رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 19 ديسمبر 2018

المجلة



سور الأزبـكيـة

2-8-2018 | 21:37
عزمى عبد الوهاب

«اقرأ» هكذا بدأ الأمر الإلهي، فى محكم التنزيل، مثلما كانت كلمة عيسى ابن الإنسان فى الإنجيل: «فى البدء كان الكلمة» لكننا فرطنا فى هذا وذاك، ولم نعد نقرأ، وكأن القراءة باتت موضوعا، ينتمى إلى حالة من حالات الرفاهية، وكأن أسوأ سؤال يمكن أن تواجهه هو: ما هوايتك؟ وتكون الإجابة: القراءة، القراءة ليست هواية، إنها ذروة لحظات بناء الإنسان، ولا داعى لتكرار ما قيل إن الأهم من بناء المصانع هو بناء الإنسان، لا داعى لتكرار أن وزير دفاع الدولة العبرية «موشى دايان» سئل ذات مرة: لماذا جاءت خطط حرب 67 هى بالضبط ما جرى فى حرب السويس فى 56؟ وكانت إجابته: إن العرب لا يقرأون.
واليوم يمر العرب بظروف قاسية، ولحظة تحولات،مخاضها عسير، فلا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، تعطلت المطابع عن الدوران فى غير بلد عربي، وأجهضت مشروعات دول تدعو للقراءة (مصر) ونهضت تجارب أخرى (الإمارات) كانت طوابير الشباب على إصدارات مكتبة الأسرة تدعو للفرح، الآن توقف المشروع، وتراجعت معدلات القراءة، فلا بأس من أن نتذكر ما جرى فى إسبانيا زمن الحرب الأهلية، وهزيمة الجمهوريين على يد قوات الديكتاتور فرانكو.
كانت تلك القوات تحاصر أحد المواقع، التى يتحصن بها الجمهوريون، وكان الرصاص ينهال من جميع الاتجاهات، إلى أن خيم الصمت والهدوء الحذران على المكان، وتقدمت قوات فرانكو من الموقع، وفوجئ الجنود بأن رجلا واحدا، هو الذى كان يطلق كل هذا الكم من الرصاص.
سأله قائد المجموعة المهاجمة: عم كنت تدافع يا رجل؟ أنت واحد ونحن كثر، ولا شك أنك كنت ستنهزم فى النهاية، قال الرجل: 
كنت أدافع عن هذين، وأخرج من جيبه كتابا ورغيف خبز، بالتأكيد نحن نحتاج الآن، أكثر من غيرنا، إلى ترديد إجابة هذا الرجل الإسباني، وها نحن نفعلها، ونأتى إليكم 
بـ “سور الأزبكية”!
 
«بدرو بارامو» رواية استثنائية تؤسس للواقعية السحرية
فى معرض غمز الكاتب الراحل إبراهيم أصلان، كان الحديث يدور عن أنه حقق شهرة عريضة، بنشره مجموعة قصصية ورواية واحدة، كان الحديث عن أسباب أخرى، بخلاف الموهبة، وراء حيازة أصلان تلك الشهرة، لكننا نكتشف أن هناك رديفا أجنبيا له هو «خوان رولفو»، الذى لم ينشر طيلة حياته سوى مجموعة قصصية ورواية واحدة، لم ينجز شيئا بعدهما، لأنه لم يفتعل، كان صادقا مع نفسه، فحافظ على صورته، وصورة إنجازه، وحظى بالتقدير والاعتراف العميق بقيمته وقيمة عمله، ولم يشكك أحد فى موهبته، فقد كانت المجموعة والرواية عابرة للأجيال واللغات والقارات، وقد صدرت ترجمة عربية جديدة لروايته «بدرو بارامو» فى سلسلة «آفاق عالمية».
تتصدر هذه الترجمة التى أنجزتها عن الإسبانية مباشرة «شيرين عصمت» مقدمة كتبها الكاتب الراحل محمد إبراهيم مبروك تحت عنوان «الكاتب الاستثناء والرواية الاستثنائية»، يوضح فيها أن هذا الكاتب المكسيكي، لم يقصد أن يقدم نفسه كما تعود كثيرون، سعيا لاهثا لإعادة إنتاج ما سبق، وبأكبر عدد ممكن من الأعمال الأدبية، فى سياق بلا معنى، مع جيل الكاتب، أو الأجيال السابقة عليه، ولا اللهاث وراء الأضواء، واستجداء الشهرة، بالإلحاح المستمر، فى الإعلان عن نفسه، والارتزاق – وليس كسب الرزق – متسولا باسمه الأدبي.
عندما سئل خوان رولفو عن ندرة إبداعه أجاب:”لست كاتبا محترفا، إننى مجرد هاو، أكتب عندما تواتينى الكتابة، وعندما لا تأتى لا أقدم عليها أبدا”، وعندما صدرت “بدرو بارامو” كانت بمثابة انفجار روائى مبهر، فقد انتبه إلى كتابتها كل كتاب جيله، وتوقفوا كثيرا عنده بإعجاب وتقدير، فذلك الإنجاز كان محفزا لكثيرين للسير فى هذا الطريق الذى شقه خوان رولفو، ومنحه لقب الأب لجيل كتاب الواقعية السحرية، وكما يذكر محمد إبراهيم مبروك فإن مجموعة رولفو وروايته اللتين لم تتجاوز صفحاتهما 300 صفحة، كتب عنهما 9 آلاف صفحة من النقد الأدبي، خلال خمسين عاما من صدورهما، كما أن “بدرو بارامو” وحدها صدرت فى 431 طبعة فى 52 لغة عالمية منذ صدورها حتى عام 2010 المجموعة صدرت عام 1953 والرواية عام 1955.
تتصدر الترجمة العربية للرواية شهادات كبار الكتاب عنها، ومن بينهم بورخيس الذى يقول:”إن بدرو بارامو واحدة من أفضل الروايات فى الأدب الإسبانى بل والأدب العالمى كله، وقالت سوزان سونتاج، إن الرواية لا تعتبر فقط من الروايات الرائدة فى القرن العشرين، بل تعتبر أيضا من الأعمال الأكثر تأثيرا فى القرن نفسه، أما كارلوس فوينتس، فأكد أن الرواية أفضل رواية مكسيكية على الإطلاق.
“بدرو بارامو”، كما يرى محمد إبراهيم مبروك:”صرخة وجود من جرح غائر لم يندمل طوال العمر، صرخة عابر لجحيم حياته، بلا جلد يحميه، فلا هو ينتهى إلى نقطة، يتوقف عندها، ولا الجحيم يخبو، فكان الصوت الوحيد، وسط الهمسات المتواصلة القاتلة لأموات، يسعى بينهم للعثور عليهم، باحثا عن جذوره، وعن سماوات لحلمه بالخلاص من كوابيسه، ولا خلاص على الأرض، ولا سماوات تتسع لما ضاقت به”. 
 
عام 1968 الذى غير العالم
أصدرت دار صفصافة للنشر والتوزيع كتاب “1968 الثوار الشباب موجة تمرد عالمية”، لمؤلفه نوربرت فراي، ترجمة د. علا عادل والكتاب يعرض بشيء من التفصيل لأحداث عام 1968 الساخن فى العالم، ويتابع انطلاق انتفاضات الشبان الغاضبين واحتجاجاتهم من الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرنسا وألمانيا وباقى أوروبا دون أن ينسى اليابان والكتلة الشرقية آنذاك، تلك الاحتجاجات التى غيرت وجه السياسة والفكر فى الغرب، وأسست لمراحل جديدة وأحزاب وحركات ومدارس فلسفية كذلك.
يتضمن الكتاب مدخلا تاريخيا خاصا عن مايو 1968 فى فرنسا، حيث دفعت تلك الحركة التى فجرها الطلاب نظام الحكم فى باريس نحو أزمة عميقة، كما يقدم الكتاب سردا تاريخيا وتحليليا فى آن، لذلك العام “متعدد الاحتمالات” محاولا تجنب المبالغات، وكذلك تجنب الوقوع فى خطأ نسيان أهمية ذلك العام فى التاريخ الحديث.
بعد رصد بداية التظاهرات والتفاصيل التى جعلت الجامعات الفرنسية تشتعل، يوضح الكتاب أن يوم 13 مايو أشار إلى أن الجامعة ليست الكون، وأن باريس ليست الشمس التى يدور حولها كل شيء، وانتشرت التظاهرات الحاشدة فى كل المدن الكبرى، وكذلك الاعتصامات فى كل أنحاء الدولة، ابتعدت فرنسا عن وضع السكون والهدوء، فى الحياة اليومية، كثيرا فى هذا اليوم، لكن كانت هناك إشارة على اندلاع موجة احتجاجات جماهيرية ضد السياسة المحافظة والتقاليد، ففى الأربع والعشرين ساعة المقبلة بدأت الاعتصامات العشوائية الأولى، وفى غضون أسبوع تسببت موجة الاعتصامات داخل المصانع فى إصابة قطاعات اقتصادية كبيرة بالشلل، وبعد مرور عدة أيام شارك سبعة ملايين فرنسى فى الاعتصام، وهو ما هدد المدن بالفوضى، فقد تعطل عمل الهواتف وخدمات البريد ونقل القمامة وادخر الفرنسيون الوقود.
يوضح الكتاب أنه بعد مرور عام غدت أحداث مايو فى باريس مجرد ذكرى بعيدة، فكما بدأت الثورة المتأخرة فجأة، تلاشى أثرها، وعلى الرغم من أن احتجاجات الطلاب قوبلت فى فرنسا فى البداية بتفهم يفوق أى مكان آخر، وعلى الرغم من نجاح مد جسور العلاقات مع عمال المصانع الشباب فى بعض الأماكن وبعض المراحل، فإنه لم يسفر الأمر فى النهاية إطلاقا عن تدهور الأوضاع، لقد فشلت الحركة مع كل تصوراتها السياسية، لكن هل ولت الحركة دون أى آثار مجتمعية؟ ماذا تبقى فى الواقع من 1968؟ وماذا كان نوع هذا “العام المميز”، الذى ظل محفورا حتى اليوم فى الذاكرة الجمعية بشكل عام، وليس الفرنسيين فقط؟
تتطلب إجابات هذه الأسئلة تصويرا للأحداث وتحليلا وتأملا ومقارنة فموجة 68 انتشرت تقريبا فى كل مكان، والخلاصة أن عام 1968 لم يكن هو العام الذى غير كل شيء، فالعديد من الأمور كانت قد بدأت بالفعل، لكن بعد عام 1968 لم يتبق شيء على حاله كما كان من قبل، وبهذا المعنى كان عام 1968 حاضرا فى كل مكان. 
 
رفعت سـلام: المكتبة أحد المراكز الرئيسية فى مشوار الحياة
فى المرحلة الثانوية، عرف الشاعر والمترجم، رفعت سلام، المعنى الحقيقى للمكتبة. كان ذلك فى الحصة المخصصة لها، حيث قرأ شعر إبراهيم ناجي، واستعار رواية “وداعا للسلاح” لهيمنجواي، وحين التحق بجامعة القاهرة، أصبحت المكتبة المركزية، هدفا ثابتا له، فيها التهم دواوين الشعر الجديد (التفعيلة)، وشعر المقاومة، والآن يمتلك “سلام” مكتبة متنوعة، يستحوذ الشعر على الجانب الأكبر منها.
صدر لرفعت سلام، عدة أعمال شعرية منها: “وردة الفوضى الجميلة، إشراقات، إنها تومئ لي، هكذا قلت للهاوية، إلى النهار الماضي، كأنها نهاية الأرض، حجر يطفو على الماء”. كما ترجم الأعمال الكاملة لكبار الشعراء، ومنهم: رامبو، شارل بودلير، يانيس ريتسوس.. حول المكتبة، ودورها فى تكوينه، شاعرا وكاتبا، كان حوارنا معه.
> متى بدأت علاقتك بالمكتبة؟
حين بدأ وعيي، لم تكن هناك مكتبة بالبيت، لم يكن يدخل بيتنا سوى الكتب الدراسية، لأخوتى الأكبر، ولم أعرف المكتبة إلا فى المرحلة الثانوية، كانت هناك حصة مخصصة نقضيها فى مكتبة المدرسة، ينتقى كل طالب ما يشاء من الأرفف، ويقرأ طوال الحصة، وهناك تعرفت على شعر إبراهيم ناجى لأول مرة، ومنها، استعرتُ رواية “وداعًا للسلاح” لهيمنجواي.. واكتشفت - بعد سنوات طويلة - أننى نسيت إعادتها.
> كيف كان الطريق إلى المكتبات العامة؟
التحقت بجامعة القاهرة عام 1969 وهناك كانت المكتبة المركزية هدفًا ثابتًا لى فى أول عامين دراسيين. فيها تعرفت على الشعر الجديد (شعر التفعيلة)، وخاصة “شعر المقاومة” (محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد). كنت أجلس بالساعات أكوم الدواوين الجديدة أمامي، والتهمها واحدًا واحدًا (لم يكن بمقدورنا شراء الدواوين الجديدة هذه) وبعدها، ربما ذهبت إلى “دار الكتب” مرةً أو اثنتين، لا أكثر.
> كيف كونت مكتبتك الخاصة؟
بالطريقة التقليدية المعتادة: الشراء، وخاصةً من معارض الكتب، وثمة جزء أتيت به من العواصم العربية والأوروبية التى قمت بالمشاركة فى مهرجانات شعرية بها، وخصوصا بغداد والرباط.. وهناك هدايا الأصدقاء المبدعين.
> ما أهمية المكتبة فى حياتك..هل تطاردك الكتب؟
بل أنا الذى أطاردها، ما أزال، حتى الآن، فالمكتبة هى أحد المراكز الرئيسية فى مشوار الحياة. وهى مقرى الرئيسى بالمنزل.
> ثمة ركن خاص فى مكتبة المبدع، لا يمل من الرجوع إليه.. صف لنا مكتبتك؟
هى مكتبة متنوعة، وإن يغلب عليها بالطبع الأدب، لكن كتب “التاريخ” تحتل مكانة مرموقة فيها (المراجع الأساسية: موسوعة سليم حسن لمصر القديمة، المقريزي، ابن إياس، الجبرتي، الرافعي، إلخ) وفيما يتعلق بالأدب فهى مقسمة إلى شعر، رواية وقصة، ومسرح، ودراسات نقدية.. وقواميس عربية وأجنبية.. من بنيها أكثر من طبعة لـ”لسان العرب” و”القاموس المحيط” لكن القسم الذى أتعامل معه يوميًّا، تقريبًا، هو قسم الشعر.
> هل يستحوذ الشعر على الجزء الأكبر من مكتبتك؟
ذلك صحيح وهو ما يبرره أن الشعر العربى وحده يمتد زمنيًّا على خمسة عشر قرنا، منذ الشعر الجاهلي، إلى الآن، بما يعنى أن لدينا منجزا شعريا هائلا، ولنضف إلى هذا العُمق الزمنى الشعري، الشعر العربى المعاصر، ولنضف إليهما الشعر الأجنبى المترجم من اللغات المختلفة، ولنضف إليهم الشعر الأجنبى بالإنجليزية والفرنسية!
وفضلاً عن ذلك، فلديَّ - من بعض الكتب - طبعات متعددة، كديوان المتنبي، وكتاب “الأغاني” الكامل، وديوان امرئ القيس، إلخ.
وثمة ركن خاص للشعر باللغات الأجنبية (أكثر من طبعة فرنسية محققة لأعمال بودلير ورامبو، على رأسها طبعة سلسلة “لا بلياد” الفرنسية الشهيرة، وكذلك كفافيس وويتمان، وبقية مَن ترجمت لهم من شعراء العالم). لكن الشعر- العربى والأجنبي- يحتل المساحة الأوفر منها، وهى دائمًا فى متناول يدي.
> فى رأيك هل ستحل المكتبة الإلكترونية، محل المكتبة المطبوعة؟
الكتب المطبوعة لا تزال هى الأساس فى الثقافة الأوروبية. والإقبال على معارض الكتب “الورقية” لم يتغير. وفى فرنسا، هناك كل عام طبعات “ورقية” جديدة من أعمال بودلير، برغم أنها متاحة بكاملها على الإنترنت. ونفس الأمر ينطبق على أعمال والت ويتمان فى أمريكا..ولا ننسى أن الأمية لدينا فى مصر- على سبيل المثال - تتجاوز الخمسين فى المئة.. فيما يفترض التعامل مع هذه الأجهزة الحديثة حدًّا أدنى من المعرفة بالإنجليزية، لا يزال أمام الطبعات الورقية قرن كامل قبل أن تهددها الطبعات الإلكترونية. 
 
الفلسفة قد تكون مصدرا للبهجة والسعادة
كان يمكن أن يكون عنوان هذا الكتاب “الفلسفة كعلاج نفسي” فهذا الكتاب يشعرنا على نحو رائع بالتحسن، بطريقة جيدة، بمعيارين متساويين من الذكاء والحكمة، إنه عمل مبهج يثبت أن الفلسفة يمكن أن تكون مصدرا أسمى للمساعدة على التفكير فى المشكلات الأكثر تسببا للألم.
يكشف “آلان دوبوتون” فى هذا الكتاب الذى ترجمه إلى العربية “يزن الحاج” وصدر عن دار التنوير للنشر بالقاهرة، الحكمة العملية فى كتابات بعض من أعظم المفكرين فى كل العصور، لتكون النتيجة كتابا غير متوقع فى العزاء والبهجة فى آن، فالكتاب عنوانه فى الأساس “عزاءات الفلسفة فى الحياة كيف تساعدنا الفلسفة فى الحياة”.
يذيل المؤلف كتابه بمقولة لمونتين تقول:”عندما سألوا سقراط من أين جاء لم يقل من أثينا بل من العالم” ويفتتح المؤلف كتابه بالحديث عن سقراط المحكوم عليه بالموت على يد حكام أثينا، حين كان يتهيأ لشرب سم الشوكران، محاطا بأصدقاء مكتئبين، فى ربيع 399 قبل الميلاد، فحين اتخذ ثلاثة مواطنين أثينيين إجراءات قانونية ضد الفيلسوف، وتبعا لخطورة اتهاماتهم طالبوا بإعدامه، وحسبما يرى المؤلف، فإن سقراط تصرف ببسالة أسطورية، وبرغم إتاحة فرصة له للتبرؤ من فلسفته فى المحكمة اختار الوقوف مع ما كان يؤمن بأنه صحيح، لا مع ما كان يعلم أنه سيكون سائدا.
كان سقراط قد خاطب المحكمة قائلا:”طالما أننى أتنفس وأملك القوة، لن أتوقف عن ممارسة الفلسفة، وإسداء النصح لكم، وتوضيح الحقيقة لكل من أصادفه، وبذلك أيها السادة، سواء برأتمونى أم لا، أنتم مدركون أننى لن أغير سلوكي، حتى لو مت مائة مرة” وهكذا اقتيد سقراط إلى مواجهة مصيره، ليشكل موته علامة فارقة فى تاريخ الفلسفة، وهنا تنبغى الإشارة إلى أن الكتاب مزود بالصور الشارحة، وهى صور أو لوحات تاريخية منها اللوحة التى رسمها الفنان الفرنسى شارل ألفونس دوفريزنوى عام 1650 ويصور فيها موت سقراط.
يهتم المؤلف بمناقشة الموضوعات الفلسفية على مدار التاريخ، مسلحا بالصورة والحكاية الطريفة، التى تجعل استيعاب الأفكار الفلسفية امرا ممكنا وسهلا، بل ومبهجا، فهو يرى أن “قلة من الفلاسفة ركزوا على الشعور بالبؤس، إذ ارتبطت الحياة الحكيمة عادة بمحاولة لتقليل المعاناة: القلق، اليأس، الغضب، ازدراء الذات، الأسى” ويستشهد بنيتشه حين قال:”إن أغلب الفلاسفة مغلفون” وقال أيضا:”قدرى أن أكون أول إنسان محترم” وقال: “لدى خوف رهيب من أن يتم اعتبارى مقدسا يوما ما” ثم حدد التاريخ قرابة العام 2000 وكان ذلك عام 1888.
يقول المؤلف: إنها ميزة، لأن نيتشه وحده، من بين جميع المغفلين، أدرك أنه سيتم الترحيب بكل أنواع المصاعب من جانب من سيسعون إلى الإنجاز، أنت ترغب، لو كان هذا بالإمكان، وليس ثمة لو كان بالإمكان أشد جنونا من هذا، أن تلغى المعاناة، فكان يقول: “لا ينبغى أن نشعر بالإحراج بسبب بلاءاتنا، إذ عبر إخفاقاتنا فحسب سينمو كل ما هو جميل”. 
 
ثقافة الطعام والثورة.. فى رواية صينية 
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب، فى سلسلة الجوائز، ترجمة يارا المصرى لرواية الكاتب الصينى “لو وين فو”، وعنوانها “الذواقة” وقد نشرت الرواية لأول مرة عام 1983 وتدور أحداثها فى إحدى مدن جنوب الصين، وهى مدينة مشهورة بجمال الطبيعة وأماكنها الترفيهية، كما أنها معروفة كذلك بمطبخها الشعبى الغني، وتحكى الرواية عن العلاقة بين أحد الأثرياء الذى يحب الطعام، ويعمل “ذواقة”، وهو “تشو زى تشي” وأحد المشاركين فى الثورة، الذى يعمل جاهدا لتنفيذ أهدافها والبعد عن البذخ والإسراف، وهو “قاو شياو تينغ”.
عبر 12 فصلا اقتطع الكاتب “لو وين فو” زمنا تاريخيا يمتد حوالى أربعين عاما، بداية من الحرب الأهلية الصينية، مرورا بالمجاعة الكبرى، ثم اندلاع الثورة الثقافية وما بعدها، حيث عكست الرواية أحوال المجتمع الصينى فى ظل تلك الأحداث التاريخية، وناقشتها بشكل عميق من خلال طرح موضوع الطعام وثورة المطاعم ودمجها مع تلك الأحداث، بحيث يمكننا تتبع الأحوال الاجتماعية، بل الظروف النفسية كذلك للشعب الصيني، خلال تلك الظروف الصعبة وقدرة هذا الشعب على التعامل معها، حتى خروجه من عنق الزجاجة بانتهاء الثورة الثقافية وبداية عصر الانفتاح والإصلاح.
كما تقول يارا المصرى فإننا يمكننا اعتبار هذه الرواية رواية اجتماعية وسيرة ذاتية للكاتب، فقد قال “لو وين فو”: “إن قاو شياو تينغ هو أنا”، لأن سخطه وكرهه للمجتمع القديم كان السبب الذى دفعه إلى الاشتراك فى الثورة والتغيير، ولأنه كان معجبا بالأفكار الثورية المثالية، وقد وقف من قبل لطلب العفو والسماح أثناء الثورة الثقافية، كما تحكى الرواية، ولأنه نفى لمدة تسع سنوات إلى الريف، وتكشف الرواية عبر الشخصيات عن نوع من التأمل الدقيق فى الثورة والأفكار الثورية، وعن الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، وعن بعض الأفكار والسياسات غير الناضجة وغير المكتملة.
بطل الرواية شخص عاصر الثورة الشيوعية شابا، وكبر مع تحولاتها، وهو يعمل مديرا لمطعم، وفيما كان يدعو إلى التقشف الثوري، حتى فى الطعام، كان ثمة شخص آخر يحب الطعام، فهنا التوازى بين بطلين كلاهما على النقيض من الآخر، لكن بطلها واحد هو الطعام، ولا تتحدث الرواية عن ذواقة بالمعنى التقليدى للكلمة، بقدر ما تتحدث عن تحولات المجتمع الصينى المنعكسة هنا فى هذا العمل، فى ثقافة الطعام، حين يصبح نادرا تحدث مجاعة، وحين يصبح وفيرا يتفنن الصينيون فى موائدهم.
كما أن البطل الثانى الشره لا يبدى نهما إزاء الطعام، بوصفه شخصا أكولا بقدر ما يعتبر الطعام متعة وفنا إلى حد أنه يقدم لضيوفه “الروبيان” المقلى داخل حبات الطماطم الطازجة، إنه يحب الطعام ويتذوقه، معبرا بذلك عن طيف إنسانى بامتداد الحضارات البشرية كلها فى فنون الطهو والأكل، إنه يعبر عن نوع من إرادة الحياة وحبها الأكل، حتى فى أشد لحظات المجاعة مأساوية.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg