رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

المجلة



الرئيس «عبدالناصر» يتحدث إلى «الأهرام»

13-7-2018 | 15:19

جمال عبد الناصر يكشف السياسة الأمريكية تجاه سوريا
 
السياسة الأمريكية ليست «شلة» وليست «ساذجة»
 
إننى أعرف الحرب الموجهة لسوريا فقد وجهت إلى من قبل
 
إمكانيات مصر كلها تؤيد سوريا سياسيا واقتصاديا وعسكريا
 
الأحداث فى الشرق الأوسط تترى بسرعة. المفاجآت بعد المفاجآت، والأزمات لا تكاد تنتهى حتى تبدأ من جديد. الأنظار كلها مركزة على سوريا تحاول أن ترى كل خلجة، والآذان كلها متجهة إلى سوريا تحاول أن تسمع كل همسة.
ولقد تكلم كل المتصلين بالموقف فى سوريا، تكلم ساسة سوريا، وتكلم ساسة العرب خارج سوريا، وتكلم ساسة العالم خارج المنطقة العربية وكان آخرهم أمس داويت أيزنهاور.
واليوم يقول جمال عبد الناصر الكلمة الأخيرة فى الموقف.
لقد أجاب رئيس جمهورية مصر عن مجموعة من الأسئلة تقدمت بها «الأهرام» إليه، أسئلة تغطى كل نواحى الموقف المحيط بسوريا.
هذه المحاولات الأمريكية التى يكاد الرأى العام العربى يجمع على فشلها.. ما هو سرها؟ ما هى الحقيقة فى سوريا؟ ما الذى تريده السياسة الأمريكية؟ وما هى أهدافها؟ وما هى اتجاهاتها؟ وما هو موقف باقى الدول العربية؟ وما هو موقف مصر؟
لقد أجاب الرئيس جمال عبد الناصر عن كل هذه الأسئلة، وهذه هى إجابات رئيس الجمهورية المصرية:
 
- قبل أن أجيب على أسئلتك، دعنى أولا أسألك: «ما هو الأساس الذى يستند إليه الحكم بفشل السياسة الأمريكية؟»
إن رأيى هو أن السياسة الأمريكية سائرة فى تحقيق الغرض الذى يهدف إليه، بل ربما كان خير ما يتمناه واضعو هذه السياسة، أن يتصور الناس، هنا فى الشرق العربى، أن السياسة الأمريكية فاشلة، وأنها عاجزة عن تحقيق أى غرض، ولكن ذلك بعيد عن الحقيقة.
ويتعين علينا أولا أن نحدد أهداف السياسة الأمريكية بوضوح، ثم نحدد مقاييس النجاح والفشل.
إن الحكم على هذه السياسة بالفشل والعجز، هو أول ما يتبادر إلى الذهن، من نظرة سريعة إلى اتجاهات الأحداث، ولكن الأمر فى رأيى يحتاج إلى أكثر من نظرة سريعة..
وفى بداية الضجة المفتعلة التى أثارتها السياسة الأمريكية ضد سوريا، كنت أفكر فى المشكلة، وأطيل التفكير، ووصلت إلى نتيجة اعتقدت أنها المفتاح الحقيقى للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، ثم انتظرت التجارب والتطورات، لتؤكد هذه النتيجة، أو لتزعزع إيمانى بها، ولقد جاءت التجارب والتطورات بعد ذلك تؤكدها وتقدم البراهين كل يوم على صحتها.
أمريكا تعلم الحقيقة
ولقد كانت السلسلة المنطقية للنتيجة التى انتهى إليها تفكيرى، فى موقف الولايات المتحدة تجاه سوريا، تبدأ كما يلى.
< هل انحازت سوريا حقيقة إلى المعسكر الشيوعى؟
والجواب على هذا هو النفى قطعا..
< هل يمكن أن تكون المسألة أن أمريكا تتصور - بغض النظر عن صحة هذا التصور أو بطلانه - أن سوريا انحازت إلى المعسكر الشيوعى؟
والجواب على هذا أيضا بالنفى قطعا.
إن الولايات المتحدة الأمريكية لديها من إمكانيات العلم بحقائق الأوضاع فى سوريا، وفى غير سوريا، ما يسمح لها بأن تعرف كل الدقائق، وكل التفاصيل.... ولقد قابلت بنفسى من المسئولين الأمريكيين، من يعرف زعماء سوريا جميعا، ومن التقى بهم واحدا واحدا واحدا، وتحدث إليهم بلغتهم الأصلية - العربية - وعاش فى بلادهم، يدرس ويراقب عن كثب، وليس معقولا أن يصل الخطأ فى الحكم إلى مثل هذه الدرجة التى توحى بها تصرفات السياسة الأمريكية..
< إذن هل يمكن أن يعزى الأمر، فى نهاية اليأس من العثور على حل يستقيم مع المنطق السليم، إلى حد أن ننسبه إلى السذاجة، أو إلى العصبية الأمريكية التقليدية، فى كل ما يتصل عن قرب أو بعد بالشيوعية؟
والجواب على هذا بالنفى قطعا، فإن الموقف لا يحتمل السذاجة، ولا يحتمل العصبية..
وإذن لا يتبقى إلا أن تكون المسألة خطة مرسومة، مدروسة، تنفذ تفصيلا بعد تفصيل، وبخطوات تعرف مواقع أقدامها..
إسرائيل هى السر
إذا وصلت بنا السلسلة المنطقية إلى هذا الحد، فما هى النتيجة التى يمكن لهذا كله أن يقودنا إليها؟
إنه يقودنا، مرة أخرى، إلى مشكلة المشاكل فى الشرق العربى وهى:  مشكلة إسرائيل..
إن الهدف الحقيقى للسياسة الأمريكية تجاه سوريا، هو التخفيف عن إسرائيل، وتحويل الأنظار عنها، وتوجيهها إلى أهداف أخرى تتماشى مع مصالح السياسة الأمريكية.
كان الإجماع العربى أن إسرائيل هى الخطر الحقيقى على الدول العربية، وحاولت أمريكا بشتى الوسائل أن تجر العرب إلى صلح مع إسرائيل، فلما فشلت هذه الوسائل، جاء دور الوسيلة الجديدة: خلق أخطار أخرى، حتى ولو كانت أخطارا صناعية، حتى يتفتت الإجماع العربى، وتتفرق قواه..
عملية التخويف
بدأت نغمة الخطر الشيوعى، ثم بدأ التركيز على مصر وسوريا، ثم اتجهت كل قوى الضغط مرة واحدة إلى سوريا، ثم ألقيت بضعة ملايين من الدولارات، تطبيقا لمشروع أيزنهاور، لتكون بمثابة الطعم الذى يلقى للصيد، هذا فى نفس الوقت الذى تجرى فيه عملية التخويف، جنبا إلى جنب مع عملية الإغراء.
تخويف الملوك والرؤساء من الخطر الشيوعى..
تخويف الملوك والرؤساء من أن هذا الخطر محدق قريب..
تخويف الملوك والرؤساء من أن هذا الخطر نشب مخالبه بالفعل فى بلد من بلادهم، ويوشك أن ينقض منها على غيرها، ما لم يتصدوا له، ويخرجوا لقتاله.
وفى هذا سارت السياسة الأمريكية تحاول أن تحقق غاياتها..
واليوم، يقف بن جوريون ليقول إن الخطر الذى يواجه إسرائيل هو مصر وسوريا..
واليوم، يقف بن جوريون أيضا ليقول إن إسرائيل تريد أن تفتح المجال للهجرة حتى يصبح عدد سكانها اليهود ضعف عددهم اليوم..
واليوم، يأمر بن جوريون قواته باحتلال جبل المكبر فى القدس..
ثم لا يوجد فى العالم العربى من يرى فى هذا كله نذيرا بالخطر..
لماذا؟.. لأن السياسة الأمريكية استطاعت تحويل المعركة، وأصبح الخطر الآن - فى أنظار الذين انطلت عليهم الخدعة - قادما من سوريا، والهجوم سيجىء منها، والعدو لم يعد إلا فى دمشق..
أليست هذه هى الحال التى نراها من حولنا؟
فكيف إذن يمكن القول إن السياسة الأمريكية فاشلة؟
بالعكس.. إن الأمور فى تطورها تؤكد - مع تدقيق النظر - أن الخطة أوسع نطاقا مما قد يبدو لنا من النظرة الأولى، والخطوات كلها مدروسة، وينبغى أن أقول إن دراستها دقيقة ومحبوكة..
 
السلاح بالطائرات
ولنأخذ مثلا عملية تزويد بعض الدول العربية الموالية للغرب بالسلاح.. ولنتأمل جوانبها هناك ظاهرتان تسترعيان الانتباه فى هذه العملية:
الظاهرة الأولى هى السرعة المسرحية التى يتم بها إرسال هذا السلاح إلى الدول العربية الموالية للغرب، هذه السرعة المسرحية فى الواقع تركز تأثيرها على عملية التخويف، والإيحاء المقصود منها هو أن الأمر عاجل وخطير، وأن السلاح لا يستطيع أن ينتظر السفن، ولهذا يجب أن تنطلق به الطائرات..
عملية تخويف واسعة النطاق، للملوك والرؤساء، وللشعوب أيضا بعد الملوك والرؤساء.
والظاهرة الثانية فى عملية السلاح.. أن هذا السلاح الذى يتم نقله بهذه الطريقة المسرحية بالطائرات، لا يمكن بطبيعته أن يكون سلاحا ثقيلا يصلح للمعارك الحربية بمعناها المفهوم، فإن السلاح الذى ينقل بالطائرات، لا يمكن أن يزيد على أن يكون بعض السيارات، والمعدات اللاسلكية، وربما بعض المدافع الخفيفة.
فإذا لم يكن هذا السلاح صالحا لميدان قتال، فما هو الميدان الذى يمكن أن يستخدم فيه؟
الرد الوحيد هو أن هذا السلاح موجه إلى الجبها ت الداخلية فى البلاد التى يرسل إليها بالطائرات.. إنه إذن ليس موجها إلى أى عدو من الخارج، وإنما القصد الحقيقى منه هو السيطرة على الداخل، وكسر شوكة القومية العربية، والقضاء عليها إذا كان ذلك فى نطاق المستطاع..
السلاح الذى نريده
ولم يكن أحب إلىّ من أن تعطى أمريكا من تشاء من الدول العربية، أسلحة ثقيلة بكميات مؤثرة، توفر لها مقتضيات الدفاع عن نفسها فى ميدان قتال حقيقى..
ولم أكن لأرى فى ذلك عيبا، بل كنت أراه مدعاة للفخر، فلقد حاولت بنفسى طويلا أن أقنع السياسة الأمريكية بأن تعطى مصر السلاح، كما تعطيه لإسرائيل، ولكنى كنت أطلب المحال من ناحية، ومن ناحية أخرى لم أكن أريد من أمريكا سلاحا يستخدم ضد الجبهة الداخلية فى مصر، وإنما كان السلاح الذى أريده، سلاحا فعالا يستطيع أن يدافع بكفاية من حدود بلادنا.
ليست خطة جديدة
هذه نظرات سريعة على الخطة الأمريكية الجديدة تجاه سوريا.. على أنه ينبغى أن نذكر شيئين:
> أولهما أن الخطة فى الواقع ليست جديدة، بل الحقيقة أنها متداد للخطة الإستراتيجية القديمة، وإنما على أساس تكتيكى جديد..
ثانيهما أن الخطة، كما يبدو من دراستها، لا تتجه إلى سوريا وحدها، وإنما هدفها الأصيل هو القومية العربية كلها..
ولقد اختبرت السياسة الأمريكية خلال خمس سنوات طويلة، والنتيجة التى وصلت إليها، هى أن هذه السياسة تجاه العرب تسعى إلى تحقيق ثلاثة أهداف:
> تصفية مشكلة إسرائيل على أساس الأمر الواقع، أى تحويل خطوط الهدنة مع إسرائيل إلى خط حدود دائم، وإهدار كل حق للاجئين من عرب فلسطين.
> فرض تنظيم دفاعى يخدم المصالح الأمريكية وحدها.
> وأخيرا.. الانحياز إلى السياسة الأمريكية فى جميع المشكلات الدولية، بحيث تتحول الدول العربية بالفعل إلى منطقة نفوذ لأمريكا.
محاولات متعددة
هذه هى الأهداف الثلاثة، ووراءها كانت السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط تسعى دائما.. تختلف الوسائل أحيانا، ولكن الأهداف. هى نفس الأهداف دائما.
ولقد كان مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط، الذى عرض على الدول العربية عام 1951، أول وسيلة حاولت بها السياسة الأمريكية تحقيق أهدافها، وانكشفت هذه الوسيلة، ورفضت الدول العربية جميعها فى ذلك الوقت، حتى مجرد الحديث فى المشروع الأمريكى للدفاع عن الشرق الأوسط.
ثم كان حلف بغداد هو الوسيلة الثانية، ولكن حلف بغداد لقى من معارضة الشعوب العربية، ما حوله فى نهاية الأمر إلى حلف جامد لا حياة فيه ولا نبض.
وكان احتكار السلاح وسيلة أخرى، ولكن احتكار السلاح لم يستطع أن يصمد أمام إصرار الشعوب العربية على حقها الشرعى فى الدفاع عن نفسها..
ثم تعددت الوسائل، من حرب الأعصاب التى تستخدم الدعايات والأكاذيب إلى الحرب الفعلية التى تستخدم الطائرات وفرق المظلات، والبوارج، وحاملات الطائرات، والفرق المدرعة، كما حدث بالفعل ضد مصر..
مشروع أيزنهاور
ثم كانت آخر الوسائل هى الخطة الأمريكية الجديدة التى بدأت بمشروع أيزنهاور.. والآن، ما هو مشروع أيزنهاور فى صلبه وصميمه؟
إنه محاولة جديدة لتحقيق نفس الأهداف الثلاثة للسياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط..
> أما فميا يتعلق بإسرائيل، فإن الخطوات التى تمت لتطبيق هذا المشروع حاولت أن تحقق ما يلى:
١- تحويل الأنظار عن خطر إسرائيل.
٢- خلق أخطار وهمية من بعض العرب على البعض الآخر.
٣- إعطاء سلاح لا يخيف إسرائيل إلى بعض الدول العربية.
- ربط بعض الدول العربية فى نطاق واحد مع إسرائيل.. نطاق تقوم فيه أمريكا بدور التوفيق والتنسيق فى جميع النواحى العسكرية، ذلك أن إسرائيل لم تعد فى الحقيقة ونفس الأمر عدوا لهذا البعض من الدول العربية، بل أصبحت زميلا لها فى حلف.. وما مشروع أيزنهاور فى صميمه إلا حلف عسكرى بكل ما ينطوى عليه الحلف من معانٍ.. ذلك لأنه يشمل النواحى العسكرية، فهو إذن بديل لمشروع الدفاع عن الشرق الأوسط الذى رفض عام 1951، وهو أيضا تكملة لحلف بغداد يقصد منها أن تبعث فيه الحياة، وتعيد إليه النبض.
هذا فيما يتعلق بالهدف الأول وهو إسرائيل.
أما فيما يتعلق بالهدف الثانى وهو إيجاد تنظيم دفاعى يخدم المصالح الأمريكية وحدها فإن مشروع أيزنهاور يؤكد فى كل سطر منه أن ذلك هو أول مقاصده.
أما فيما يتعلق بالهدف الثالث، وهو ربط إيجاد تنظيم دفاعى يخدم المصالح الأمريكية وحدها، فإن مشروع أيزنهاور يؤكد فى كل سطر منه أن ذلك هو أول مقاصده..
وفيما يتعلق بالهدف الثالث، وهو ربط المنطقة بعجلة السياسة الأمريكية، حتى تتحول فى النهاية إلى منطقة خاضعة لها، فإن القرائن والشواهد فى عواصم عديدة من حولنا تبين إلى أى مدى وصلت السياسة الأمريكية فى تحقيق هذا الهدف.
الضغط الذى تتعرض له سوريا
الخطة هى نفس الخطة، والأهداف هى نفس الأهداف، وإنما الذى اختلف هو الأسلوب فقط، وكل ذنب سوريا الآن، فى نظر السياسة الأمريكية، أنها لم تركع تحت أقدامها، ولم تأتمر بأمرها، ولو كانت سوريا قد ركعت - كما ركع غيرها - لما كان هذا الضغط عليها من كل ناحية، بل ولما سمع العالم أصلا من خرافة أن النفوذ الشيوعى تسرب إلى سوريا، وأن دمشق توشك أن تدور فى فلك موسكو.
والواقع أننى أستطيع أن أعرف، أكثر من غيرى، مدى الضغط الذى تتعرض له اليوم سوريا، أعرفه لأننى مررت بنفس التجربة، وواجهت نفس الضغط فى مصر، واتجهت إلى نفس حرب الأعصاب، واستعملت معى نفس الأساليب التى تستعمل الآن فى دمشق..
ولقد كنت فى الماضى أقرأ ما تحمله إلينا وكالات الأنباء عما يجرى فى العالم وأصدقه، حتى بدأ الخلاف بين أمريكا وبيننا، ثم بدأت أقرأ ما يكتب عن الأمور التى كنت أعرف دخائلها وتفاصيلها، واتضحت أمام ناظرى حقيقة الحرب العنيفة التى أعلنت علينا، الحرب النفسية، حرب الأعصاب.. واستطعت أن أدرك بعدها أن خير ما نرد به على هذه الحرب، هو أن نبعد أى تأثير لها عن أفكارنا وخطواتنا، وأن نجمع صفوفنا، ونعرف طريقنا، ونفعل ما نؤمن بأنه واجبنا الوطنى.
هذه الحرب النفسية
ولا يخالجنى أى شك فى أن زعماء سوريا الوطنيين قد كشفوا أمر هذه الحرب النفسية، وكذلك كشفها شعب سوريا، كما كشفها من قبل شعب مصر..
كذلك لا يخالجنى أى شك فى أن جميع الزعماء الوطنيين فى العالم العربى، وكذلك الشعوب العربية بأكملها، ستكتشف أمر هذه الحرب النفسية..
وهكذا.. فإن مجرد السؤال عما إذا كانت سوريا قد انحازت إلى الكتلة الشيوعية يصبح مدعاة للسخرية، أكثر منه مدعاة للجد، ذلك أن أمريكا نفسها أول من يدرك أن سوريا التى نالت استقلالها بدماء أبنائها، لن تفرط فيه، وبالتالى لن ترضى عن عدم الانحياز بديلا، حتى ولو قدر هذا البديل بملايين من الدولارات لا عد لها ولا حصر..
وإنما المشكلة كلها خطة مرسومة للسيطرة على سوريا ودفعها إلى الخضوع، وعندما لم تنجح المؤامرات من الداخل، بدأ العمل من الخارج، وبدأت الأزمة المصطنعة بمبالغاتها وتهاويلها، وكان هدف السياسة الأمريكية ألا تهدأ الأزمة أو تسكن، بل إنه لما ساد الموقف بعض السكون والهدوء، إثر تصريحات السيد شكرى القوتلى رئيس الجمهورية السورية، وإثر تصريحات جميع المسئولين فى دمشق - بأن سوريا ما زالت تنتهج نفس سياستها الوطنية، وأن طريقها ما زال هو عدم الانحياز - أقول لما ساد الموقف بعض السكون والهدوء، على إثر هذه التصريحات، لم تلبث السياسة الأمريكية أن بددته، عامدة متعمدة، لأن توتر الموقف هو الجو الذى يلائم الحرب النفسية..
والواقع أن التشابه بين الحرب النفسية التى أعلنت على مصر، والحرب النفسية التى أعلنت على سوريا،، ليفرض نفسه على قسمات كثيرة من ملامح الأزمة، وما أشبه البيان الذى صدر فى واشنطن أول من أمس، ضد الحكومة الوطنية فى سوريا، بالبيان الذى صدر ضد الحكومة الوطنية فى مصر إبان أزمة تمويل السد العالى..
البيان القديم حوى تحريضا وإثارة للشعب المصرى على حكومته، وكذلك حوى البيان الجديد ضد سوريا، وأكثر من ذلك، ما أشبه محاولة تشكيك جيران مصر فيها، بل إن السياسة الأمريكية الآن تذهب إلى حد محاولة بذر الشكوك بين مصر وسوريا، فهى تحاول أن تظهر مصر بمظهر غير الراضى عما بدا - فى رأى السياسة الأمريكية! - من انحياز سوريا إلى المعسكر الشيوعى.
ولقد قرأت فى الأيام الأخيرة، فى صحف أمريكا، مقالات حملت لى المديح لأول مرة منذ زمان طويل، على أساس أننى أبديت عدم الرضا عما يجرى فى دمشق، والحيلة قديمة، وأنا أعرفها، وما أظنها تجوز على..
هذا هو موقف مصر
بقى أن أحدد موقف مصر فى هذه الحرب النفسية التى أعلنت ضد سوريا، ومع أن موقف مصر واضح لا يحتاج إلى تحديد جديد، إلا أننى أريد أن أعود فأؤكده: أن مصر ستقف بجانب سوريا إلى غير حد، وبدون أى قيد أو شرط.
ومهما تكن تطورات الضغط على سوريا،فإن شيئا واحدا لا يجب أن يغيب عن الأذهان: ذلك أن جميع إمكانيات مصر، السياسية والاقتصادية والعسكرية، كلها تسند سوريا فى معركتها.. بل معركتنا نحن.. معركة القومية العربية كلها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg