رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

مقالات



لا تعبث بذيل الأسد.. إنها أم الحروب!

24-7-2018 | 23:45
مهدى مصطفى

قبل أربعين عاما من الآن حط رجل معمم فى طهران قادما من منفاه الباريسى، ذلك الرجل كان يدعى آية الله روح الله الخومينى، عاد فى طائرة فرنسية مع مساعديه لاقتلاع الشاه محمد رضا بهلوى.

 كانت عملية هندسية شاركت فيها أمريكا،  وخطط لها كبار الساسة فى أوروبا لتجريب فكرة عبقرية قادمة من القرون الوسطى إلى قلب القرن العشرين، أو كأنها رصاصة انطلقت من القرن السابع الميلادى، أى من صدر الإسلام إلى قلب القرن العشرين، حسب تعبير الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل. 
 
الشاه كان رجل أمريكا الأول، لكن الرئيس جيمى كارتر رفض استقباله على الأراضى الأمريكية، وكان يلقب بشرطى الخليج، ولم يجد شرطيا يحميه فى أية بقعة من بقاع العالم سوى الذهاب إلى جزر الباهاما، قبل أن تستضيفه مصر، ويموت ويدفن فيها.
 
العودة فى طائرة باريسية تحت حماية غربية لم تمنع الرجل المعمم الطاعن فى السن من رفع شعار « الموت لأمريكا»، ولم تمنعه من الإيمان العتيق بتصدير الثورة الإيرانية إلى شعوب المنطقة، ولم تمنعه من الإيمان بأن تحرير القدس يمر ببغداد، فكانت الحرب بينه وبين العراق أعواما ثمانية، ولما توقفت قال: أوافق على قرار مجلس الأمن، وأنا أتجرع السم.
 
استمر الخومينى ورفاقه فى توزيع مفاتيح الجنة على الجنود فى جبهات القتال، واستمر سنويا يحتفل بيوم القدس، واستمر الإيرانيون يصفون أمريكا بالشيطان الأكبر، حتى بعد أن تفجرت فضيحة إيران جيت، ثم قصة أسلحة  يعقوب نمرودى، تاجر السلاح الشهير، تلك الأسلحة الحديثة التى تدفقت من إسرائيل إلى جبهة القتال مع العراق، واستمر الخطاب الإيرانى حتى بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وإشعال الشموع فى شوارع طهران على ضحايا تلك الأحداث، واستمر الكلام المقدس  بعد غزو العراق 2003، وقد قال الإيراني  الثعلب العجوز  هاشمي رفسنجانى المقتول غدرا من رفاق الثورة : لولا إيران ما استطاعت أمريكا غزو أفغانستان ولا العراق، واستمر رفاق الخومينى فى  تدعيم أحداث المنطقة فى 2011، وخاطب على خامنئى، خليفة الخومينى، متظاهري العواصم العربية بأنهم امتداد للثورة الإيرانية، ونجح  فى إبرام اتفاق نووي دولي  يسترد به أمواله المصادرة فى الغرب الأمريكي قبل أن يأتي الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب ليمزق الاتفاق، ويغير معادلة  أربعين عاما من التواطؤ بين طهران وواشنطن على شعوب المنطقة، ويقع الشريكان السريان فى مستنقع العداء.
 
كانت الأربعون عاما وكأنها أربعون قرنا، انهارت فيها دول عربية كبرى، وحواضر عربية كبرى، كانت قد استلهمت ثورة رجال الدين برعاية بريجينسكى وكارتر، وبدعم مباشر من بعض دول المنطقة، ودفعت الشعوب العربية الثمن ، وتعاظمت عليهم دويلات صغيرة عابرة.
 
تنتهى الآن الأعوام الأربعون، تنتهى بتلاسن بين حسن روحانى، رئيس إيران الحالى، وترامب رئيس أمريكا الحالى أيضا، فالأول قال أمام مجموعة من الدبلوماسيين الإيرانيين: إن السلام مع إيران هو السلام الحقيقى والحرب مع إيران هي أم كل الحروب،  مختلسا تعبير أم المعارك العائد إلى الرئيس العراقى السابق صدام حسين.
 
هجوم روحانى على ترامب كان نوعا من استلهام الخطاب الإيرانى التقليدى، وكأنه  أراد أن يضع الخمر الجديدة فى الأواني القديمة،  فخاطب ترامب بتحد محلى: «يا سيد ترامب لا تعبث بذيل الأسد فهذا لن يؤدي إلا للندم» لكن ترامب  المغرد رد على الفور بتغريدة  صاروخية:”لا تهدد الولايات المتحدة بعد اليوم، وإلا سترى عواقب لم ير مثلها سوى قلة على مدى التاريخ.. فلم نعد بلدا يتهاون مع تصريحاتكم المختلة بشأن العنف والموت .. احترسوا”.
 
وفى نوفمبر المقبل مع تنفيذ عقوبات ترامب سيجد «رجال قم»  أنفسهم فى موقف شديد الحرج، لكنهم كالعادة سيتفاوضون مع واشنطن على البقاء، وتأدية  دور وظيفي جديد، فوصولهم إلى السلطة قبل أربعين عاما أعاد المنطقة إلى الطائفية، وإشعال الحروب المذهبية، وانظروا إلى الشام ذى الحضارة العميقة، واليمن السعيد، والعراق السومرى، ستكتشفون كم عاد بنا الزمن إلى فجر الحروب القبلية العقيمة.
 
علينا الآن أن نفكر فيما بعد غياب  أشباح جيمى كارتر الطائفية، حتى لا ينتجوا لنا فيلما سينمائيا جديدا، أكثر رعبا من رعب الأعوام الأربعين الخومينية الماضية، فترامب ليس كمثله رئيس أمريكى آخر، فاحترسوا وتدبروا!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg