رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



"مصر المفقودة" فى كتاب "المولودة"

18-7-2018 | 17:19
سيد محمود

فى ظنى أن كتاب "المولودة" لنادية كامل، الصادر عن دار الكرمة هو أمتع كتاب قرأته منذ عدة سنوات، وهو كتاب العام بامتياز وذلك لعدة أسباب، فى مقدمتها جمال النص الذى يصل لدرجة الفتنة، لأن صاحبته دخلت فى مغامرة خلق وابتكار نبرة للسرد تعتمد على العامية المصرية فى تحولاتها المختلفة، التى تغطى ما يقرب من قرن كامل عاشته "المولودة " مارى روزنتال التى استمعت ابنتها نادية كامل لحكايتها وقررت أن تدونها على النحو الذى وصل إلينا.
ونادية كامل لمن لا يعرفها هى مخرجة مصرية، ولدت فى القاهرة عام 1961، درست الكيمياء والميكروبيولوجى قبل أن تتجه للسينما، وعملت كمساعدة إخراج لعطيات الأبنودى ويوسف شاهين ويسرى نصر الله، ألفت وصورت وأنتجت الفيلم الوثائقى «سلطة بلدى»، الذى أثار جدلا عند عرضه قبل عشر سنوات.
  • وقصة "المولودة" هى قصة "مصر المفقودة" التى انتصرت دائما للتنوع الثقافى والعرقى، فمارى التى نتابع سيرتها بجمال ولِدَت لأب مصرى يهودى وأم إيطالية مسيحية، تقابلا فى مصر فى عشرينيات القرن الماضي، فتزوجا وعاشا فيها. وُلِدَت وعاشت فى القاهرة، انضمت إلى الحركة الشيوعية والعمل السري، دخلت السجن، أحبَّت صحفيًّا ومناضلًا مصريًّا هو سعد كامل ثم تزوجا، وعملت كصحفية تناصر قضايا المرأة، وفى خلال ذلك دعمت زوجها - خصوصًا عندما تعرض لملاحقة السلطة وللعزلة - وأصبحت أمًّا فربت ابنتيها وحفيديها بعد ذلك، وبإمكان القارئ الذى شاهد فيلم "سلطة بلدى" لصاحبة الكتاب، أن يدرك طبيعة العالم الذى أسست له مارى روزنتال، وأثمر عن تجربة إنسانية فريدة.
ويذكر الكتاب فى تفاصيله بجمال مفتقد لم يعد له وجود، ومصدر هذا الجمال ليس هو "النوستالجيا" التى هبت رياحها على مصر منذ سنوات، لأنه لا يعود لماض مفعم بالحنين ولا يسعى لتأصيل صورة عن مصر فى كارت بوستال خالية من الهموم والغبار، لأن البلد الذى يحكى عنه كان مليئا بفقراء تعساء من بينهم البطلة التى تلتقط هذه التفاصيل بعين ناقدة واعية بما عاشته مصر قبل 1952، لكنها فى المقابل تشير إلى تفاصيل أخرى كانت تهيأ لهذا المجتمع فرصا للنجاة غير الذى انتهت إليه، ففى غمرة البحث عن عمل ثمة مساحات أخرى للعيش المشترك هى موضوع هذا الكتاب الذى كانت مهمته صناعة الأمل وتمجيد التفاصيل اليومية البسيطة، على نحو يجعلها وحدة جمالية فى معمار فنى متكامل يفتح أعين كتابنا غير المحترفين خصوصا على الإمكانات المتاحة فى الحياة اليومية، والتى من شأنها أن تقود لحيوات فنية ظلت مهملة ولكتابة جديدة، وعلى هذا الأساس يلفت الكتاب نظرنا إلى ما يسمى الآن فى الدراسات التاريخية، تقنية كتابة التاريخ من أسفل وهى عملية تؤسس لما يمكن اعتباره "التاريخ البديل" الذى يبدو شاغلا من شواغل دار الكرمة، وتجلى بوضوح فيما نشرته لمحمود عبد الشكور ومحمد سلماوى وإبراهيم عيسى من كتابات تجمع بين السيرة الشخصية والمكاشفة.
وإذا كان الكتاب يتعرض فى خلفيته العريضة لتاريخ اليسار المصرى فى تحولاته المختلفة، بالقياس لتجربة شخصية فى النضال، فإنه يشيد هذا التاريخ انطلاقا من ذاكرة شخصية وليس من موقع بطولى يستهدف المبالغة فى تقييم الأدوار أو الانتقام من أفراد آخرين، وهذا جانب آخر من جمال كتاب المولود الذى يحتفى بالضعف الإنسانى ويمنح خبرات صاحبته بتواضع فذ، حتى إنها تبدو كجندى يحكى عن معارك خاضها من منطلق الإيمان دون أن ينتظر أى شيء لكنه قانع بما فعل.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg