رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

مقالات



السلام المجتمعى

26-7-2018 | 19:39
أندريه زكي

أحدثت أزمة السلام المجتمعى فى الشرق الأوسط عددًا من الإشكاليات الكبرى والشاملة فى الفكر المعاصر. فلم يعد الانقسام من حولها انقسامًا جزئيًّا وفرعيًّا، بل أصبح انقسامًا يهدد هوية وبقاء وحضارة الأمة نفسها. وتؤكد المعطيات المتوافرة أن جزءًا من تحديات الأمن الفكرى يُعد ناتجًا عن التراكم والتعاقب لبعض المشكلات المجتمعية جراء التصدع الثقافى الذى اتخذ سمة الازدواج بين ثقافة العصر وثقافة الأصل والازدواج، أيضًا بين الحداثة والأصالة، وبين الماضى والحاضر، وبين القومى والعالمي. فضلًا عن عجز التحكُّم فى الواقع المعاصر ومقتضياته عبر التواصل البنَّاء بالتمييز بين ما يمكن البناء عليه وبين ما يرتبط بشروط تاريخية. ومن أهم مظاهر أزمة السلام المجتمعى فى الشرق الأوسط وانعكاساتها على الأمن الفكرى العربي، ومواجهتها لتحسين آفاق مستقبل الأمن الفكري، تتلخص فيما يلي: 

التأكيد على المفاهيم الفكرية والأخلاقية القومية لدى النشء والعامة. وأيضًا بناء علاقة صحية مع الآخر خالية من عُقد النقص والإهانة من خلال إطلاق عملية حوار مستمرة على جميع مستوياته وعناصره من منظمات وجمعيات وحكومات وهيئات دولية وغيرها. مع استيعاب المتغيرات والتحولات الدولية المقبلة لإعادة صياغة مضمون الخطاب الاجتماعى والسياسى بما ينسجم وضرورات الوحدة الوطنية والتلاحم الاجتماعى وترسيخ منظومة القيم والحس الأخلاقى الفاضل لدى العامة. 
 
كما نؤكد على أهمية تطوير الخطاب الفكرى لتحديد خارطة لطريق التقدم الإنسانى على نحو يضمن لنا مكانًا لائقًا فى المجتمع الدولى مع توسيع القاعدة الاجتماعية للخطاب الاجتماعى والسياسى، حتى يعكس واقع المصلحة الاجتماعية. ونحتاج أيضًا إلى بناء إستراتيجية وطنية تعزز حقوق المواطنة، وترعى القواسم المشتركة التى تدفع باتجاه تعزيز الوحدة الوطنية، وإنهاء أسباب بعض التوترات الاجتماعية (القبلية والفئوية والمذهبية) حتى تتحول معها التمايزات الثقافية والاجتماعية لعوامل بناء وإثراء للتجربة الوطنية بأسرها.
 
ولا ننسى أهمية دعم برامج التنمية عبر صياغة إستراتيجيات ثقافية هادفة لإبراز المفاهيم والقيم المضيئة والمتقدمة فى ثقافتنا التراثية، والعمل على ترسيخها فى مجتمعاتنا العربية. بالإضافة إلى ضرورة إحداث التنسيق والتكامل المتميز فى الأداء والبرامج والأنشطة بين الوزارات والهيئات الحكومية والأهلية لدعم أدائها بالخبرات وإمكانات التعاون والتبادل المعرفى والثقافى.
كما يجب تبنِّى إستراتيجيات ثقافية مستقبلة مدروسة ذات رؤى محددة تستهدف بناء واقع جديد مستقل فى ضمائر وعقول الشعوب العربية لمواجهة آليات العولمة وتداعياتها الثقافية من خلال الاستثمار الجدى لوسائل الإعلام المختلفة. 
 
وهذا السلام المجتمعى لا يحدث بدون التزام بسيادة القانون واحترام معايير العدالة وتجريم ومكافحة الواسطة مع تعزيز مبدأ الشفافية والمحاسبة وحرية الرقابة الاجتماعية. وأيضًا زيادة الاستثمار لتنمية صحة الشباب من خلال تبنِّى السياسات والبرامج التى تلبِّى احتياجات الأهداف الإنمائية للألفية من خلال تقوية العوامل الوقائية التى تظهر فى جوانب مثل: نبذ العنف بتطبيق الإجراءات الخاصة بممارسة العنف ضد المراهقين والفتيات والنساء وكذلك الإيذاء الجنسى والبدنى للأطفال مع تأمين حماية أفضل للضحايا. أيضًا زيادة موارد وتقوية دور وزارات الشباب (والوزارات ذات الصلة) لتعزيز التنسيق الفاعل الخاص بإشراك الشباب فى تقييم الاحتياجات ووضع السياسات والبرامج الداعمة لها. بالإضافة إلى بناء وتعزيز ثقة الشباب بالذات لتمكينه من الاندماج الفعَّال فى المجتمع عبر إكسابه الكفايات المعرفية والأدائية المناسبة لأسواق العمل. مع الاهتمام الكافى بالفئات والمجموعات المهمَّشة المعرَّضة للخطر (أطفال الشوارع، المدمنين، السجناء واللاجئين).
وعليه، يجب ألا نستهين بالسلام المجتمعى باعتباره عمودًا فقريًّا داعمًا لمحاور تواصل فئات المجتمع المختلفة، بشكل أفقى بين أفراد الشعب، وعلى مستوى رأسى والذى يتمثل فى التعامل مع السلطة بشتى فئاتها. وإن تجاهلنا أهمية العمل على تعزيز السلام المجتمعى سيزيد هذا من احتمالات حدوث فوضى.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg