رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 26 سبتمبر 2018

المجلة



النص الرسمى لحديث عبد الناصر مع رئيس تحرير «لوك».. فى حديث إلى الصحافة العالمية لأول مرة منذ معارك يونيو

13-7-2018 | 15:20

أزمة الشرق الأوسط واحتمالات حلها وتطوراتها 
 
وصفها بأنها أسئلة صعبة وعبد الناصر يجيب عنها
 
أدلى الرئيس جمال عبد الناصر بأول حديث له إلى الصحافة العالمية منذ شهر يونيو الماضى، وكان الصحفى الذى حصل على الحديث هو ويليام آتوود رئيس تحرير مجلة «لوك» الأمريكية التى توزع ثمانية ملايين نسخة.
وكان «آتودد وهو من أبرز الصحفيين فى الولايات المتحدة، قد حصل من قبل على حديث مع الرئيس جمال عبد الناصر وتعرف إليه سنة 1955، وسنة 1956، ومنذ ذلك الوقت فإن آتوود لعب أدوارا سياسية مهمة، إلى جانب عمله الصحفى وكان من القريبين إلى الرئيس الأمريكى السابق جون كيندى، وحين أراد كيندى أن يبدأ سياسة جديدة فى إفريقيا، فإنه اختار ويليام آتوود سفيرا فوق العادة فى غينيا، ثم فى كينيا وبعد سنوات من الخدمة السياسية  عاد ويليام آتوود مرة أخرى إلى المهنة رئيسا لتحرير مجلة «لوك».
وقد وجه ويليام آتوود إلى الرئيس جمال عبد الناصر 42 سؤالا وصفها آتوود بنفسه بأنها أسئلة صعبة، يتركز معظمها على أزمة الشرق الأوسط، وتناولت العديد من زواياها المختلفة وبينها.
 العلاقات العربية ـ الأمريكية.
 دور أمريكا فى أحداث عدوان يونيو.
 أسباب الخلاف العميق مع الولايات المتحدة قبل العدوان وبعد العدوان.
 رأى عبد الناصر فى مشروع جونسون لحل مشكلة الشرق الأوسط.
 نشاط الفدائيين الفلسطينيين.
 من أين يبدأ أى حل سياسى للأزمة.
 الأحاديث الكثيرة عن الخبراء العسكريين السوفيت فى مصر.
 لماذا لا يعتبر قرار مجلس الأمن كافيا لحل أزمة الشرق الأوسط. وقد حصل «الأهرام» بمقتضى ترتيب خاص على حق نشر النص الرسمى لحديث الرئيس جمال عبد الناصر إلى ويليام آتوود للشرق العربى.
 
انقضت نحو 11 سنة على الحديث الأخير الذى أجريته مع جمال عبد الناصر عقب حرب السويس بفترة وجيزة، وكان ـ حتى فى ذلك الوقت ـ يقطر مرارة ضد الولايات المتحدة، على الرغم من أننا تدخلنا ضد محاولات أصدقائنا البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين لغزو مصر، واليوم ـ وبعد حرب أخرى ـ فإن عبد الناصر لا يزال يقطر مرارة.. لكنه لم يفقد ذرة من حيويته ومرحه وسحره، مما جعلنى أكتب عن تلك المقابلة (عدد لوك بتاريخ 25 يونيو سنة 1957):«إن من العسير على المرء ألا يحب عبد الناصر حتى لو اختلف معه فيما يقول».
لقد قابلته هذه المرة لمدة ساعتين فى منزله بالقرب من القاهرة، وتمت المقابلة فى غرفة مزينة بصور مهداة إليه من عشرات من رؤساء الدول السابقين والحاليين، ابتداء من ليندون جونسون حتى ماوتسى تونج.. وهى صور يمكن للإنسان أن يحصل على الكثير منها حين يكون ـ كما هو حال عبد الناصر ـ الرجل الأول فى العالم العربى لمثل هذه المدة الطويلة، وعبد الناصر وبلا جدال، لا يزال الرجل الأول حتى بعد حرب الأيام الستة المشئومة من شهر يونيو الماضى، لقد ازداد الشيب نحو شعر فوديه، وأصبح وهو فى الخمسين من عمره جدا فخورا أبيا.. لكننا ما كدنا نبدأ فى الكلام حتى بدا من العسير على أن أتصور أن سنوات عديدة قد انقضت منذ أن قابلته أول مرة.
وكانت إسرائيل، كما كانت فى المقابلة الأولى، هى موضوع حديثنا الأول، وقد قلت له ـ كما قلت فى تلك المقابلة ـ إن أسئلتى قد تكون صعبة.. فقال:«تفضل».
> سؤال: الآن ونحن نتطلع إلى الأمام.. ما هى العقبة الرئيسية التى تعترض طريق إعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين بلدينا؟
> جواب: إنها تأييدكم لإسرائيل. إن هذا التأييد يدفع العرب إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تقف دائما إلى جانب إسرائيل ـ وليس هناك من الجانبين من يسعى الآن لإعادة العلاقات الطبيعية بينهما.. نحن مشغولون بمعركتنا وأنتم فى شغل بمعركة انتخابات الرياسة.. أليس كذلك؟
> سؤال: لقد كنتم أنتم الذين قطعتم العلاقات الدبلوماسية معنا على أساس أن طائراتنا اشتركت فى الهجوم الإسرائيلى الذى وقع فى شهر يونيو.. ولقد أثار هذا الاتهام اهتماما ودهشة لدى كثيرين من الأمريكيين ـ فما هى وجهة نظركم فى هذا الموضوع وما هى أسباب ذلك؟
> جواب: كنا قبل يوم 5 يونيو قد أصبحنا نشك فيكم بشدة، فقبل ذلك التاريخ بعشرة أيام نصحت وزارة خارجيتكم سفيرنا فى واشنطن أن نلتزم بضبط النفس، على الرغم من أننا لم نكن ننوى البدء بالهجوم على إسرائيل، ثم جاءت أعداد كبيرة من الطائرات من ناحية البحر، حيث تقف حاملات طائراتكم، أعداد تفوق كثيرا ما كنا نظن أن إسرائيل تملكها، ولعلك تذكر ما حدث من قبل فى سنة 1956، فإن الإسرائيليين لم يهاجمونا وحدهم.
ومع ذلك فإننا رفضنا أن نصدر أى بيان لا يسنده دليل، لكننى فى الخامسة من صباح يوم 6 يونيو تلقيت مكالمة تليفونية من الملك حسين، قال فيها إنه يتعرض لهجوم جوى شديد من البحر بـ  400 طائرة ضد الأردن وحده.. وهنا أصدرنا البيان، ولم نقل فيه إن مصر تعرضت لهجوم من جانب الطائرات الأمريكية ـ لكننا قلنا: «إن لدى القيادة العامة العليا شواهد على أن الولايات المتحدة وبريطانيا تشتركان فى العدوان الإسرائيلى بطائرات من حاملات الطائرات، تؤمن إسرائيل بغطاء جوى يكفل لطائراتها أن تتفرغ للهجوم، وقد ذكر الأردنيون أن شبكات الرادار تبين أن الطائرات الأمريكية والبريطانية تساعد إسرائيل، كذلك أن الملك حسين اتصل بنا، وقال إن الطائرات الأمريكية والبريطانية مشتركة، وبعد ذلك اتصل جونسون بكوسيجين عن طريق التليفون المباشر ليقول له إن طائرتين فقط من طائراتكم الاستطلاعية كانتا تحلقان فى الجو للتحقيق فى حادث إغراق البحرية الإسرائيلية لسفينتكم، وطلب من كوسيجين أن يبلغنا بذلك.. ففعل.
> سؤال: هل يمكن أن يكون هناك سوء فهم نتج من الشكوك العميقة والقديمة؟
> جواب: فى استطاعتك أنت أن تقول ذلك إذا أردت، ولكن غيرك قد يقول شيئا آخر!
> سؤال: إن السلام ـ أكثر من الأصدقاء والحلفاء ـ هو ما نريده أولا وقبل كل شىء فى الشرق الأوسط.. وقد قلت لى أنت نفسك ـ يا سيادة الرئيس ـ فى سنة 1957:«إن العالم لا يستطيع أن يواجه أى حرب يمكن أن تتحول إلى حرب عالمية ثالثة» ـ فهل توافق على أن المبادئ الخمسة التى أصدرها الرئيس جونسون يوم 19 يونيو، وهى الاعتراف بحق الشعوب فى حياتها القومية، وبالعدالة للاجئين، وبالمرور البرىء فى الممرات المائية، وبفرض قيود على سباق التسلح، وبالاستقلال السياسى والسيادة الإقليمية للجميع ـ يمكن أن تكون أساسا لتسوية دائمة فى المنطقة؟
> جواب: ليست المسألة هى الألفاظ، ولكن المسألة هى مضمون هذه الألفاظ ومع ذلك فإن هذه النقط شديدة الغموض، فضلا عن أنها لم تتضمن شيئا عن الموضوع الرئيسى، وهو انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضينا، فضلا عن حقوق شعب فلسطين التى هى الأساس فى مشكلة الشرق الأوسط.
> سؤال: كثيرا ما نتهم بالتحيز لإسرائيل ـ ومع ذلك ففى خلال السنوات العشر التى انقضت فيما بين سنة 1957 وسنة 1967 قدمت حكومة الولايات المتحدة للجمهورية العربية المتحدة كميات كبيرة من المعونة.. ألا تشعرون بأننا حاولنا معاملة مصر بإنصاف ـ على الأقل منذ ذلك اليوم الذى سحب فيه دالاس بطريقة مفاجئة عرضنا لمعاونتكم فى بناء سد أسوان؟
> جواب: إن المسألة ليست مسألة معونة فقط ـ فالصداقة تتضمن أمورا أخرى غيرها ـ وفيما يتعلق بالمعونة، فلقد استعملت للضغط وتذكر أنكم وقفتم العام الأسبق فجأة شحنات القمح لنا.. الأمر الذى خلق أمامنا مشكلة خطيرة بالنسبة لرصيدنا من العملة الأجنبية ـ لأننا كنا قد وضعنا خططنا للمستقبل على أساس استمرار هذه الشحنات.
> سؤال: بطبيعة الحال فإن ذلك حدث بعد أن هوجمت مكتبة الاستعلامات الأمريكية وأحرقت.. الأمر الذى كان له على وجه اليقين أثر عكسى على الرأى العام الأمريكى ـ لكن لماذا يمضى العرب فيما يقولونه من أننا نؤيد إسرائيل بشدة؟
> جواب: لموقفكم العملى المنحاز تماما فى كل تصرفاتكم نحو إسرائيل، لأنه تكاد لا تقال كلمة طيبة واحدة فى أمريكا من وجهة النظر العربية، وكذلك لأنكم تزودون إسرائيل بالأسلحة.
إنكم فى سنة 1960 اتخذتم الإجراءات التى تكفل لإسرائيل الحصول على أسلحة مجانية من ألمانيا، وكانت فى الحقيقة أسلحة أرسلتموها أنتم أنفسكم (عن طريق ألمانيا) هدية لإسرائيل.. أما بالنسبة للأسلحة الفرنسية لإسرائيل، فالأمر مختلف لأنها أسلحة مشتراة ـ إنكم تضغطون على ألمانيا لدفع تعويضات لإسرائيل.. فإذا حسبنا ذلك كله لوجدنا أن إسرائيل قد تلقت من أمريكا سبعة بلايين دولار على الأقل بطريق أو بآخر.
> سؤال: دعنا نعود إلى الوراء قليلا، فى العدد الحالى من مجلة الشئون الخارجية ـ كتب تشارلز بوست النائب السابق لمندوب الولايات المتحدة الدائم فى الأمم المتحدة يقول:«ليس هناك دليل على أن أيا من عبد الناصر أو الحكومة الإسرائيلية أو حتى الحكومة السورية أراد حربا كبرى أو سعى إليها»، وقال إن حرب يونيو نشبت نتيجة سوء التقدير أو المبالغة فى رد الفعل ـ فهل توافقون على هذا التحليل؟
> جواب: لا أوافق عليه تماما، لقد تحدث أشكول رئيس الوزراء الإسرائيلى ليفى أشكول، عن تهديدات سورية فى شهر مايو، وقال إن إسرائيل مستعدة للزحف على سوريا ـ وإن كان لم يوجه تهديدات للجمهورية العربية نفسها ـ وتلقينا معلومات عن التعبئة الإسرائيلية ضد سوريا، وكان هذا هو السبب فى إرسال قواتنا إلى سيناء لردع الإسرائيليين، كذلك فإنه كان من الواضح منذ مدة طويلة أن إسرائيل تحاول (فرض) تسوية على العرب ـ وكانت تبحث عن فرصة لفرض هذه التسوية.. ولهذا فإنى أظن أنها كانت مهتمة بشن الحرب فى شهر يوليو الماضى.
> سؤال: سيدى الرئيس.. لو حاولت أن تضع نفسك موضع الزعماء الإسرائيليين.. ووجدت نفسك مسئولا عن سلامة وحياة بلدك وشعبك ـ ألم تكن لتتصرف كما تصرفوا فى شهر يونيو بالنسبة لتحركات القوات الهجومية العربية والتهديدات الشفوية كتلك التى كان يذيعها راديو القاهرة ـ عن (مسح) إسرائيل من الخريطة؟
> جواب: مما يؤسف له أن الاتهامات الوحيدة التى تذكرونها دائما هى الاتهامات الإسرائيلية ـ كل ما يمكننى أن أقوله لك إننا نحن العرب لم نكن فى ذلك الوقت نخطط لشن حرب فى الشرق الأوسط، وكان هذا هو الرأى السائد فى جميع مناقشات لجاننا العسكرية ـ ولا تنس وأنت تتحدث عن مخاوف إسرائيل، أن الإسرائيليين هم الذين هاجمونا فى سنوات 1955 ـ 1956 ـ 1967.
> سؤال: ألم تكونوا تقدرون أن الغارات العديدة التى كان الفدائيون يقومون بها، والتى بدأت فى سنة 1966 وما أعقب ذلك من الحصار الذى فرضتموه على مضيق تيران ستؤدى إلى رد فعل من جانب إسرائيل؟
> جواب: لا تنس أن الإسرائيليين كانوا بدورهم يقومون بمثل هذه الغارات أما بالنسبة للمضايق، فإننا كنا نعيد الموقف إلى ما كان عليه، إننا لم نعقد أى اتفاق مع أى طرف من الأطراف بشأن المضايق.. وأما بالنسبة لتحركات قواتنا فى سيناء فكانت ـ كما سبق أن قلت ـ لمجرد ردع هجوم محتمل على سوريا.
> سؤال: هل كنت تتوقع أن يقوم السوفيت بدور مباشر أكثر فى الصراع؟
> جواب: إن كنت تعنى التدخل العسكرى فالجواب: لا إننا لم نكن نتوقع أبدا أن يأتى السوفيت ليقاتلوا معنا.
> سؤال: قلت لى سنة 1957: إن مشكلة إسرائيل هى فى الأساس مشكلة شعب طرد من  أرضه ـ  طرد من فلسطين، وإنه لابد من رد حقوق هذا الشعب والسماح له بالعودة إلى وطنه.. تلك هى المشكلة الرئيسية ـ فهل لا تزالون ترون أن هذه هى المشكلة الرئيسية اليوم؟
> جواب: أجل ـ بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى التى استولت عليها فى العام الماضى، وما دام الفلسطينيون مهملين يعيشون فى المعسكرات  فإن قضية السلام ستظل صعبة جدا.
> سؤال: هل يمكن أن ترحب بخطوة يقوم بها الفلسطينيون للتفاوض مع إسرائيل من أجل إنشاء دولة فلسطينية تستطيع أن تعيش فى سلام وتعاون مع إسرائيل؟
> جواب: ذلك مستحيل ـ ولا يمكن للفلسطينيين أن يوافقوا عليه.. فهم يعرفون أن مثل تلك الدولة ستكون ضعيفة وتحت سيطرة إسرائيل.
> سؤال: نعود إلى المشاكل الاقتصادية إن المملكة العربية السعودية والكويت وليبيا تقدم لكم دعما ماليا فهل هذا الدعم مستمر؟
> جواب: إن هذه البلاد العربية الثلاثة تقدم لنا وفقا لمقررات الخرطوم ما يكاد أن يصل إلى مائة مليون جنيه سنويا، لكن هذه المعونة مؤقتة حتى ننتهى من الموقف الذى نواجهه وتضطر إسرائيل إلى الانسحاب ـ ونحن الآن نعمل على إعادة تنظيم ميزانيتنا وفق ظروفنا الحالية.. صحيح أنه سيكون هناك بعض التقشف ولابد لنا من أن نشد الأحزمة على بطوننا، لكن الشعب مستعد لتقبل تكاليف المعركة بل إنه لا يحاول تخزين السلع.
> سؤال: ما هى نسبة ما تخصصونه فى ميزانيتكم للنفقات العسكرية؟
> جواب: نحو 200 مليون جنيه ـ أى 15 ٪ على وجه التقريب.. وهى نسبة تقل كثيرا عنها فى ميزانيتكم.
> سؤال: نشرت أخيرا مجلة «جون أفريك» التى تصدر فى باريس ـ مقالا قالت فيه: إن الدول العربية أنفقت 10 بلايين دولار على التسلح منذ سنة 1950 ـ وأن نصف هذا المبلغ أنفقته الجمهورية العربية المتحدة وحدها.. أليس هذا مبلغا كبيرا؟
> جواب: إن هذا الرقم مبالغ فيه جدا.. وهو بالتأكيد خارج قدرتنا تماما ولا أعرف كيف يقول به أحد دون أن يسأل نفسه من أين لنا أن نجده، ومع ذلك فلا بد أن تعلم أن وجود السلاح ضرورى كوجود فرق المطافئ، وقد كنت أنا نفسى حتى سنة 1955 ضد تخصيص ميزانية عسكرية ضخمة ـ ثم هاجمنا الإسرائيليون فأدركت أنى كنت مخطئا وأننا بحاجة إلى فرق المطافئ.
> سؤال: معظم المراقبين غير المتحيزين متفقون على أنك استطعت ـ برغم المصاعب والنكسات فى السنوات العشر الماضية ـ أن تحتفظ بحب الشعب المصرى وولائه لك ـ فما السبب فى ذلك؟
> جواب: إنى أعترف أنى لم أكن أتوقع رد الفعل الذى حدث عند الشعب حين عرضت أن أستقيل يوم 9 يونيو ـ فقد أحسست يومها بأننا فشلنا وأن علينا أن نتنحى، لكن شعبنا شعب أصيل، وتاريخه الحضارى طويل وأمله فى الثورة واسع وإيمانه بالمستقبل واثق.
> سؤال: تعنى أنك رمز الثورة بالنسبة للشعب؟
> جواب: ليس ذلك بالضبط ـ لكن هناك شيئا آخر أيضا وهو الجانب المعنوى فى الموضوع.. فالشعب إصراره على بقائى كان يحاول أن يقول إننا ربما نكون قد فقدنا جيشنا ولكننا لم نفقد عزيمتنا.
> سؤال: وماذا عن الأمن الداخلى الآن ـ هل هناك أى صلة بين الـ 54 شخصا الذين يحاكمون الآن بتهمة الخيانة، ومنهم ضباط الجيش وبين أية دولة أجنبية؟
جواب: كلا إنهم تآمروا فقط للاحتفاظ بالسلطة التى كانوا سيفقدونها عند إعادة تنظيم الجيش والحكومة بعد شهر يونيو.
> سؤال: ما هو وضع اليهود المصريين - كم عدد من لا يزالون منهم فى مصر، وكم عدد من لا يزالون منهم فى الاعتقال؟
> جواب: هناك نحو 3400 يهودى فى مصر ـ وفى شهر يونيو اعتقلنا نحو 300 يهودى حامت الشكوك حول أنهم عملاء لإسرائيل، ولم يبق منهم فى الاعتقال الآن سوى 150 ـ أما الباقون فقد أطلق سراحهم.
> سؤال: ناديتم طويلا بعدم الانحياز فى السياسة الخارجية ـ فهل يمكن أن يؤثر الموقف الراهن على ذلك؟
> جواب: مما لا شك فيه أننا نشعر بالصداقة نحو السوفيت أكثر مما نشعر بها نحو الغرب ـ ولكننا مع ذلك غير منحازين.. فليس هناك تنسيق بين سياستنا، كما هو الحال بين دول حلف شمال الأطلنطى، كل ما فى الأمر أن السوفيت يؤيدوننا فى الأمم المتحدة، ويساعدوننا فى النواحى الاقتصادية وغيرها ونحن نقدر لهم هذه المساعدة، ولكننا لا نشعر بأنها تحد من حريتنا على الإطلاق.
> سؤال: ومع ذلك هناك عدد كبير من المستشارين العسكريين السوفيت فى جيشكم الآن، حيث تراوح ما نشر عنهم أنهم بين 1500 و7000 مستشار؟
> جواب: إننى أنا الذى رجوت السوفيت أن يبعثوا ببعض خبرائهم للمعاونة فى إعادة تدريب جيشنا، لقد كنت أنا الذى قررت أن آتى بهم.. وأنا الذى أقرر أن أخرجهم ـ ثم إنهم لا يتولون سلطات قيادية أما بالنسبة للأرقام التى ذكرتها فإن رقم الألف مبالغ فيه.
> سؤال: هل يمكن أن تقدم للروس قواعد بحرية؟
> جواب: هذا الموضوع لم يثر أبدا سواء من جانبهم أو جانبنا.
> سؤال: هل يمكن أن تسمح للطيارين السوفيت بأن يقودوا طائراتكم كما يفعلون فى اليمن؟
> جواب: لم يكن فى اليمن أى طيار سوفيتى ـ وبالتالى فإن هذا السؤال لا يطرح فى نفسه أساسا.
> سؤال: أنفق الروس الكثير من المال والجهد فى الشرق الأوسط منذ سنة 1955 ـ فما هو فى رأيك سر اهتمامهم بالمنطقة لاسيما وأن لديهم الكثير من البترول؟
> جواب: لا أعتقد أنهم ينفقون الكثير من المال ـ إنهم يبيعون لنا السلع ويشترون منا، وأنت تعرف أن المعدات العسكرية التى يقدمونها لنا ليست هدية، كذلك فإنهم يقومون بتقديم القروض لنا كما يفعلون فى مختلف أنحاء العالم.. كالهند على سبيل المثال.
> سؤال: معنى ذلك أنك ترى أن حافزهم تجارى أساسا؟
> جواب: إن حوافزهم بطبيعة الحال سياسية أيضا، إنهم يريدون إضعاف النفوذ الغربى والسيطرة الغربية على الشرق الأوسط، فقد كان الغرب فى الماضى هو المورد الوحيد لنا بالنسبة للسلع بما فيها الأسلحة ـ وهناك أمر آخر وهو أن الأمريكيين والبريطانيين يفرضون شروطا على شحنات الأسلحة، أما الروس فلا يفعلون ذلك وهم بالتأكيد ينتهجون سياسة صداقة تجاه الشعوب العربية ويتعاطفون مع أهدافها المشروعة.
> سؤال: نحن نرى أن الروس أكثر اهتماما بالاضطراب والشقاق من السلام والاستقرار ـ لكن إذا افترضنا أن السلام هو فى صالح العرب، فما هى الخطوات العملية التى يمكن اتخاذها فى هذا الشأن.. على سبيل المثال فإنك قلت يوم 23 نوفمبر: إن القرار البريطانى الذى اتخذ فى مجلس الأمن ليس كافيا لتسوية أزمة الشرق الأوسط.. لماذا؟
> جواب: إن مشروع القرار هذا غير دقيق ولا هو حاسم بالنسبة للمسألة الرئيسية وهى الانسحاب، ولن يكون هناك تقدم لأن القرار غامض.. ويمكن لكل واحد أن يفسره على هواه ـ والإسرائيليون يفسرونه بأنه يعطيهم الحق فى البقاء على أرضنا.
> سؤال: فى سنة 1953 كتب أدلاى ستيفنسون فى مجلة «لوك» بعد زيارته لهذا الجزء من العالم يقول:«ربما كان من المبالغ فيه أن نتوقع الوصول إلى حلول كان يمكن الوصول إليها قبل ذلك بكثير عن طريق جلوس العرب واليهود معا، لكنهم قد يرحبون بحلول معقولة تفرض عليهم من جانب قوى من الخارج ترضى بأن يكون موضع اللعنة من الطرفين».. هل ترى أن لهذا الرأى معنى اليوم؟
> جواب: إنى لا أحب كلمة (فرض) إن الظلم الواقع على العرب لا يمكن تصحيحه بالفرض وإلى جانب ذلك. فإن أكبر قوة الآن هى الولايات المتحدة والشعور السائد أنها هى التى يمكن أن تقوم بعملية الفرض.. وهى منحازة لإسرائيل.
> سؤال: لكن ماذا يكون الموقف إذا أمكن للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى أن يتفقا على تسوية للسلام؟
> جواب: إن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى لا يستطيعان الاتفاق على أى شىء فى الأمم المتحدة، فكيف يمكنهما الاتفاق على ما يفرضانه؟
> سؤال: فى حديثك مع سير دينجل فوت (المدعى العام البريطانى السابق) فى الخريف الماضى تحدثت عن إحياء لجنة الهدنة، فكيف يمكن ذلك؟
> جواب: لقد كان ذلك فى معرض ما قيل من طلب إسرائيل بضرورة الجلوس إلى مائدة واحدة مع العرب، وقلت له: إنه ليس هناك زعيم عربى واحد يقبل أن يجلس مع الإسرائيليين، ولذلك فإنهم يتخذون من مطلب المفاوضات المباشرة مناورة تكتيكية.. ومع ذلك فإن إسرائيل هى التى نقضت اتفاقية الهدنة وبمتقضى اتفاقية الهدنة، فإن لجان الهدنة المشتركة كانت تجتمع بطريقة مرسومة فى اتفاقية الهدنة لبحث المشاكل العارضة على الخطوط المتوترة، لكن إسرائيل تناور وهدفها كله هو تثبيت العدوان.
> سؤال: هل لا يزال انسحاب إسرائيل أولا وقبل كل شىء من جميع الأراضى التى احتلتها فى شهر يونيو واحدا من شروطك لبحث الوصول إلى تسوية دائمة معهم؟
> جواب: أجل ـ وكما تعرف فإننا نجرى محادثات مع جونار يارنج مندوب الأمم المتحدة.. لكننا مصرون على أن يكون الانسحاب سابقا لأى جانب آخر من جوانب المشكلة.
> سؤال: فلنفرض أن إسرائيل وافقت على سحب قواتها من أراضيكم ـ فهل تقومون على الفور بإعادة جيشكم إلى سيناء؟
> جواب: ذلك موضوع يطرح نفسه بعد الانسحاب
> سؤال: مع مرور الوقت، ومع استمرار نشاط الفدائيين العرب، ألا ترى أن فرصة انسحاب الإسرائيليين تصبح أقل وأقل؟
> جواب: إن إخراج الإسرائيليين من أراضينا ليس هدفنا وحسب ـ إنما هو واجبنا، كذلك فإن من حق الفلسطينيين أن يقاوموا تماما كما قاوم الناس الاحتلال الألمانى فى أوروبا ـ إن من الطبيعى والإنسانى أن يكون للسكان الذين احتلت أراضيهم الحق فى أن يقاوموا.
> سؤال: ما الذى يحدث إذا فشلت مهمة يارنج فى السعى لإيجاد تسوية سلمية؟ هل تتوقع أن يستأنف القتال؟
> جواب: إن المسألة ليست القضية الفلسطينية وحدها ـ فعلينا ـ كما قلت واجب هو تحرير أرضنا.. فإذا لم يتيسر تحريرها بطريقة سلمية فلابد لنا من أن نحارب، وبطبيعة الحال فإننا نعيد بناء جيشنا وقد فقدنا 80 ٪ منه فى شهر يونيو.
> سؤال: هل ترحبون باستثمار رأس المال الأمريكى الخاص فى مصر سواء أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين بلدينا بالكامل أو لم تعد؟
> جواب: إننا نرحب بالاستثمارات الأجنبية أيا كانت فى بعض الميادين لا فى كلها، إننا نوافق على الاستثمارات الأجنبية فى الميادين التى لا نستطيع نحن أن نغطى احتياجاتها كالبترول والكيماويات والمبيدات الحشرية وغيرها على سبيل المثال.
> سؤال: ما هى ـ فى تفسيرك ـ العناصر الأساسية التى يجب أن تتوافر فى سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط؟
> جواب: لا بد للولايات المتحدة باعتبارها دولة كبرى أن تكون عادلة ـ بمعنى ألا تنحاز لجانب من الجوانب، لقد فقدنا سلاحنا الجوى فى شهر يونيو، ومن حقنا أن نعيد بناءه ونعيد ميزان القوى ـ وكان لدى الإسرائيليين ولا يزال لديهم التفوق الجوى، ومع ذلك فإنكم فى أمريكا تستعدون لإعطائهم طائرات من طراز سكاى هوك، وربما من طراز فانتوم أكثر مما كان لديهم من قبل، ولابد لكم لكى يكون لكم تأثيركم هنا ألا تنحازوا إلى جانب أو آخر.
> سؤال: وما رأيك فى وضع قيود على شحنات الأسلحة للطرفين؟
> جواب: ليس من الإنصاف أن تتحدث عن القيود بينما يقع جزء من بلادنا تحت الاحتلال، وفى الوقت الذى دمر فيه جيشنا وسلاحنا الجوى، إن الإسرائيليين يأبون تسوية الأمور، ولن يدخل فى رؤؤسهم أى فهم إلا يوم يشعرون بأن لدينا قوة مقاتلة فعالة.
> سؤال: نمضى فى التطلع إلى المستقبل.. هل تعتزمون أن يكون التركيز فى جهودكم على المسائل الداخلية أكثر منه على الشئون الخارجية؟ وبمعنى آخر هل ترى الآن أن الحرب ضد الفقر أكثر أهمية من الحرب ضد إسرائيل؟
> جواب: لم يكن هناك موضوع حرب ضد إسرائيل ـ إنما مسألة دفاع شرعى عن النفس، وبطبيعة الحال فإن علينا أن نركز على المسائل الداخلية، لكن ذلك من الصعب حين نواجه تهديدا خارجيا.
> سؤال: لقد كنت فى الوقت نفسه تفكر فى عمليات خارجية كاشتراككم فى الحرب الأهلية فى اليمن؟
جواب: إننا لم نشترك فى حرب أهلية فى اليمن، ولكننا ساعدنا حكومة يمنية قامت بإرادة الشعب اليمنى.. وهى ما زالت قائمة بعد خروجنا من اليمن بشهور عديدة.
> سؤال: فى كتابكم «فلسفة الثورة» كتبت فى سنة 1954 تقول:«يجب أن يكون هدفنا بناء العالم العربى فى أسرة موحدة» هل لا يزال ذلك هدفكم، أو أنكم مستعدون للمواءمة على أن وجود بعض التباين أمر مرغوب فيه بين شعوب تختلف نشأتها ونظمها السياسية ومصالحها الاقتصادية؟
> جواب: أجل ـ فالاختلاف أمر طبيعى، وعلى سبيل المثال فإننا لم نستطع أن نطبق القوانين المصرية فى اليمن.. ومن العسير أن تكون هناك وحدة كاملة فى الأسرة الواحدة، ويوم كنت أتحدث عن الوحدة العربية فيما بين سنوات 1958/52، فإنى لم أكن أتحدث عن الوحدة الدستورية ـ لكن العالم العربى كان متحدا فى يوم من الأيام.. والوحدة لا تزال هدفنا، والأشياء التى توحد بيننا أكثر من التى تفرق بيننا ـ  ومن الطبيعى أن الأمر يحتاج إلى وقت فقد يتفق شعبان على الاندماج فى شعب واحد ثم ينضم إليهما ثالث وهكذا.
> سؤال: ما السبب فى إلغاء مؤتمر القمة العربى الذى كان مقررا عقده فى الرياض فى شهر يناير الماضى؟
> جواب: إن المؤتمر لم يلغ، المسألة أن السعوديين والسوريين لم يكونوا يريدون عقده فى ذلك الوقت ولذلك اقترحنا تأجيله.. ولم يتحدد حتى الآن موعد آخر لعقده.
> سؤال: هل تتمنى فى بعض الأحيان لو أنك لم تتسلم زمام السلطة ولم تصبح زعيما لشعب تكتنفه مثل هذه المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكثيرة؟
> جواب: لست آسفا إلا على أنى ضحيت بحياتى الخاصة تماما، فأنا أعيش فى خندق لمدة 24 ساعة فى اليوم، وقد كانت لى حياتى الخاصة الصغيرة حتى حين كنت ضابطا فى الجيش، وحين أعود بالذاكرة إلى هذه الخمس عشرة سنة، فإنى أظن أننا استطعنا أن نحقق شيئا، لقد هيأت الثورة فرص العمل للجميع، وزادت ميزانيتنا القومية من 200 مليون إلى 1200 مليون جنيه، ولدينا الآن مستشفيات ومدارس لم يكن لها وجود من قبل، والطلبة يدخلون المدارس بحسب مؤهلاتهم لا بحسب مراكزهم الاجتماعية.. وعلى سبيل المثال، فإن ابنتى لم تقبل فى الجامعة, لأن مجموعها نقص نمرتين ـ لكن سائق سيارتى ابنه دخل الجامعة.. كلا ـ إنى لست آسفا.. فذلك هو قدرى وأنا راض به.
> سؤال: قال أحد رجال الدين الأمريكيين يوما ـ واسمه باول ديفيز، راعى الكنيسة الوحدوية لجميع الناس فى واشنطن:«إن العالم أصبح أصغر من أن يتسع لأكثر من الإخاء وأصغر من أن يتسع لأى شىء غير الحقيقة.. ألا توافقون على أن الشرق الأوسط وهو جزء من هذا العالم الذى يمكن أن تنطبق عليه هذه النصيحة بوجه خاص؟
> جواب: أجل ـ لكن الحقيقة يجب أن تسبق الإخاء، وهذه الآراء يجب أن تلقى قبول جميع الأطراف، فالإخاء يعنى التحرر من الخوف والتهديد.. انظر إلى اللاجئين الفلسطينيين هل هذا إخاء؟ كذلك فإنك تتحدث عن الحقيقة.. هل قرأت ما يكتب عنى فى صحافتكم؟ إنى أقرأه كل ليلة ـ إنهم يصوروننى كما تشاء لهم الأهواء أو الأحقاد، ومن حسن الحظ أنه أصبحت لدى مناعة ضد مثل هذه المقالات، فلا أشعر بالضيق حين أرى حجم دوسيه هذه المقالات يخف لأننى أحس بأنهم لم يعودوا يولوننا اهتمامهم، لكن لا تسء فهمى، فلدى المناعة كما قلت، وأريد أن أؤكد أنه لم يكن فى نيتنا يوما أن نعادى الولايات المتحدة، وقد كانت إسرائيل هى العقبة التى تعترض سبيل صداقتنا.
> سؤال: أخلص من هذا الحديث بأن احتمالات الوصول إلى تسوية مع إسرائيل فى الوقت الحاضر ليست محتملة؟
> جواب: أجل ـ إنها ليست محتملة ـ وإلا فما هو مدى الشعور بالأمن الذى يمكن أن تحس به أنت نفسك إذا كانت هناك قوات أجنبية تحتل جزءا من أراضى الولايات المتحدة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg