رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

المجلة



الروائى العراقى محسن الرملى: الشعر فن الكلام الأرقى إنسانياً

27-7-2018 | 03:40
حوار ـ السيد حسين

ما زلت أحمل فى داخلى رقيبى الذاتى والأخلاقى الذى يمنعنى من قول كل ما أفكر به
 
 المهجر أعطانى الكثير: الأمان والحرية والانفتاح على الثقافات الأخرى
 
يؤكد الروائى والمترجم العراقى المقيم فى إسبانيا محسن الرملي، أن المهجر أعطاه الكثير، من الأشياء أولها الأمان والحرية والانفتاح على الثقافات الأخرى ومعرفتها ومعايشتها بشكل مباشر، وبالمقابل حرمه من العيش وسط عائلته وأهله وأرضه الأولى وذكرياته، لذا كانت الأعوام الأولى فى المهجر صعبة ومريرة، فى حواره لـ «الأهرام العربى» لفت إلى أن المشهد الثقافى العراقى حاليا جيد، على الرغم من أن الظروف المحيطة بها غير جيدة، لأن المؤسسات الثقافية الآن تعانى ما تعانيه مجمل هيكلية الدولة من ضعف وخراب وفساد. 
> ما الهاجس الذى يحرك قلم محسن الرملي، لماذا تكتب، وماذا تنتظر؟
 هواجس عديدة، وعلى رأسها المتعلقة بوجودى ككائن عابر فى هذا العالم، ومن خلال القراءة والكتابة أحاول أن أفهم شيئاً عما يتعلق بمعنى ذلك، أو على الأقل إيهام ذاتى بوجود معنى معين. أكتب لأننى أشعر بأن لدى ما أريد قوله قبل أن أمضي.. وأسعى لمشاركة الآخرين، أقرأ ما يكتبون وأكتب لمن يقرأون، ومن خلال هذه التجربة المشتركة قد نسهم بشيء ما لصالح الإنسان.. وما أنتظره.. هو أن يصبح الإنسان أكثر  إنسانية، ذلك أنه لا يزال ينطوى على الكثير من التوحش والقسوة.
> ما ملاحظاتك على الحركة الثقافية والمشهد العراقى شعرًا وسردًا الآن؟
أراها جيدة، على الرغم من أن الظروف المحيطة بها غير جيدة، وأغلبها يقوم بجهود فردية من قبل المبدعين سواء أكانوا فى داخل العراق أم خارجه، لأن المؤسسات الثقافية الآن تعانى ما تعانيه مجمل هيكلية الدولة من ضعف وخراب وفساد، بينما يتحرك المبدعون العراقيون وينتجون بشكل مدهش فى كل مكان وفى مختلف الأجناس الإبداعية، لدينا أعمال روائية وسينمائية وتشكيلية شاركت فى محافل عالمية وحازت على جوائز.
> خرجت من العراق منذ سنوات طويلة، ما الأسباب التى أدت إلى تركك الوطن؟
غادرت البلد بعد إعدام أخى حسن مطلك والتضييق عليّ وعلى عائلتى وعلى مجمل البلد، حيث اشتدت ضراوة الديكتاتور وضراوة الحصار معاً. قمع لكل أنواع الحريات ومعاناة فى كل شيء. كانوا يستدعوننى شهريا للتحقيق الأمني، حتى وأنا مجرد جندى فى الجيش طوال الوقت، لذا فحال انتهائى من أداء الخدمة العسكرية، التى دامت ثلاث سنوات فى صنف الدروع، غادرت البلد باتجاه الأردن وبعد عامين انتقلت إلى إسبانيا.
> ما الذى أعطاه المهجر لمحسن الرملى وما الذى سرقه منه وما تأثيراته على شخصيته وكتاباته؟
أعطانى المهجر الكثير، وأولها الأمان والحرية والانفتاح على الثقافات الأخرى ومعرفتها ومعايشتها بشكل مباشر، وبالمقابل حرمنى من العيش وسط عائلتى وأهلى وأرضى الأولى وذكرياتي، لذا كانت الأعوام الأولى صعبة ومريرة إلى أن نشأت لى عائلة جديدة فخففت عنى شيئاً من هذا الحرمان.. لكن يصعب أو يستحيل تعويض ما فقدته، فقد مات العديد من أفراد عائلتى الأولى فى غيابي، وتغيرت ملامح كل شيء بسبب الحروب وبعدها الإرهاب.
> ماذا عن روايتك «حدائق الرئيس».. لماذا اخترت هذا العنوان؟
هذه الرواية، فيها عن معاناة أبناء بلدى أكثر مما فيها عني، لذا فهى الوحيدة من بين رواياتى التى لم أسردها بضمير المتكلم.. وعنوانها، بمثابة إشارة مريرة إلى ما كان يزرعه الديكتاتور فى أرض العراق، مقابر جماعية، قبور تلو القبور للآلاف من ضحاياه.. حتى فى حدائق قصره نفسها.
> رواية «حدائق الرئيس» ترصد سنوات الحرب فى العراق وصولاً إلى الغزو الأمريكي... فهل هى تروى الواقع العراقى بعين المثقف؟
حاولت أن أجعلها ترصد من خلال عين أى عراقى عايش تلك العقود، مهما كان مستواه الثقافى أو وظيفته، لذا فإن تلقيها كان أوسع من مختلف الفئات، بما فى ذلك من قبل أجيال الشباب الحاليين الذين ولدوا بعد الحرب العراقية ـ  الإيرانية وبعد كارثة غزو الكويت، ويقولون لى بإنهم يدركون الآن أفضل ما كان يحدثهم به آباؤهم ويدركون خلفيات الحال الذى وجدوا أنفسهم فيه، ففى هذه الرواية جوانب تؤرخ للماضى القريب، للأمس الذى أوصلنا إلى اليوم، لهذا يقترح البعض حتى تضمينها فى بعض المراحل التعليمية الدراسية.
> لماذا جعلت إعدام شقيقك عام 1990 هو المحرك الرئيسى للشخصيات الرئيسية فى روايتك (ذئبة الحب والكُتب)؟
بالفعل، فى هذه الرواية، عدت لما هو شخصى أكثر من أى عمل سابق، خصوصا أنها جاءت بعد (حدائق الرئيس) التى ابتعدتُ فيها عن الشخصى الذاتى تماماً. كنت أريد أن أكتب رواية خاصة بالحب وحده وبهواجسه، فى دواخل الإنسان بشكل عام والإنسان العراقى بشكل خاص، بعد أن كانت كل أعمالى عن أجواء الحروب، ولأن أقوى حب فى حياتى هو حبى لأخى حسن مطلك وحبى للكتب.. جاء العمل على هذا النحو.. ومع ذلك لم أستطع تجنب حضور وأثر تقلبات الظروف العراقية العامة.. يحدث هذا معى دائماً، لأننى أعتمد على الصدق فى الكتابة.
> رواياتك تستحضر الخراب العراقي، هل يمكن القول إنها روايات ذاكرة تاريخ العراق؟
نعم، هى كذلك إلى حد كبير، فمن خلال ما أدونه أنا والكثير من أصدقائى المبدعين العراقيين، ثمة محاولة للحفاظ أو على الأقل ترميم ذاكرة بلدنا التى تعصف بها هذه الأحداث الكبيرة السريعة والتخريبية الكارثية فى أغلبها، إضافة إلى أن ذلك جزء من مهمة الأدب عموماً كونه يرصد ماهية وضع الإنسان فى ظل ظرف استثنائي.
> أكثر المبدعين حينما يعانون من الاغتراب داخل أوطانهم وتسنح لهم الفرصة أن يغادروا الوطن، تكون البيئة الأخرى حاضنة لموهبتهم ومكانا خصبا لغزارة إنتاجهم، هل هذا ينطبق عليك؟
شخصياً لا أعتبر نفسى غزير الإنتاج، ولا تشغلنى مسألة الكم كثيراً، فها أنا أتجاوز الخمسين من عمرى وليس لدى سوى أربع روايات، كما أن الأمر ليس كما يتصوره البعض، فصحيح أن المكان الجديد يوفر لك الأمان والحرية، ولكنه لا يحتضنك لتتفرغ لمشروعك الكتابي، بل على العكس، عليك أن تضحى بالمزيد من الوقت كى تتعلم لغة بلدك الجديد وتفاصيل ثقافته ونظامه وكيفية كسب عيشك فيه والتكيف معه.. بل تأسيس حياة جديدة بالكامل، وكل هذا على حساب وقتك.. وأهم ما يحتاج إليه المبدع هو الوقت.
> شخصياتك الروائية، هل تتمتع بحالة من الانعتاق من سلطة الكاتب اللغوية والفكرية؟
ليس تماماً، فالشخصيات الروائية هى من صُنع الروائى أولاً وأخيراً، ولكنها بعد أن تتخذ لها ملامح وكينونة خصوصا على يدى صانعها، تبدأ بفرض شروطها التى تجبر صانعها نفسه على الانقياد لها، فها أنا فى كتابة الجزء الثانى من (حدائق الرئيس) مثلاً، أجد نفسى مضطراً للتعامل مع شخصياتى باعتبارها موجودة فعلاً كما هي، وجل ما يمكننى فعله، هو أن أضعها فى مواقف وظروف أخرى وتدوين ردود فعلها.
> ألم يحدث أن تورطت فى تحميل إحدى الشخصيات قناعاتك الخاصة؟
نعم، لقد حدث هذا كثيراً وسيظل يحدث، ففى خلاصة الأمر، مجمل أعمالنا، وبكل ما تنطوى عليه من شخصيات مختلفة، هى أدواتنا للتعبير عما نريد قوله، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر، فأنا موجود فى أغلب شخصياتى بمن فيها الشخصيات النسائية، وكما قال فلوبير عن شخصية روايته: مدام بوفارى هى أنا.
> هل استطاع الأديب العراقى من خلال منجزه الإبداعى كشاعر وقاص وروائى أن يرتقى إلى حجم الدمار والفجيعة والمأساة التى يعانيها العراقيون؟
لا، فهذه مهمة مستحيلة، وكل ما أنجزه المبدعون العراقيون، وهو كثير ورائع، ما هو إلا محاولة لوصف جزء صغير من هذا المشهد المهول لما حدث ولا يزال يحدث.
> ما زال الأديب العراقى فى المنفى يعانى التهميش من المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام والصحف فى تسليط الضوء على تجارب أدباء المهجر، ما رأيك؟
لم تعد هذه المسألة مهمة كثيراً اليوم، بل إن المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام هناك هى التى تعانى من التهميش وسوء الحال والرثاثة والتحزبات والفساد، ولم يعد الأديب العراقى ينتظر منها الكثير، كما أن وسائل الإعلام غير الرسمية ووسائل التواصل الاجتماعى وغيرها، قد أصبحت متاحة له وللجميع لإيصال ما يريدون إيصاله.
> كيف ترى العراق اليوم وحال العراقيين؟
أراه اليوم، كما تعودت على رؤيته منذ ولدت فيه، جرحا نازفا، كلما أوشك على الشفاء هب عليه ما يزيد من نزفه، ولكن سيبقى العراق عريقاً وعظيماً كما كان دائماً بفضل أهله النادرين بصبرهم ووعيهم وحلمهم.. أما عما يقولونه لى وأقوله لهم، فهم يقولون لى بأنهم يحبوننى ويفتخرون بى وبكونى منهم، وأنا أقول لهم بأننى أحبكم وأفتخر بكم وبكونى منكم.
> أمام هذا الكم المتلاحق من الهزائم العربية هل يمكن أن تنتج الرواية بطلا يحمل انتصارا قادما أو يبشر على أقل تقدير بمستقبل أفضل؟
لا أظن، لأن الأدب عموماً هو واصف وناقد دائم للأحوال، ويشير إلى مواضع الألم والخلل أكثر من غيرها، فحتى لو كانت الحال كلها انتصارات، سيعمد الأدب على فضح ثمن تلك الانتصارات الذى يدفعه الإنسان. إنه يشخص ويطرح أسئلة أكثر مما يعالج ويقدم إجابات، تاركاً تلك المهمة لغيره، بعد أن يعينهم على التشخيص والوعى بالذات والعالم.
> بالرغم من كتابتك للشعر منذ سنوات، إلا أنك مقل فى نشر الشعر كيف تفسر ذلك؟
هذا صحيح، علماً بأننى لا أنقطع يوماً عن قراءة الشعر سواء لى أو لغيري، ومساهماتى فى المهرجانات والملتقيات الشعرية هى أكثر منها بكثير من مشاركاتى فى مؤتمرات السرد.. أما عن عدم نشرى لدواوينى فمن أسبابه أن الناشرين يطالبونك بالروايات والدراسات والترجمات ولا يطالبونك بالشعر، ولو عرضته عليهم سيتهربون، وهذا أتفهمه بحكم متطلبات سوق الكتاب، عدا ذلك، فلم يعد من الأمور الضرورية أو المستعجلة أن يتم إصدار الشعر فى كتب، لأن القصيدة صارت تصل إلى مساحة أوسع من القراء عبر شبكات التواصل الاجتماعى والمواقع الإلكترونية والمهرجانات والقراءات فى المكتبات والمقاهى وغيرها، أكثر من وصولها إليهم فى دواوين.. بينما لا يمكنك أن تنشر روايتك فى صفحتك على الفيسبوك أو تقرأها على جمهور فى مهرجان أو أمسية فى مقهى.
> أنت تكتب باللغة العربية والإسبانية أيضا.. ما علاقتك باللغة؟
نعم، ولكننى أكتب بالعربية أكثر من الإسبانية لأن العربية هى لغتى الأم واللغة الأحب إلى قلبي، والأمر يشتتنى أنا أكثر مما يشتت القارئ، فأشعر بالحرج عندما أنشر شيئاً بلغة ويطالبنى قراء اللغة الأخرى بترجمته، وهذا حقهم، لكنه سيتطلب منى وقتاً وجهداً للقيام به، مما جعلنى أميل أخيرا لترك مسألة ترجمة بعض أعمالى لغيري.. أما عن علاقتى باللغة، فهى بالفعل قد تغيرت مع الوقت حتى صرت أراها وأتعامل معها على أنها مجرد أداة وليست هدفاً.
> أين دور المثقفين فى مواجهة الفكر المتطرف والإرهاب؟
إنه فى كل الكلمات التى يكتبونها ويقولونها كل يوم، وفى نتاجاتهم المتواصلة فى فنون المسرح والسينما والرسم والموسيقى والرقص والشعر والترجمات وغيرها.. هذه هى أسلحتهم التى لم ولن يكفوا عن استخدامها فى مواجهته أبداً.
> أين أنت من الشعر حاليا؟
أنا فى الشعر دائماً، لم أغادره ولم يغادرني، ولا يمر أى يوم دون أن أقرأ فيه شعراً، وأشارك شهرياً تقريباً فى أكثر من نشاط شعري، أما على صعيد كتاباته فلدى الكثير من القصائد بالعربية والإسبانية، وبعضها نشر فى أنطولوجيات أو قرأته فى مهرجانات وملتقيات، وبعضها لا يزال على شكل مسودات، أنتظر فرصة الوقت، على مهل، كى أراجعها وأنشرها.
> هل هنالك روايات عربية استطاعت الانفلات من التقاليد الأوروبية فى الكتابة؟
لا توجد رواية عربية ولا غير عربية ليست متأثرة بالرواية الغربية، وإلا لما سميت رواية، فهذا الجنس الكتابى بصيغته المتعارف عليها عالمياً الآن هو تسمية وتصنيف تبلور فى الغرب وتطور وتحول إلى صناعة قائمة بذاتها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg