رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



احتجاجات العراق.. حقوق لا يمكن إنكارها

18-7-2018 | 17:21
د. حسن أبوطالب

قبل عام وفى هذه المجلة، وتحديدا فى منتصف يوليو 2017، نشرت مقالا بعنوان” بعد تحرير الموصل.. ننتظر عراق الحرية والمساواة”. وفى المقال تم تحديد المشكلة التى سوف يتعين على العراق حكومة وبرلمانا وشعبا مواجهتها بعد الانتهاء من هزيمة “داعش” فى ثلاث قضايا كبرى رئيسية، وهى التخلص من إرث رئيس الوزراء العراقى السابق نورى المالكى، لا سيما تعميق الطائفية فى بنية المجتمع العراقى ومؤسسات الدولة، ومواجهة الفساد المستشرى فى المجتمع، وثالثا الإسراع بالتنمية الشاملة، لا سيما فى المناطق المهمشة التى لم تنل حظا من جهود التنمية. وبرغم أن رئيس الوزراء العراقى الحالى حيدر العبادى تحدث كثيرا عن مواجهة هذه الإشكاليات الثلاث، واتخذ بعض الخطوات البسيطة، فإن الواقع العراقى يشهد بأن مراكز القوى الحزبية والنفوذ السياسية، التى استفادت من الطائفية وتغلغل الفساد فى مفاصل الدولة، كانت هى الأقوى فى منع أى تطور حقيقى وذى مغزى لتخفيف الهموم والمتاعب عن أهل العراق، بغض النظر عن هويتهم الدينية والمذهبية، لذلك كانت دائما المطالب بتحسين الخدمات الأساسية كالكهرباء ومياه الشرب النظيفة وتوفير الوظائف وتحسين البيئة موجودة دائما فى أى حوار عام بين العراقيين وبعضهم بعضا، وفى المقابل كانت وعود الحكومة وكذلك أعضاء كبار فى البرلمان مجرد كلمات تُطلق فى الهواء، وكانت التبريرات المتكررة أن البلاد فى حرب، وأن الأولوية هى للقضاء على “داعش” والجماعات الإرهابية. 
 
هيمنة القوى النافذة
 
بيد أن هذه التبريرات التى قبلها العراقيون على مضض لم تعد ذات تأثير، فقد مر عام كامل بعد تحرير الموصل، والمفترض أن ما كان يُوجه إلى القتال والحرب، يُعاد توجيه الجزء الأكبر منه إلى عملية تنمية وإعادة بناء حقيقية يشعر بها المواطن شمالا وجنوبا، شرقا وغربا. هذا لم يحدث، بل انتظر العراقيون ليقولوا كلمتهم عبر صناديق الانتخابات، غير أن تلك الكلمة الشعبية التى أعادت رسم خريطة القوى السياسية وأعطت الفرصة للتيار الصدرى والمتحالفين معه تحت شعار “سائرون” بأن يكونوا فى المقدمة، وهم الأكثر تأكيدا على مواجهة الفساد والمطالبة بتحديث البنية الأساسية وتوفير الخدمات الرئيسية للمواطنين، لم تفعل فعلها بعد، فالصدريون وحلفاؤهم سعوا إلى بناء جبهة عريضة من أجل تشكيل الحكومة الجديدة. ومرة ثانية خرجت القوى النافذة لتعطل الإجراء الدستورى وتم التشكيك فى الانتخابات ونتائجها، وثبت بالفعل حدوث تلاعب فى بعض الأجهزة الخاصة بإحصاء الأصوات والفرز الإلكترونى، وأصدرت المحكمة العليا قرارها بإعادة الفرز يدويا، ومرة ثالثة كان الراغبون فى تعطيل الاستحقاق الدستورى أكثر سرعة فى الرد، حيث تم حرق بعض مقار حفظ أوراق الانتخابات. ولم يكن من الصعوبة إدراك أن هؤلاء يريدون إرباك المشهد العراقى، ودفعه دفعا إلى حافة الهاوية.
 
المطالبة بالحقوق المهدرة
 
فى ظل هذه البيئة السياسية المفعمة بالتناقضات والمشكلات اندلعت المظاهرات الصاخبة فى البصرة يوم الثامن من يوليو الجارى، وهى كبرى مدن الجنوب، تلاها عدد من مدن الجنوب العراقى، ثم انتقلت بعد عدة أيام إلى العاصمة بغداد. الشعارات والمطالب التى رفعها المتظاهرون تعبر عن حقوق مهدرة وعن تقاعس شديد لأجهزة الدولة. الحق فى الكهرباء والوظائف والمياه النظيفة والبيئة الصحية الآمنة والتعليم الجيد والأمان وقوة الأمن فى مواجهة عصابات التهريب هى مطالب مشروعة لا يمكن المجادلة فيها. وهنا تبرز مفارقة كبرى، فأهل الجنوب هم من الشيعة العراقيين، أو غالبيتهم الساحقة، والنافذون فى الحكم هم من الشيعة أيضا، وأحزابهم العتيدة كحزب الدعوة والفضيلة وحركة بدر إلى جانب ميليشيات الحشد الشعبى كالعصائب وغيرهم أيضا هم من الشيعة، ومع ذلك فقد صب المتظاهرون جام غضبهم على الأحزاب الشيعية التى تتسيد المشهد السياسى منذ غزو الولايات المتحدة للعراق، لأنها ببساطة وحسب قول بعض الشباب المتظاهرين، أحزاب لا تمثلهم بل تنهبهم وتسرق حقوقهم وترتع فى الفساد ولامفر من محاسبتهم على ما اقترفوه فى حق العراق وشعبه. الأكثر من ذلك فتلك الأحزاب وفقا لقناعات شباب البصرة ومدن الجنوب العراقى لا تعد عراقية الهوى والانتماء، بل هى فى الواقع أذرع إيرانية تمارس كل شىء لصالح إيران وليس العراق. لقد باتت أحزابا محروقة سياسيا وشعبيا. زمن المراوغة والالتفاف على إدراك الشعب وحصافته انتهى إلى غير رجعة.
 
دوافع للحماس والصخب
 
ما يلهب حماس شباب البصرة والنجف والسماوة وغيرها من مدن النوب العراقى، أن إقليمهم هو الأغنى فى العراق، وهو الذى يقبع فوق احتياطى نفطى هائل، وهو المصدر الأهم لصادرات العراق النفطية بما يتجاوز 90 % من إجمالى صادرات العراق، وهو المسئول عن توفير ما يقرب من 120 مليار دولار سنويا للخزانة العامة، ومع ذلك تفتقر مدن الإقليم إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة، ولا يجد شباب الإقليم وظائف تعينهم على مواجهة أعباء الحياة، ولا توجد أية مشروعات تنموية فى الإقليم ككل، لا جامعة ولا كبار ولا طرق ولا مياه ولا كهرباء، لذا يحق لأبناء الإقليم أن يغضبوا وأن يثوروا، وأن يتساءلوا بصخب مرير عن من نهب نصيبهم من عائد النفط؟ كان العراق قد أقر قانونا قبل عدة سنوات يقر بحق أهل الأقاليم النفطية بنسبة معينة من الدخل النفطى توزع على أبنائه. لكن تطبيق القانون لم يتعثر وحسب، بل تم وأده تماما، وكان العذر الذى هو أقبح من ذنب، عدم قدرة أجهزة الحكومة على احتساب نصيب كل شخص من هذا العائد. ولو تصورنا أن هذه النسبة قد تم توجيهها لمشروعات تنموية كبرى، غيرت من حالة الإقليم البائس إلى حياة كريمة ومقبولة، فهل كان يطالب أبناء الإقليم بحصة نقدية؟ 
 
القراءات الثلاث
 
الأسباب المعيشية التى تبدو صارخة وراء انطلاق هذه التظاهرات الاحتجاجية، لا تنفى أن هناك قراءات أخرى لتلك التظاهرات، أغلبها تقوم على الافتراض النظرى وليس الدليل المادى. إحدى هذه القراءات وهى حكومية وعبر عنها بوضوح حيدر العبادى رئيس الوزراء بأن هناك مندسين يريدون تخريب المؤسسات وإثارة الفوضى. فى الآن ذاته فرق العبادى بين المتظاهرين السلميين الذين يجب على قوات الأمن التعامل معهم بغير القوة، وهؤلاء المندسين الذين يباح اعتقالهم ومحاكمتهم. هذه القراءة تحاول الاعتراف بمشروعية نسبية للتظاهر السلمى باعتباره حقا دستوريا، ومن ثم الاحتفاظ بشعرة معاوية مع من يعتبرون متظاهرين سلميين، وفى الآن نفسه إتاحة الفرصة للقوى الأمنية بضوابط معينة السيطرة على حركة التظاهرات إن خرجت عن السلمية. هذه التفرقة ذاتها هى التى تفسر وعود العبادى بإطلاق حزمة من المشروعات التنموية فى مدن الجنوب العراقى خاصة البصرة باعتبارها حقا مشروعا، ولعلها تهدئ من خواطر البصراويين.
 
القراءة الثانية وهى ذات منحى سياسى بحت، وتتعلق أساسا بالنفوذ الإيرانى، وهى لها جانبان، الأول أن إيران غير الراضية عن تشكيل حكومة عراقية تعمل على محاصرة نفوذها المنتشر فى مفاصل الدولة العراقية، كانت وراء تلك التظاهرات كرسالة للقوى العراقية المنتصرة انتخابيا بما فى ذلك تيار الصدر وتحالف العبادى بأن مسألة الحد من نفوذها أمر غير مقبول، وأن أى حكومة تسعى إلى هذا الهدف سوف تواجه المصاعب واحدا تلو الأخر. أما الجانب الآخر فيرى أن إيران التى تتجه بقوة نحو عزلة دولية اقتصاديا بفعل العقوبات الأمريكية، تحاول من خلال عملاء لها التأثير على إمدادات النفط العراقية وبما يفاقم الأزمة العالمية نفطيا. بعبارة أخرى أن رسالة إيران هناك موجهة للخارج الأمريكى أساسا وليس للقوى العراقية ذاتها.
 
لكل من الجانبين نقطة ضعف كبرى، فالمتظاهرون يرفضون سطوة وفساد وهيمنة الأحزاب الشيعية الموالية لإيران أكثر من ولائها للعراق، وهى التى حرقت مقراتها فى عدد من مدن الجنوب العراقى. ولما كانت السياسة تبرر الشىء ونقيضه، فمن الممكن – نظريا أيضا- أن يكون حرق بعض هذه المقار الحزبية الموالية لإيران كالدعوة والفضيلة وبدر متعمدا ومن قبيل ذر الرماد فى العيون، ولإبعاد شبهة التورط الإيرانى.
القراءة الثالثة أن هناك قوى عراقية وبعضها من الشيعة باتت خليجية الهوى مؤخرا، هى التى أشعلت المظاهرات من خلال عملاء أو مناصرين لها شكلوا فى الأشهر الأخيرة علاقات جيدة مع تلك القوى الخليجية. ويصر موالون لإيران على أن اتباع التيار الصدرى والذين لم يحرق أحد أية مقار للتيار، هم الذين حشدوا لتلك المظاهرات لتبرير إبعاد الأحزاب الموالية لإيران عن تشكيل الحكومة الجديدة. ونقطة ضعف هذه القراءة تكمن فى أن المطالب الشعبية بالحقوق المهدرة أكبر بكثير من نفوذ أى حزب أو أى تيار. ثم إن التيار الصدرى والمؤهل انتخابيا لقيادة الحكومة الجديدة لا يضيف إليه تخريب المرافق العراقية لا سيما النفطية، بل يخصم من رصيده الشعبى.
هذه القراءات وغيرها، وإن أصابت إحداها جزءا من الحقيقة أو كلها، فهى لا تنفى أن العراق ككل بحاجة ماسة لكى ينفض عن نفسه الطائفية البغيضة والمذهبية اللعينة، وأن يواجه الفساد والمفسدين بكل قوة، وأن يتحرر من نفوذ الجيران الأقوياء. العراق بلد غنى بموارده وأبنائه، ويستحق دائما حياة كريمة ووضعا أفضل مما هو عليه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg