رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 16 اكتوبر 2018

مقالات



سلطنة عمان .. بوابة التهدئة والتفاوض بين واشنطن وطهران

1-8-2018 | 17:27
د. حسن أبوطالب

فى خضم التصريحات العدائية الأمريكية- الإيرانية المتبادلة، بشأن إغلاق مضيق هرمز أمام صادرات النفط من بلدان المنطقة، إذا ما تم وقف تصدير النفط الإيرانى بناء على العقوبات الأمريكية المزمع تطبيقها فى نوفمبر المقبل، فاجأ الرئيس الأمريكى ترامب العالم بالقول، إنه على استعداد بالاجتماع فورا مع القادة الإيرانيين لتوقيع اتفاق جديد. وبرغم أنه لم يضف عبارته المعتادة وفق الشروط الأمريكية، فإن السياق العام للأحداث، واستنادا إلى مبررات واشنطن المعروفة فى الانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى فى مايو الماضى، تجعلنا نرجح بقوة أن استعداد الرئيس ترامب – إذا كان جادا فى ذلك – للاجتماع مع قادة إيران، مرهون بأن تقبل إيران بشروط معينة تتعلق بتغيير بعض بنود الاتفاق النووى الراهن، واتفاقات أو ملاحق أخرى خاصة بالصواريخ الإيرانية وسياسات إيران تجاه عدد من قضايا المنطقة.
 
تفاوض علنى 
 
فى المقابل نجد أن إيران قد استقبلت هذه التصريحات بمعيارين؛ أولهما رفض التفاوض مع واشنطن، خصوصا فى ظل إدارة ترامب لأنها إدارة لا تحترم تعهداتها، وثانيهما هو الاستعداد للتفاوض دون تحديد موضوعات المفاوضات، بشرط عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووى، وبالتالى وقف العقوبات التى ستطبق على مرحلتين فى أغسطس ونوفمبر. 
 
الأمر على هذا يعبر عن نوع من التفاوض العلنى، والذى قد يمهد لاحقا إلى مفاوضات فعلية. الشواهد تؤكد أن سيناريو الحرب الذى روجت له إدارة ترامب لتغيير النظام الإيرانى، أو توجيه ضربة قاصمة له تجعل نظام الجمهورية الإسلامية وولاية الفقيه أثرا بعد عين، إنه سيناريو غير واقعى ولا يتمتع بأية مصداقية، فضلا عن أن ثمنه مكلف ليس على إيران وحدها، بل على العالم بأثره بما فى ذلك الولايات المتحدة سياسيا وعسكريا واقتصاديا. صحيح أن الحرب ستكون لها نتائج مدمرة أكبر على إيران، وفى الآن نفسه ستكون هناك ضحايا أمريكيون كثر من العسكريين ومن الحلفاء معا. وهذا الاستنتاج النظرى قائم على حقيقة أن هناك قدرات ردع لدى إيران يمكن أن تستخدمها ضد أى قوات أمريكية مهاجمة، وكذلك يوفر لها موقعها الجغرافى قدرات تؤثر فى مسار الاقتصاد العالمى كله، لاسيما إن تم إغلاق مضيق هرمز، وما يسببه ذلك من نتائج وخيمة على صادرات النفط الخليجية والإيرانية والعراقية إلى العالم بأسره.
 
إضافة إلى ذلك فإن موقف الولايات المتحدة الاستعلائى تجاه حلفائها الأوروبيين، سواء فى مجال حرية التجارة أم فى تسيير أعمال حلف الناتو، والخلاف حول قيمة وضرورة الاتفاق النووى الإيرانى، والفراق الكبير بينهما فى عملية تقدير النتائج المحتملة فى أى عمل عسكرى ضد إيران، يجعل أوروبا بأسرها بعيدة تماما عن التأييد أو المشاركة فى أية مغامرة أمريكية - إسرائيلية لاتراعى مصالح أوروبا، والتى تعانى من قضايا ومشكلات داخلية كبرى، تتطلب منها التركيز على حلها، وليس المشاركة فى مغامرات عسكرية مدمرة للاقتصاد الدولى والأمن العالمى كله.
 
تراجع أمريكى 
 
هذه المدخلات ربما تفسر هذا التصريح الذى قاله وزير الدفاع الأمريكى ماتيس إن بلاده لا ترغب فى إسقاط النظام الإيرانى ولكن تغيير سلوكه، وذلك بعد ساعات قليلة من تصريح الرئيس ترامب استعداده للقاء قادة إيران، وكأن هذين المسئولين الكبيرين يوضحان أن فكرة الحرب ليست واردة وفقا لمقتضيات اللحظة الجارية، وأن التفاوض ممكن. إيران أيضا لديها أسباب ودوافع كبرى للدخول فى مفاوضات للحفاظ على ما يمكن من مصالحها ومن مصالح شعبها، ولاحتواء الآثار الاقتصادية المتفاقمة يوما بعد آخر، والتى قد تدفع الإيرانيين إلى حراك شعبى لا يمكن السيطرة عليه. الوضع الاقتصادى الداخلى بات على صفيح ساخن، فسعر العملة الإيرانية آخذ فى التدهور بمعدلات غير مسبوقة، حيث انخفض سعرها بمقدار الثلثين أمام الدولار، حيث يعادل الدولار الواحد 120 ألف ريال، بعد أن كان مطلع العام فى حدود 42 ألف ريال فقط، ومن ثم أصبح عبئا ثقيلا على حياة المواطنين والاقتصاد الإيرانى ككل، ويمثل نذير خطر، لا تساعد الحرب أو التهديد بها فى معالجة تلك التداعيات، والتى بدورها تتطلب حالة من التهدئة لا تتحقق إلا من خلال بوابة التفاوض والبحث عن حلول وسط. ناهيك عن المتاعب التى تواجهها إيران ووكلاؤها فى العراق، حيث الشعب يرفع شعاره الشهير “يا إيران .. بره بره . العيشة بقت مرة.”
 
عُمان .. الوسيط النزيه
 
لكن التفاوض ليس سهلا، ولكنه أيضا ليس مستحيلا. وفى التطورات الجارية بعض مؤشرات بأن هناك ما يجرى وراء الكواليس، وأن أمورا يتم تبادلها بالفعل عبر وسطاء بين واشنطن وطهران. وهنا تظهر سلطنة عُمان كمحطة رئيسية فى مثل هذه الاتصالات غير المباشرة بين البلدين المتصارعين، زيارة وزير الخارجية العمانى يوم الجمعة  قبل الماضى، ومن قبل زيارة وزيرخارجية إيران محمد جواد ظريف إلى مسقط 2 يوليو الماضى والتى لم يعلن عنها فى حينه، وكشفت عنها مجلة استخباراتية فرنسية فى اليوم التالى. وقبل ذلك كان وزير خارجية عمان يوسف بن علوى فى الولايات المتحدة، وقابل فى واشنطن وزير الدفاع الأمريكى جيمس ماتيس 29 يونيو الماضى، بما يرجح أن مهمة جواد ظريف الذى وصل إلى مسقط بعد ثلاثة أيام من هذا اللقاء العمانى - الأمريكى فى واشنطن هى مناقشة معلومات محددة بالنوايا الأمريكية. وكان لافتا للنظر آنذاك أن جواد ظريف قبل وصوله إلى مسقط، قد صرح بأن بلاده لا تنوى منع تصدير النفط الخليجى عبر مضيق هرمز، فى إشارة إيجابية نحو دول المنطقة ولتعزيز التوجه السلمى للسياسة الإيرانية، فى الوقت الذى كان فيه مسئولو الحرس الثورى الإيرانى، يؤكدون قدرتهم على منع تصدير النفط الخليجى إذا ما تعرضت بلادهم إلى العقوبات الأمريكية. وبرغم التعارض الجوهرى بين هذه التصريحات الإيرانية، فإنها فى حدود ما يجرى من تفاوض غير مباشر، أو بالأحرى تبادل الآراء بشأن كيفية معالجة الموقف وضبط حالة التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهات عسكرية، فإنها تبدو طبيعية تماما، وتطبيقا للنموذج المعروف بالعصا والجزرة.
 
الحقيقة البارزة هنا أن هذه ليست المرة الأولى التى تلعب فيها الدبلوماسية العمانية أدوار وساطة مهمة وناجحة أيضا، فالسلطنة تمارس سياستها الخارجية وفقا لقواعد الحياد الإيجابى، مما يدعو إلى وصفها بسويسرا الشرق التى تحافظ على خطوط اتصال مع الجميع مهما كانت الخلافات كبيرة والمواقف متباعدة بينهم، ودائما ما تتسم مواقفها بالاعتدال وعدم التشنج والتعبيرات الدقيقة المنضبطة، فضلا عن السعى إلى فتح أبواب الحوار بين المتصارعين مهما كانت مغلقة أو بدت عصية على الفتح. مثل تلك المهارات التى يعترف بها الجميع من شأنها أن تساعد على تحويل التوتر إلى فرصة للسلام. المهم أن يتفاعل الآخرون بما تمليه عليهم الضمائر الإنسانية الحية إن وجدت.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg