رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

المجلة



القارئ العربى يفضل المنتج الفكرى الغربى .. الروايات المترجمة أكثر رواجا من العربية

18-7-2018 | 19:10
تحقيق - السيد حسين

لطفية الدليمى: الفن الروائى غربى النشأة ومن الطبيعى أن يتأثر بالتغيرات الثورية 
 
نوزاد جعدان: الرواية العربية فى حالة تخبط وتعانى غياب ملامح الخصوصية 
 
شهدت الروايات الأجنبية المترجمة فى العالم العربى فى السنوات الأخيرة رواجا كبيرا فاق الروايات العربية، فيما رأى البعض أن الأدب المترجم فرصة للاطلاع على ثقافة الآخر، والبعض الآخر يراه ورقة رابحة للناشر ودور النشر من حيث المبيعات والإقبال عليه، ونحن هنا لا نعقد مقارنة بين الرواية العربية والروايات المترجمة، لكن ما شغلنا هو هل هناك مميزات وجوانب مختلفة أو تقنية معينة تحسب مثلا للرواية المترجمة تفتقر إليها الرواية العربية؟ وهو ما رفضه بعض الروائيين، واعتبروا أنه ليست هناك مقارنة.
هذا التحقيق يجيب عن السؤال: لماذا تروج الروايات الأجنبية فى العالم العربى مقارنة بالروايات المكتوبة بالعربية؟ 
ترى الروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمى أن ثمة أسبابا موضوعية تقف وراء هذه الظاهرة، ويمكن إجمال تلك الأسباب فى أن الفن الروائى هو منتج غربيّ النشأة، فكان من الطبيعيّ أن يتأثر مباشرة بكل التطورات الثورية التى شهدتها البيئة الغربية وبخاصة فى حقول الفلسفة والسيكولوجيا والعلم والتقنية، الأمر الذى منح الفن الروائى فى الغرب طاقة حركية دائمة، ليعكس تأثيرات تلك التغيرات الثورية المتواصلة على الرواية وعلى نحوٍ يشدُّ القارئ إلى نبض الحياة الحية المتحركة بعيداً عن الحالة السكونية التى تحيل الرواية إلى محض (حدّوتة) حكائية مفرّغة من الحمولات المعرفية والكشوفات التى ترمى، لفكّ مغاليق الإمكانات الخبيئة فى الحياة، فى الوقت الذى انشغلت معظم الروايات العربية بملاعبة اللغة بدل الأفكار، وأمست الرواية أقرب إلى كاميرا ثابتة تصف الوقائع ولا تؤثر فى مساراتها؛ ما أدى إلى انفضاض القراء عنها.
وتضيف الدليمي: أما الأسباب الذاتية فيمكن القول إن القارئ العربي، وبعد عقود طويلة من الهزائم الفكرية والمجتمعية على جميع الأصعدة، أصبح يفضّل المنتجات الفكرية الأجنبية - والرواية من بينها - فى ردة فعل غير معقلنة أو مسوّغة، وأحسب أن هذه الحال، ستستمر لعقود طويلة ما لم تحصل انعطافة ثورية هائلة فى وضعنا العربي.
من ناحية أخرى تقول الروائية والأديبة المغربية ليلى مهيدرة: قد لا يغتر أحد من أفق الترجمة بالعالم العربى للروايات الأجنبية وليس فى الأمر ما قد يعرفنا بالأدب العالمى إلا فيما نذر، فعادة ما يتم الاهتمام بالروايات الحائز أصحابها أو هى بالجوائز حتى تكون هناك عدة ترجمات مما يبين غياب التخطيط عند المترجم العربى المتتبع، فهو عادة ما يجرى وراء هذه الأعمال ما يجعله يظل تحت رحمة العشوائية فى الاختيار وأيضا تحت توجيه لا مباشر من المؤسسات الأجنبية المتبنية لهذه الأعمال.
الباحث عن هذه الأعمال، قد يكون متخصصا أو مجرد قارئ عادى وربما كاتبا أو باحثا تجذبه الأسماء، سواء المترجمة عنها أم المترجمة، بينما الأعمال العربية نادرا ما تجد الباحثين عنها بهذا التنوع ما لم تسلط عليها الأضواء، إما بفوزها بجائزة أو دخولها فى لائحة، وهذا ليس نقصا فى هذه الأعمال وإنما اقتناعنا بأن الغرب كان وما زال يمدنا بالمدارس النقدية الحديثة ويقربنا من هذه المجتمعات، مع العلم أن الترجمة قد تقزم الاستفادة المتوقعة فالترجمات بتعددها وتنوعها لا تبحث وراء التجارب الإبداعية عامة ولكن تظل تحت توجيه بعض المؤسسات التى تجيد تقديم الأسماء التى تمثلها عكس الإبداع العربى الذى يظل يخضع لاجتهادات من المؤلف ومن الناشر فقط.
ويؤكد الكاتب والمترجم العراقي، گـاصد محمد الحاصل على دكتوراه فى الأدب المقارن. ويعمل أستاذا للغة العربية لغير الناطقين فى جامعتى بولونيا وماچيراتا، أن ما يميّز الرواية الأجنبية، بالذات الأوربية، هو السبق فى هذا الجنس الأدبى أولًا، ثم العوامل التى سبقت نشأته ورافقت تطوره وتبلوره، فنشأة الرواية الحديثة فى أوروبا إنما جاء بعد عصور نهضة وتنوير، ورافق تطورها وعى أدبى وثقافى وانفتاح اجتماعي، وكان للسبق دوره فى صقل الموهبة الروائية، وإتاحة الفرصة الزمنية اللازمة للتجارب، مما أنضج هذا الجنس وأسهم فى رقيّه ويجب علينا الأخذ بعين الاعتبار عملية النقد الأدبى وإسهامها فى رقى الرواية.
ويشير گـاصد أنه إذا نظرنا إلى العصور التى سبقت نشأة الرواية فى العالم العربى ورافقت تطوّرها، فسنجدها عصور أزمات وانقسامات ومشاكل سياسية واقتصادية، ولا تنقصها أيضًا أزمة الهوية. وقد أدّت هذه الظروف مجتمعة إلى انحدار المستوى الأدبى والثقافى بشكل عام، ما جعل الرواية العربية لا تزاحم الرواية العالمية.
أما الروائية والقاصة المصرية الدكتورة غادة العبسى فترى أننا فى حاجة إلى أدب أصيل، سواء أكان هذا الأدب عربيًّا أم عالميًّا، فى نفس الوقت، إن رواية عربية واحدة فارقة مكتوبة بلغة بليغة، تقدم فكراً وخيالا مختلفيْن أفضل من كل الروايات المترجمة بركاكة وبلا وعى حقيقي، فى الجلسة الأولى من جلسات ورشة الترجمة الأسبوعية التى كانت ركيزة أساسية من ركائز برنامج الكتابة العالمى بآيوا على مدار ثلاثة أشهر، قلت لهم: الترجمة عمل إبداعى يتطلب الكثير من المهارة الفائقة وجدانياً ونوعا من التآلف الروحى بين الكاتب والمترجم، والتلاقى الأدبى من خلال عمل يترجم بحب وإيمان، ومن خلال هذه الورشة تم ترجمة فصل من روايتى الأولى الفيشاوي، وقد حضرت تلك الورشة تحديداً الشاعرة الأمريكية روزانا وارن التى أبدت إعجابها بالفصل المترجم، وكانت مناقشة ثرية للغاية مع طلبة قسم الترجمة وبعض المحررين الأدبيين بجامعة آيوا بالولايات المتحدة الأمريكية، حول التحديات التى تواجه المترجم عن اللغة العربية إلى الإنجليزية أهمها الأسلوب الشعرى المقترن ببعض النصوص العربية وفقدان الجرس الموسيقى أثناء الترجمة، تلك النصوص التى غالباً ما تحمل معانيَ إضافية ووثيقة الصلة بالمتن ولكنها تحتاج إلى عين ثالثة لتكشف عنها ثم تترجمها بلغة أخرى من المفترض ألا تقل إبداعا عن النص الأصلي.
من جانبه يؤكد الروائى والناشر الأردنى إلياس فركوح: إذا ما دققنا فى واقع "القراءة الواعية" وطبيعة الكتب الأكثر تأثيراً، وسع الخريطة العربية، وعملنا على إحصائها؛ فلسوف نجد أنّها الكتب المترجمة، وفى جميع المجالات! هذه واحدة من الحقائق التى تستوجب دراسةً موضوعية محايدة، ربما أدّت بمن يُجريها إلى ما خلصتُ إليه – اجتهاداً منى – ومفاده: لقد تراجعت ثقة القارئ العربي، والمثقف الجاد على وجه الخصوص، بالكتاب العربى الناتج عن تأليف عربيّ خالص! وهذا بدوره يؤشِّر، بما يفسح مجال الخوض فى مسألة الوعى الاجتماعى والمستوى العام لمخرجات التعليم، التأسيسى والأكاديمى الجامعي، وطرح سؤال “القيمة”! وإنها القيمة نفسها، الشاملة جميع حقول المعرفة، التى باتت موضع تشكيك وريبة!
ويضيف فركوح أنه بناءً على هذه “الواقعة”، واستناداً إلى تجربتى ككاتب، وقارئ، وناشر، أجدُ أنّ الإقبال على الروايات المترجمة ومتابعة كُتّابها المشهورين عالمياً، يندرج فى هذا الفضاء. فضاء الانفتاح على الآخر انفتاح التزود بما لا نملك (أو هذا ما نظنه ونميل إلى المصادقة عليه).
أما الناقد والأكاديمى المصرى الدكتور محمد صلاح زيد فيقول: لقد شهدت الرواية العالمية تحولات عديدة فى الآونة الأخيرة، فمن الرواية الجديدة، التى تتميز بتدمير الافتراضات السردية التقليدية، إلى آخر تجارب ما بعد الحداثة، استطاعت الرواية العالمية أن تقوم بمساهمة فاعلة من خلال تجديدات كتابها الأدبية الخاصة المتميزة حضاريًا.
وما يميز ما بعد الحداثة العالمية إضافة إلى ذلك، هى عملية الكتابة بوساطة (أو إعادة كتابة) الخطاب المميز للأدب العالمي، ومن ثم إعادة التعريف الفاعل لذلك الأدب وللثقافة العالمية، وتعد مرجعية استقاها كتاب هذه النصوص من الواقع العالمى الآني، ومن إفرازات المرحلة التى تستوجب خلق فضاءات خاصة بهذه الرواية فى محيطها العالمي.
ومن الملاحظ أن نصوص هذه الرواية تتكئ على فلسفة المعنى أولًا، ثم تنتهى عند فلسفة الفن، فهى نصوص روائية تشهد لكتابها بالقدرة على إبداع سردى متميز. وهذا انطلاقًا من متغيرات المرحلة، ومن انتماء إبداعهم الروائى إلى عوالم مغايرة تقوم فى جوهرها على المرعب والمهول فى الحياة اليومية للعالم بأسره، وهم من كل ذلك يؤسسون كتابة سردية تجمع بين الواقع المعيش والأسطورى العجيب والغريب، والمجاورة بين الأزمنة على نحو يفاجئ ويربك.
ويختتم زيد حديثه بأن كل هذه كانت أسبابًا كافية تجعل من الرواية العالمية (الأجنبية المترجمة) أوسع انتشارًا، وتقلل من فرص انتشار عدد ليس بالقليل من النصوص الروائية العربية التقليدية، وإن كنا لا نعدم بعض الأصوات الروائية الجادة للعديد من الروائيين العرب، أصحاب التجارب الروائية الناجحة على المستوى العالمى.
ويرى الكاتب والأكاديمى العراقى د. حاتم الصكَر أن بين الشهرة والانتشار فارق لغوى ومفهومي، الانتشار يلى الشهرة، ولا يلازمها، وكثير من الأعمال الروائية اشتهرت دون أن تنتشر بالمعنى التداولي، ذلك يشبه شهرة كتب الفلسفة خاصة والكتب الفكرية، وكذا بعض الروايات العالمية التى طبعت أو ترجمت منذ زمن، ولم تعد بأيدى القراء، لكنها تظل مشهورة ومعروفة للجميع.
مبدئياً نوافق على أن الروايات العالمية أكثر شهرة من الروايات العربية – كما يقول الصكر - لكن هناك استثناءات، فلدينا أعمال نالت ما تستحق من القراءة والشهرة؛ كروايات الجيل الأول: نجيب محفوظ والطيب صالح وغسان كنفانى وغادة السمان وفؤاد التكرلى وغائب طعمه فرمان وإسماعيل فهد والطاهر وطار وعبد الرحمن منيف ويوسف إدريس وزكريا تامر- الأخيران فى القصة أيضاً – وسواهم، لكن الرواية العالمية تظل ذات جاذبية للقارئ، لعل السينما ذات أثر، فهى تقرب تلك الأعمال للجمهور، بالإضافة إلى عوامل الشهرة الأخرى كالجوائز.
 ويضيف الصكر: لقد انتقل لنا روائيو نوبل عبر الترجمة فور فوزهم، ولا يخفى تجدد أساليب الرواية العالمية وتنوع موضوعاتها، وهى الأسبق نوعيا وتاريخيا من روايتنا العربية، لكننى أرى اليوم سيلاً من الروايات التى تحفز على كتابتها الجوائز والمنافسات والنهم لقراءتها على حساب الشعر لأسباب موضوعية تتصل بالمجتمع والسياسة والوضع العام فى البلاد العربية، وهذا يدعو للتفاؤل بأن تأخذ الروايات العربية المتميزة مكانها فى الشهرة والانتشار.
فيما يعتقد المترجم والشاعر الكردى السورى نوزاد جعدان أن الرواية العربية، ما زالت فى حالة تخبط وضياع على مستوى تطبيق التقنيات الحديثة إلى جانب غياب ملامح التفرد والخصوصية التى تتشرب معظمها من منبع واحد أو اثنين ناجحين، وهذه كارثة نعيشها ليس على مستوى الرواية فقط بل على مختلف الأجناس، علاوة على أن الرواية العربية بعيدة جدا عن التكنولوجيا وتتطور ببطء شديد، كذلك غياب الفلسفة العربية الحديثة أثر أيضا على بنية الجسد الروائى التى بقيت ترجح الكفة للمحسنات البديعية واللغة على حساب المضمون، إضافة إلى محدودية الخيال الروائى وتجاهل الأحداث العظمى والنقل الشفهى البحت أو توظيف الشعر فى الكتابة السردية لكن مع الإخلال بروح السرد ودون الوصول إلى صيغة توافقية إبداعية؛ الأمر الذى أبعد الرواية عن دلالتها بوصفها فنا نثريا له أدواته وتقنياته الخاصة يتجاوز الشفوية. 
من جانبها ترى المترجمة والروائية العراقية المقيمة فى البرازيل نضال القاضى، أن القضية ذات شقين إبداعى واقتصادى، ويقف الاقتصادى بقوة وراء ترجمة الإبداع العالمي، فمن خلال روايات حائزة على نوبل أو بوكر التى تمتلك الجانب الدعائى المجانى أى أنها لن تكلف دور النشر أو المؤسسات الرسمية التى تتبنى الترجمة تكاليف الدعاية لمنتوجها عند طرحه فى الأسواق، فضلا عن الإقبال عليه من قبل القراء بشكل عام والدارسين المتخصصين من الطلبة والباحثين بشكل خاص، وحيث إن الترجمات عادة تتناول أسماء كبيرة راسخة إبداعيا فى ذهن القارئ العربى ولها تاريخ إبداعى نجد تهافتا على جديدها من قبل القراء، بينما يبدو النتاج الإبداعى العربى مظلوما إزاء نظيره العالمى لكثير من الأسباب، أهمها أن صناعة تاريخ إبداعى للاسم يحتاج وقتا طويلا، وإلى ما لا يقلّ عن عملين أو ثلاثة تترك أصداءها لدى الجمهور وتحفر اسمه فى ذاكرته فيكون هناك طلب وإقبال على إصداراته لاحقا. 
ثانيا: مسألة الترويج للاسم وللعمل، وتقع هذه على عاتق النقد الذى يفترض أن يكون متابعا، فيتناول كل جديد بدراسات فى المجلات والصحف، لكن للأسف كثير من النقاد لا يعدون النقد وظيفة، وأنهم مسئولون عن قراءة وتقديم المنجز أعجبهم أم لم يعجبهم، بل يتعاطون الذائقة فيه، ولا يخلو الأمر عند البعض من مزاجية أو عبر العلاقات الشخصية، وأخيرا دور الإعلام وهو بمنتهى الضرورة والخطورة فى آن، وأغلبه مقصر بحق الأديب العربى بينما لو تصفحنا الصحف العالمية نجد عندهم الإعلان عن كتاب وكاتبه عملية صناعة نجم فى الحقيقة!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg