف على منظومة العمل القائمة، هذا بالإضافة إلى الانطباع المجتمعى العام عن أداء هذه الوزارة. 
 
مما لا شك فيه أن أداء وزارة الصحة لم يرتق يوماً ما إلى ما يتمناه أبناء الوطن، ولا هو حقق الحد الأدنى مما تطمح إليه القيادة السياسية. 
 
وباعتبار أن الاختيار قد وقع على الدكتورة هالة زايد وزيراً لصحة مصر، فلا يسعنى إلا أن أتوجه لها بالتهنئة والدعاء بالتوفيق فى هذه المهمة الصعبة، وأرى أنه من واجبى نحو بلدى أن أخرج ما فى صدرى وعقلى، وأن أرسله لها فى هذه الرسالة المفتوحة متضمنةً أفكاراً بسيطة لإصلاح منظومة الصحة فى مصر، والاستفادة القصوى من إمكانات وزارة الصحة المصرية وكفاءات أبنائها، لعل هذا قد يضيف إلى ما لديها من خبرات كبيرة وتكون نفعاً لهذا الوطن. 
 
وبادئ ذى بدء، أودّ أن أوضح أننى شاهد عيان على أن الدولة قامت بواجبها فى شأن الصحة، فمستشفيات وزارة الصحة بها الأطباء والأدوية والأجهزة والأدوات، لكن المنظومة الموجودة هى خانقة للعاملين ومعرقلة للجهود وملتفة حول رقاب الحالمين بالتغيير وحسن الأداء. فنحن نرى محافظات مصر وقراها ونجوعها، وقد ترصعت بمستشفيات عالية الجودة تم تنفيذها فى وقت قياسى، أغلبها بأيدى أبناء القوات المسلحة، ولكنها لا تعمل كما ينبغى لها. 
 
أما التغيير فيبدأ بوضع الفلسفة وتحديد الرؤية. فَلَو نظرنا بتمعن، فإننا نجد هناك مستشفياتٍ تابعة للوزارة، وأخرى للأمانة العامة للمراكز الطبية المتخصصة، وثالثة تابعة للمؤسسة العلاجية، ورابعة للهيئة العامة للتأمين الصحى! فيا للهول، كل هذه الهيئات الضخمة ولا يزال المريض المصرى يعاني. لهذا فإننى أقترح مبدأ (التفكيك مع إعادة التركيب والتبسيط). علينا أن نُفكك هذه المنظومة البائسة التى لم تجد نفعاً، علينا إلغاء كلٍ من الأمانة العامة للمراكز الطبية المتخصصة والمؤسسة العلاجية والهيئة العامة للتأمين الصحى وما خفى عنى من مؤسسات لا أعلمها. فقد تم إنشاء كل هذه المؤسسات طمعاً فى الهروب من منظومة الوزارة المتعثرة، وإعطاء صلاحيات مالية وإدارية وحرية إدارة أكثر ولكن هذا لم يحدث. 
 
وفيما يخص التأمين الصحى أقترح الاحتفاظ بمكتب وزارى لتنفيذ ومتابعة قانون التأمين الصحى الجديد، يترأسه مساعد الوزير لشئون التأمين الصحي. 
إذاً فإنه يجب إلغاء كل هذه المؤسسات و"إعادة التركيب"، بأن يتم ضم كل مستشفياتها تحت مسمى واحد وهو (مستشفيات الدولة) أو (State Hospitals ) وتحت الإدارة المباشرة لوزارة الصحة. ويتم تصنيف هذه المستشفيات إلى ثلاث فئات (أ، ب، ج) حسب قدرتها فى تقديم الخدمات الطبية والجراحية، بدءا من الطب الوقائى وانتهاء بعمليات القلب والمخ وزراعة الأعضاء. على أن تستمع كل محافظة بوجود الثلاث فئات واستحداث منظومة سهلة وسريعة  لتحويل الحالات بينهم. 
 
وكما يجب أيضاً استحداث منظومة تشغيل إدارية وطبية لكل هذه المستشفيات تكون أكثر بساطة وفاعلية من تلك الموجودة حالياً. 
 
كما يجب (التبسيط) بتقليل عدد المستشارين وتكليف مساعدين للوزير فى شتى الشئون الفنية (الطب الوقائى والعلاجى والإسعاف ومكافحة العدوى والتمريض والهندسة الطبية.. إلخ)، على أن يستحدث هؤلاء منظومة رقابية على أداء كل مستشفيات الدولة، كلٍ فى تخصصه. ولضمان سهولة العمل ووضوح المسئوليات فيجب ألا أن تتعدى القمة الإدارية بالوزارة أكثر من مستويين ما بعد الوزير. 
ويتوجب أيضاً إعطاء صلاحيات اكبر لكل من مديرى الشئون الصحية بالمحافظات وأيضاً لمديرى المستشفيات، فالمستشفى هو نقطة الخدمة النهائية التى يحصل فيها المواطن على خدماته، فلا يُعقل أن يكون المدير مكبلاً بأغلال إدارية وأمامه مريض فى حاجة لعلاج موجود على بعد أمتار ولا يستطيع المدير إيصاله إليه، وقد شاهدت هذا الأمر بنفسي. 
 
وفيما يخص مكافحة الفساد، فأنا متأكد أنك يا دكتورة هالة قد وضعت هذا الأمر نصب عينيك، فالفاسدون يتوافدون على أماكن عملهم صباح كل يوم، وفى جيوبهم أجندة سرية تحمل خطط هدفها صالحهم فقط على حساب المرضى والدولة والوطن، وحتى وزيرة الصحة نفسها. هؤلاء يجب التخلص منهم بلا رحمة ولا هوادة، وفى هذا الشأن أنا على يقين أن الدعم سيأتيكم من رئيس الجمهورية شخصياً. 
 
الحديث عن الإصلاح داخل الوزارة يطول ولا يتسع له المجال هنا، لكن ضعى فى الحسبان عند التكليف بالمناصب أنه لا توجد مسميات مثل أطباء الوزارة وأطباء الجامعة، فهذه فئوية مَقيتة ومُقسِّمة ومُدمِّرة للأوطان، ولا ينبغى لنا أن نكون ضحايا لها، فليكن اختيار المناصب للأكثر كفاءة والأكثر طهراً وعفة وحباً للوطن. 
 
وفى نهاية رسالتى لسيادتك، أوصيك بأن تعملى جاهدة على رفع معنويات الأطباء العاملين بالوزارة شبابا وشُيَّاباً، فالجميع محبط ويعانى مادياً ونفسياً وهم أمانة، فى عنقك، عليك أن تُحسِّنى من مستواهم العلمى بتعزيز التواصل مع الجامعات واستحداث منظومة دائمة للتعليم الطبى المستمر، حيث يتم تحديد كل مجموعة مستشفيات فى مَعِيَّة أقرب جامعة جغرافياً ويتولى الأساتذة فيها هذه المنظومة للحفاظ على المستوى العلمى لطبيب الوزارة. كما يتوجب عليك تنمية الحس الوطنى والانتماء لمصرنا فى نفوس شباب الأطباء، وأن تجعليهم يلتفون حولك من أجل هذا الوطن. وتأكدى أن حبهم لشخصك وكونك قدوة حسنة لهم سيكون عاملا مهما جداً فى استخراج طاقاتهم الكامنة وتحويلهم إلى شعلة نشاط. 
 
كما أُوصيك خيراً بإنشاء علاقة متوازنة ومثمرة مع نقابة الأطباء وعدم السماح للفتن أن تستشرى بينما نحن واقفون متفرجون.
 
ولا يفوتنى أن أنوه لأهمية السياحة العلاجية وقدرتها على جلب مليارات الدولارات للدخل القومى ونحن لها قادرون. 
 
كما يجب العمل على تحسين صورة الطبيب المصرى فى عيون الناس وفى الإعلام، ومواجهة انتهاكات الفضائيات الرخيصة للطب فى مصر، وكذلك العمل على توعية الشعب بقيمة الطبيب المصرى وحمايته من التعديات غير المقبولة.  
ويحضرنى فى هذا الأمر بيتان من الشعر القديم.
إن المعلمَ والطبيبَ كِليهُما
                        لا ينفعانِ إذا هما لم يُكرما
فأصبِر لدائكَ إن أهنتَ طبيبهُ
              واصبِر لجهلِكَ إن جفوتَ مُعلما  
 
تحيا مصر .. تحيا مصر
تحيا مصر .. بأبنائها المخلصين.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg