رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 17 اكتوبر 2018

المجلة



الفيلسوف مراد وهبة فى حوار مع «الأهرام العربى»: فصلت من المدرسة بسبب سخريتى من المناهج التعليمية

4-8-2018 | 18:18
أعد الندوة وشارك فيها: محمد زكى - تصوير: محمود شعبان

يعقوب فام وضعنى على بداية الطريق وعلمنى مواجهة السلطة
 
كنت تلميذا فاشلا فى الثانوية لأننى لا أجيد الحفظ
 
درست الفلسفة برغم عشقى للهندسة
 
سخرت من الشعر العربى عندما سمعت «مكر مفر مدبر معا»
 
نقد العقل الخالص لـ «كانط» كان فاتحة طريقتى الفلسفية
 
شارك فيه: جمال الكشكى - مهدى مصطفى - عزمى عبدالوهاب - ملك عبدالعظيم - هبة عادل -  وفاء فراج - الطيب الصادق - أحمد أمين عرفات
 
مراد وهبة، واحد من وجوه العقل فى القرن العشرين، قضى حياته يدافع عما يعتقد، ينفر من الخرافات، ويقدس المنطق العقلى، يمكن وصفه ببساطة، بأنه المولع بتحرير المصطلحات، والمغرم بالنقد، مر على كل المذاهب والتيارات، لكنه لم ينضم إلى أى منها، خبر الشيوعيين، وهرب من تزمتهم، عرف الإخوان وهالته دمويتهم، عرف قادة البعث، فأدرك أن القومية قرين الانغلاق، يحلق دائما كالعصفور مع كل المذاهب، يتبع عقله أينما ذهب، أغرم بكانط، ونقد العقل الخالص، أحب برجسون، الذى عادى الشيوعيين، ولم يصبح رأسماليا، تشكل كتاباته المعنونة «رؤيتى للقرن العشرين» نقدا لاذعا لكل التيارات الفكرية وتقاطعاتها السياسية، يؤمن بالرحابة ويكره الانغلاق، الرجل الذى نشأ وتعلم وسط الكبار: يوسف مراد، وعثمان أمين، وعبد الرحمن بدوى، وأنور عبد الملك، يمكن اعتباره شاهدا ذكيا وأمينا على قرن بكامله، كيف انتقلنا من أنوار العقل إلى سجن الخرافة؟ كيف توارت الفلسفة وحلت محلها الفتوى؟ مراد وهبة مغرد خارج السرب، وعازف متفرد، وأحد حراس الفكر الكبار.
 
لم نناقش فى هذا الحوار، مع د. مراد وهبة قضايا فلسفية، أو سياسية كبيرة، بل ذهبنا إلى زاوية مختلفة، وأردنا أن نذهب معه إلى البدايات المبكرة، لنعرف طفولته، ومراحل تعليمه، وكيف تخطى عشقه للهندسة، بدراسة الفلسفة، ونوع الدراسة التى تلقاها طفلا وشابا، ولماذا فصل من المدرسة الثانوية، وسخريته من مناهج التعليم، والأساتذة الذين كونوا عقله، وأثروا فيه، ولماذا لم ينضم إلى أى حزب سياسى أو تيار فكرى، كما أطلعنا مراد وهبة فى هذه الرحلة على مناخ الدراسات الفلسفية، وصراع الأفكار فى الجامعة المصرية، وكيف تنبأ له أحد أساتذته بأنه سيصبح فيلسوفا كبيرا، ورحلته الطويلة مع الفكر المصرى والعربى فى القرن العشرين وعشرات التفاصيل الأخرى فى هذا الحوار..
 
> نبدأ من "القوصية" بأسيوط حيث نشأة الطفل مراد وهبة؟
 
ولادتى كانت عسيرة، وقال الطبيب إما الأم أو الطفل، فقالت أمى الطفل أولاً، ومع ذلك نجونا معا، ويبدو أن هذه الولادة العسيرة كانت رمزاً على شيء عسير، يمكن أن أواجهه فهى مسألة رمزية بالنسبة لي، أنا لم أبق فى القوصية كثيرا، لأن الوالد انتقل إلى القاهرة، فدخلت مدرسة رياض الأطفال، وكانت ممتعة لأن فيها حرية وفيها علم خفيف، وفيها أيضاً اختلاط بالكبار، برغم أنها كانت رياض أطفال، فهى ملحقة بمدرسة ابتدائية، بعدها انتقلت إلى مدرسة شبرا الابتدائية، وكنت متفوقا علميا فى هذه الفترة، وحدث شيء مهم فى حياتى أنه فى الصف الثانى الابتدائى، كان والدى على علاقة صداقة بشخص آخر كان يذهب إلى جمعية الشبان المسيحية، وكان هذا الصديق قد التقى بالمربى الأول "يعقوب فام"، وهو حاصل على درجة الماجستير فى التربية من جامعة ييل بأمريكا، ثم عاد وقرر أن يفتح ما يسمى بقسم الصبيان، ملحق بجمعية الشبان المسيحية، وكان يعقوب فام يمر على الشخصيات التى تتردد على الجمعية ويطلب منهم الدعوة إلى إشراك الأطفال فى قسم الصبيان، الذى كان يزمع أن يكون هو مديرا له، وكان هذا فى عام 1936 وكنت وقتها طالباً فى السنة الثانية الابتدائية، ووافق الوالد، وكان الاشتراك وقتها خمسين قرشاً فى السنة، وهو مبلغ كبير وقتها، فالتحقت بقسم الصبيان فى بداية افتتاحه، فتربيت على فكر يعقوب فام.
 
> هذا يدفعنا للسؤال عن فكر "يعقوب فام" المربى الأول كما لقبته .. فما ملامح فكره؟
 
هذا سؤال مهم فتجربته يمكن أن تمارس فى مصر،، مجتمع ديمقراطى أو ليبرالى عبارة عن تأسيس نواد، كل ناد عبارة عن 30 إلى 35 عضوا، وكانت أسماء هذه النوادى فرعونية.. "أحمس"، "إخناتون"، "آمون"، "رمسيس"، "تحتمس"، فكنت أنتمى إلى القسم الأول "أحمس"، وكان معى فى هذا القسم المفكر "رشدى سعيد"، فتربينا معا عند يعقوب فام، فكانت هذه هى الأندية الخمسة وكل ناد يختار رئيسا وسكرتيرا وأمين صندوق، فبدأنا عملية الانتخاب منذ الصغر، أيضاً كان هناك نشاط رياضى، وكانت على رأس النشاط الرياضى "كرة السلة"، وهى عبارة عن فرق بالنوادى الخمسة وفيها ثلاث درجات، وكنا نلعب ونتنافس، وكان المعلم يلح دائماً على نقطة مهمة، وهى أنه ليس من الضرورى أن نفوز فى المبارة بالنقاط، وإنما الهدف أن يشترك أكبر عدد من الصبيان فى المباريات، وكانت هذه إشكالية لأن هناك كثيرا من الطلاب ليسوا هواة لهذه الرياضة، وكل هذا له تأثير على، فتعلمت أن أعمل فى وسط فريق ولا أعمل دون فريق، وكان لهذا أثر كبير فى شخصيتى مستقبلاً.
 
النقطة الثانية أنه قام بعمل مؤسسات ديمقراطية مثل مجلس الوزراء والنائب العام والعمدة، وشخصية "العمدة" تشبه رئيس الجمهورية، وأحياناً تكون له صلاحيات وسلطات مطلقة، ولكن لا يأتى إلا بالانتخاب ولمدة واحدة، وأنا انتخبت عمدة وكان ترتيبى 16، لكن لم أستخدم القانون إطلاقاً.
 
> وكيف أدرت منصب العمدة فى هذه السن؟
 
كنت أستخدم العلاقات الاجتماعية بينى وبين الأعضاء، فتكونت لى شعبية بين الأعضاء، أيضاً كان هناك برلمان، وأذكر أنه كان هناك نائب عام شخصيته غير مريحة، فقال لنا يعقوب "أنتم لستم رجالاً" لأن هذا النائب العام "رزيل معكم"، ولم يشك أحد منكم، فأعطانا جرأة فى مواجهة السلطة، وهى نقطة تربوية مهمة أن تتدرب على مواجهة السلطة، لكن أنا لم أستخدم كعمدة أى قانون.
 
> وماذا عن النشاط الثقافى فى هذه النوادى؟
 
كان يعقوب فام يقوم بعمل "حديث الخميس" وهى عبارة عن جلسة لمرة واحدة فى الشهر، يقرأ فيها كتابا ويلخصه لنا ونتناقش معه، فدربنا على القراءة، فتكونت لدينا مكتبة كبيرة وكان معظمها باللغة الإنجليزية، وكان يدربنا على عمل مسابقات بين الأندية والنادى الذى يقدم الصفحات الأكبر فى القراءة يفوز، فعودنا منذ الصغر أن نقرأ باللغة الإنجليزية ونتنافس عليها دون غضب أو انفعال إذا خسرنا، وكان أسوأ لقب يوجه لنا هو أن يكون العضو ليست لديه روح رياضية، التى تستلزم العمل فى وسط فريق وأن تحترم الأعضاء كلهم دون أى تمييز.
 
فى هذا المناخ تربيت وكنت حريصا على ممارسة جميع الأنشطة، فكنت أتقن جميع الألعاب الرياضية باستثناء الملاكمة والمصارعة لأنها عنيفة، وتدربت على الملاكمة وخسرت فى مبارياتى الأولى وقررت عدم المجازفة، وحدثت مفارقة فى هذه المرحلة، فكنت فى المدرسة الابتدائية متفوقا علمياً، لكن بدءاً من الصف الأول الثانوى حتى السنة الخامسة تخلفت وكنت أحصل على أدنى الدرجات التى تسمح لى بالنجاح؛ وذلك لأن شخصيتى بدأت تتكون فى المرحلة الثانوية، وتكوين الشخصية يستلزم من الإنسان أن يفسح المجال لطاقاته، وهذه الطاقة جعلتنى ساخراً من العملية التعليمية لأن العملية التعليمية – كما هو الوضع الآن – تعتمد على الحفظ ثم نصب فى الامتحان ما حفظناه وهذه مسألة لم تتفق مع شخصيتى التى تربيت عليها فى قسم الصبيان، فكنت ساخراً، والسخرية لها ثمن وهو الفصل من المدرسة، فتم فصلى ثم عدت وكانت هذه بمثابة هزة فى مسيرتى الدراسية، فكنت أحصل على الدرجات الدنيا فى المواد الدراسية باستثناء علم واحد فقط وهو علم الهندسة، فكنت دائما أحصل على الدرجات النهائية وكنت أتحدى نفسى أثناء امتحان الهندسة أن أخرج قبل انتهاء الموعد، وكنت اعتبر أننى إذا ظللت فى الامتحان حتى آخر الموعد، فإننى لست قوياً فى الهندسة، لأن علم الهندسة فى نظرى كان أساسه أنك أمام مشكلة وعليك أن تحلها، وهذا لا يعتمد على الحفظ وأن تستخدم البرهان، فتذوقت هذا العلم، وكنت أتحدى الطلبة أن يعرضوا علىّ أى تمرين فى الهندسة وكنت أرسم التمرين بالعصا على الرمل وأقوم بحله وكنت أستمتع بذلك، فى السنة الرابعة من الثانوية ازدادت سخريتى، والغريب أنها ازدادت مع مدرس اللغة الفرنسية وهو فى الأساس خريج فلسفة، فشكانى إلى المشرف، وكان هذا المشرف شخصا رزيلا، فدخل الفصل وحدثنى أمام زملائى من على الباب، وقال لى إننى سأعاقب، لأن المدرس شكا منك شكوى مرة، وقال إما هو وإما أنا، وكان هذا أمام المدرس فى الفصل، فطلبت أن أتكلم لأدافع عن نفسي، فقال لى "ولا كلمة"، فأصررت أن أدافع عن نفسى وتحدثت نحو عشر دقائق، وعندما أنهيت كلامى قال لى أين تعلمت هذا المنطق؟ فشعرت أن هذا كان من قبيل السخرية وأن العقاب سيكون شديدا.
 
لكن قلت له: الموضوع ليس منطقا، وإنما أنا أدافع عن نفسي، فقال لى لا، أنت بسبب هذا المنطق معفى من أى عقاب، وكان هذا أمام المدرس صاحب السلطة، فكان هذا أيضاً جرأة فى مواجهة السلطة.
 
> كيف دخلت إذن إلى قسم الفلسفة؟
 
نظراً للإقبال الشديد من الطلبة على دخول القسم العلمى، قرر ناظر المدرسة أن يكون شرط دخول القسم الأدبى أو العلمى مرتبطا بدرجات الطالب فى المواد الخاصة بكل قسم، بالنسبة لى كانت معظم درجاتى هابطة ولا تختلف درجاتى فى المواد العلمية عن الأدبية كثيراً، لكن كانت الدرجات الأدبية أكثر قليلاً، وقتها قال لى الناظر إننى سأدخل القسم الأدبي، فقلت له يستحيل، فقال لى أنت بذلك تكون ضد القانون، قلت له سأدخل القسم العلمي، وأمام هذا الإلحاح قال لى الناظر "ادخل القسم الأدبى أسبوعين للتجربة وبعدها نلتقي" فقبلت الاقتراح ودخلت حصة فلسفة، لكى أتعلم معنى المنطق الذى حدثنى عنه المشرف، جلست فى الحصة وكنت صامتا تماما أثناء الشرح، وعندما أنهى المدرس الحصة قال لى "من ينظر إليك يشعر أنك ستصبح فيلسوفا عظيما" فقلت له إننى فى هذا القسم بشكل مؤقت وسأذهب إلى القسم العلمي، قال لى أنت حر ولكن أنا أقول لك ما رأيته، هذا المدرس أصبح بعد ذلك أستاذا فى كلية الآداب قسم الفلسفة، المهم أن ذلك لم يلفت انتباهى وعدت إلى الناظر وطلبت منه أن أذهب للقسم العلمى، وعندما ذهبت للقسم العلمى ازدادت السخرية، وكنت ذات مرة فى حصة للغة العربية بعد الظهر وطرح فى الحصة شعر أمرئ القيس (مكر مفر مقبل مدبر معاً.. كجلمود صخر حطه السيل من علٍ)، فأثارت عندى السخرية لأن كلها تناقضات، وعندما بدأت بالسخرية تبعنى زملائى فى السخرية والنكت.
 
> وماذا حدث، وكيف عوقبت هذه المرة؟
 
وقتها كان الناظر يمر بجوار الفصل وعندما سمع ضجيجنا فى الفصل دخل وسأل المدرس عما يحدث، فقال له إننى أنا السبب، فقال لى الناظر "هل أنت بشار بن برد" فقلت له لا ولكن أنا كنت فقط أنقد هذا الشعر، لكن الأستاذ لم يستسغ نقدى، فقال لى الناظر أنت مفصول إلى مالا نهاية ولا تأتى بولى أمرك، وكل ما ستفعله أن تأتى فى الثامنة صباحاً وتخرج فى الثالثة ولا تدخل الفصل إنما تجلس فى فناء المدرسة فقط، وكان ذلك فى شهر يناير حيث الطقس البارد، فقررت أن أدخل المكتبة "مكتبة مدرسة التوفيقية الثانوية" ودخلت على الكتب الفلسفية وظللت على هذا المنوال طوال شهر يناير، وكان هذا على حساب المواد الدراسية المقررة، فكلمت يعقوب فام وقلت له إننى مفصول منذ شهر، فوعدنى أن يذهب فى اليوم التالى إلى ناظر المدرسة وأن يتحدث معه وكانت علاقتهما وطيدة، وبالفعل ذهب إليه فى اليوم التالى واستدعانى الناظر أمام يعقوب واحتد على وقتها وقال لى أيضا بلغنى أنك عمدة قسم الصبيان وهذا أسوأ ولو كنت أعلم لكان العقاب أشد، لكن نظراً لتدخل يعقوب بك يمكن أن تستأنف الدراسة، واستأنفت الدراسة بالفعل وحصلت فى النهاية على ٪54، وكانت النسب فى ذلك الوقت متدنية بطبيعتها أذكر أن هذا المجموع كان يفصل عن الدخول لكلية الطب والعلوم بحوالى 3 إلى 5 درجات مئوية فقط، وكان يمكن إعادة السنة لتحسين المجموع ولكن الدراسة تكون من المنزل، وبالفعل قمت بإعادة السنة
 
> كيف دخلت قسم الفلسفة بعد كل ذلك؟
 
كان لى أخ أكبر فى كلية الآداب بجامعة القاهرة وكان وقتها رئيس اتحاد طلاب حزب الوفد وأيضا العميد كان وفديا، وهو أستاذ للتاريخ الإسلامى اسمه "الدكتور حسن إبراهيم"،واجتمع أخى مع العميد على العشاء وحكى له عن مشكلتى حيث كان يتطلب دخولى كلية الآداب مع هذا المجموع المتدنى أن أكون حاصلاً على درجات معينة فى اللغات، وهذا لم يكن ينطبق على، فاستثنانى العميد من هذا الشرط، وبالفعل دخلت الكلية واخترت قسم الفلسفة، وكان فى هذا الوقت أستاذ الفلسفة اسكتلنديا، فقال لى لماذا اخترت قسم الفلسفة، فقلت له أنا أريد أن أفهم، فقال لى إن خريجى قسم الفلسفة لا يجدون عملا، فكانت الفلسفة فى الثانوية وقتها اختيارية بينها وبين الرياضيات وكان معظم الطلبة يختارون الرياضيات، حيث يسهل بها الغش على خلاف الفلسفة، وأذكر أن الفلسفة كانت تدرس فى سبع مدارس فقط فى مصر فى ذلك الحين، فقلت لأستاذ القسم لا يهمنى موضوع العمل وإنما ما يهمنى هو أن أفهم الفلسفة، وحينما قررت دخول قسم الفلسفة قررت أن أخوض المسار الأكاديمى "ماجستير ثم دكتوراه" فكان كل همى فى العام الأول أن أنجح بأى طريقة لكى أتفرغ للقراءة تماماً، وفعلاً عندما فرغت من امتحان العام الأول مباشرةً بدأت أقرأ بغزارة، وأذكر أننى عندما كنت فى العام الأول سألت زميلا لى عن شروط التقدم لمرحلة الماجستير والدكتوراه، فاستعجب من سؤالى لأننا كنا لا نزال فى العام الأول فتركته وذهبت لطالب آخر فى السنة الرابعة فأجابنى أن أهم شرطين هما القراءة واللغات الأجنبية، فقررت أن أقرأ باللغة الإنجليزية والفرنسية، وأن أقرأ بغزارة إلى أن وصلت لنحو 13 ساعة يومياً من القراءة فى الصيف وحوالى 8 ساعات فى الشتاء، وكان حصولى على الكتب من خلال مكتبات مخصصة للكتب المستعملة، وكنت أتردد على مكتبة بشارع عدلى وبها الكثير من الكتب الفلسفية.
 
> ما هو الكتاب الفلسفى الذى أثر فيك ؟
 
وأذكر أننى فى السنة الثانية فى الكلية اشتريت كتابا لأحد الفلاسفة الألمان بعنوان "نقد العقل الخالص" من جزءين واشتريته وقتها بعشرين قرشا، وكان مكتوبا باللغة الفرنسية وبرغم صعوبتها على فى ذلك الوقت فإننى بالتحدى قرأت الكتاب مرتين واستمتعت بفكر هذا الفيلسوف الألمانى العظيم "كانط"، أيضاً كان هناك فيلسوف فرنسى شهير وهو "برجسون" وكانت له قصة، فقسم الفلسفة كان مكونا من نحو ثلاثين طالبا منهم أربعة سوريين جاءوا من أجل أن يكونوا فلاسفة لحزب البعث فى بداية نشأته، وأسماؤهم كالآتى (بديع الكسم – عبد الله عبد الدايم – سامى الدروبى – عبد الكريم زهور) وكان عبد الناصر يهتم بمناقشة هؤلاء بعد تخرجهم وظللنا فى كلية الآداب من عام 1943 إلى 1947 وظللنا على علاقة وطيدة وكانوا برجوازيين وكل همهم الفلسفة من أجل أن يفلسفو حزب البعث العربى وكانوا على صلة بأحمد بهاء الدين، وأعتقد أن أحمد بهاء الدين رؤيتة العربية كانت مستمدة من هؤلاء، المهم أنهم حاولوا الالتفات إلى "برجسون" هذا الفيلسوف الفرنسى الذى توفى عام 1941، وكانت له نظرة للدين ولمفهوم "الله"، فكان يعتبر أن الله متطور وليس ثابتاً ومن خلال تطوره تنشأ المخلوقات من نباتات وحيوانات وبشر، أن الأديان على نوعين، دين منغلق، ودين منفتح، فالدين المنغلق هو سبب التعصب وسبب الحروب، أما الدين المنفتح فهو من أجل السلام ومنفتح بمعنى أنه يرفض الانغلاق فى عقيدة محددة، ولذلك الطبع الصوفى عنده كان مرتفعا، أما فى الأديان المنغلقة لا توجد الروح الصوفية وإنما توجد روح الجمود، ولذلك فقد آثر الدين المنفتح على المنغلق، ومعنى ذلك أن حزب البعث عليه أن يلتفت إلى هذا التمييز، وإنما أعتقد أنه لم يلتفت إلى هذا التمييز لأن القومية العربية التى لديه هى قومية منغلقة وغير منفتحة ولذلك لم يكن متجاوبا مع المعسكر الشيوعى وبالأخص أن برجسون كان العدو الأول للكتلة الشيوعية، فانحياز هؤلاء المؤسسين لفكر حزب البعث العربى لبرجسون معناه أنهم لن يكونوا منحازين للكتلة الشيوعية ولن يكونوا منحازين أيضاً للكتلة الرأسمالية باعتبارها كتلة استعمارية.
 
> لو عدنا إلى هذه الفترة لوجدنا أن التيارات الوجودية والماركسية كانت من التيارات الرئيسية فى تشكيل وعى معظم المثقفين العرب .. فإلى أى إطار كنت تضع نفسك فى ذلك الوقت؟
 
خلال الفترة من 1943 إلى 1947 فى قسم الفلسفة كانت هناك ثلاثة تيارات رئيسية (الإخوان المسلمين – الشيوعيين – بداية حزب البعث العربي) وبالمناسبة كان أنيس منصور دفعتى ولم تكن بيننا صلة لمدة ستين عاما إلى أن فوجئت بتليفون منه يقول لى إننى أحدثك بعد مرور ستين سنة وعليك أن تخمن من أنا، فقلت له "مفيش غيرك يا أنيس"، وسألته ما هو المطلوب، فقال لى إنه يريد إعادة نشر الكاتب المصرى التى كان يرأسها طه حسين ولن أستطيع أن أقدم على هذا العمل إلا إذا وافقت أن تكون معى، فوافقته ولكن بعدها توفي.
 
> لماذا انقطعت صلتكما طوال ستين عاماً ؟
 
لا أرغب فى الإجابة عن هذا السؤال.
 
> هل يمكن أن نعود لاستكمال مسيرتك الجامعية؟
 
بعد أن أخذت درجة جيد فى الليسانس، قرر قسم الفلسفة أن الحاصل على جيد ليس له الحق فى عمل الماجستير، طبعاً أصابنى اكتئاب، لأننى قررت منذ البداية استكمال المسار الأكاديمى، هم تصوروا بذلك أن اليأس سيصيبنى، لكننى كنت أتردد من وقت لآخر على مكتبة الجامعة ولم أيأس، لأننى كنت على يقين أننى يوماً ما سأحصل على الماجستير والدكتوراه، وبعد سنة أو سنتين سألت أحد الموظفين عن مدى إمكانية إلغاء هذا القرار فقال لى إنه قد ألغى، بعدها فوراً التقيت بالدكتور عثمان أمين وكانت علاقتى به قوية فرحب جداً بى، وقبلها قابلت الدكتور يوسف مراد لأطلب منه أن يشرف على فى مرحلة الماجستير تحت عنوان "الهذيان الديني" لأن علاقتى مع أبو مدنى الشافعى وفى عيادته النفسية سمحت لى أن ألتقى بمرضى الأمراض العقلية، وكان الدكتور يوسف مراد على صلة قوية بأساتذة علم النفس فى فرنسا، وكان أحد علماء النفس الفرنسيين ويدعى "جورج دى ما"، قد أرسل ليوسف مراد أحد مؤلفاته باللغة الفرنسية تحت عنوان "الأرواح والآلهة عند أصحاب الأمراض العقلية"، وكنت وقتها فى السنة الرابعة فأعطانى مراد هذا الكتاب لأترجمه من الفرنسية لننشره فى مجلة علم النفس، وبالفعل قرأت هذا الكتاب وقمت بعمل ملخص له ونشر وأنا طالب، لذلك قررت أن آخذ موضوع الهذيان الدينى مع الدكتور يوسف مراد، وبعدها ترددت على المرضى فى مستشفى الأمراض العقلية كنوع من التجربة الميدانية لتساعدنى فى رسالتى، وكان من ضمنها شخص يهودى وشكله يشبه سقراط، ويعتبر نفسه أنه إله للكون، وهذا المرض يسمى البارانويا أو جنون العظمة، وكنت أجلس معه يوما فى الأسبوع، وكان قوياً فى الفلسفة والفيزياء، وكان لديه نظرية يثبت بها أنه إله للكون، وكنت ألتقى به أربع ساعات أسبوعياً وأستمتع بالحديث معه، وقال لى بعد فترة أنه لاحظ أننى لم أعد مجنونا، وأنى أصبحت عاقلاً – على حد تعبيره –، وفى إحدى المرات كنت أجلس معه وجاء أحد المرضى وعنده مرض "مانيا" أو الهوس، وكان الهوس لديه يظهر فى شكل زجل يبين لى فيه مكونات مرضى مستشفى الأمراض العقلية، فطلب منه الشخص مدعى الألوهية أن يتركنا وحدنا، فاستجاب له وتركنا، واعتذر لى بعدها وقال لى "معذرة إنه مجنون"! ثم استأنف الحديث، بعد ذلك بنحو ستة أشهر طلب منى أن أنشر فى جريدة الأهرام أن فى المستشفى يوجد الإله محبوسا، ومطلوب الإفراج عنه حتى يباشر رسالته، فوافقته ثم راوغته عدة مرات بحجج مختلفة، وللعلم الشخص المصاب بالبارانويا يشترط فيه أن يكون قويا فى المنطق والعلم ولكن تكون لديه فكرة واحدة ثابتة خاطئة تسيطر عليه، وهو ما يدعو من حوله للملل، أما فيما عدا الفكرة التى تسيطر عليه فهو شخص عادى واستمتعت كثيراً بنظرياته، وفى النهاية قال لى فى المرة المقبلة إذا لم ينشر الإعلان فى الأهرام فلن أستقبلك، وبالفعل امتنع عن استقبالى وانتهت العلاقة بيننا، لكن ما حدث بعد ذلك ومع مواصلتى مع أبو مدنى الشافعى فى متابعة حالات المرضى الذين يترددون عليه أصابنى الاكتئاب، فوجدت بشرا لا حول لهم ولا قوة وميئوسا من شفائهم، وبعد ذلك ذهبت للدكتور يوسف مراد وقلت له إننى لن أكمل فى موضوع الهذيان الدينى ولا أى رسالة فى علم النفس المرضى، فانفعل علىّ جداً وقدرت انفعاله، وقلت له مع ذلك سأواصل الاتصال لكن سأعود للفلسفة، وبالفعل عدت للدكتور عثمان أمين.
 
> هل اقتصرت هذه المرحلة على الجانب الأكاديمى أم بدأت حياتك العملية؟
 
عينت عام 1947 كمدرس فى المرحلة الابتدائية فى مركز الصف، وكانت وقتها قرية ليس بها ماء ولا نور، وكنت أقيم بها وأعود للقاهرة فى نهاية الأسبوع.
 
> لو عدنا للحديث عن التيارات الفكرية المسيطرة فى تلك المرحلة وموقفك منها ...
 
طبعا الوجودية كانت منتشرة ويتزعم هذا الاتجاه الدكتور عبدالرحمن بدوى، والماركسية يتزعمها محمود أمين العالم، وكنت أتردد على دار الأبحاث العلمية فى لاظوغلى مع شهدى عطية وعبد العظيم أنيس وأنور عبد الملك، وكثير من الأسماء اللامعة، لكننى لم أنخرط مع الأحزاب، برغم أننى كنت على صلة بقيادات حزبية لكن لم أدخل أى حزب، فلم أدخل مع الحزب الشيوعى، لكن كنت أتعاطف معهم لسبب فلسفى، وهو أن الدكتور يوسف مراد كانت رسالة الدكتوراه الخاصة به فى جامعة السوربون الفرنسية تكشف عن منهجه فى علم النفس، وكان على صلة قوية بـ "أنريفا لا"، وهو أستاذ علم نفس فى السوربون ومتخصص فى الأطفال وله مركز فى الحزب الشيوعى الفرنسى، ففوجئت بأن يوسف مراد منهجه يعتمد على فكرة الحركة الدائرية اللولبية لأنجلز، والغريب فى يوسف مراد أنه ليست له صلة بالماركسية لكن متأثر جداً بهذا المفهوم، وأنا استفدت من هذا المفهوم جداً وجعلنى لا أستجيب لأى مذهب مغلق.
 
> وماذا عن اتصالك بالشوعيين؟
 
أما اتصالى بالشيوعيين فأنا لم أكن أشعر بالراحة من التزمت الذى يتمتع به الفكر الشيوعى، ولم أستسغ هذه المسألة، فكانت علاقتى بهم فيها نوع من التعاطف لكن مع عدم الالتزام، أما تيار الإخوان المسلمين فقد نفرت منه لأنه تيار دموى، فكان طلبة الإخوان يقولون لى إن الأمر يكون فيه قتل فى النهاية، أما حزب البعث العربى، فقد انجذبت إلى برجسون من خلالهم لكن لم أستمر معهم لأنهم كانوا منغلقين فى مسألة القومية العربية وأنا ليس لدى استعداد للانغلاق، فكانت علاقتى بهم مثل علاقتى مع الشيوعيين تعاطف مع عدم الالتزام، أما الوجودية، فقد تأثرت بالوجودية مع عبد الرحمن بدوى، وبدأت أقرأ مؤلفات سارتر وهيدجر، وبدأت فى الماجستير مع دكتور عثمان أمين فى فكر برجسون، وبعد سنة فوجئت أن مجلس القسم قرر أن يكون يوسف مراد مشرفا على عثمان أمين فى إشرافه على رسالتى، وكان موضوعا غريبا، وتألم الدكتور عثمان أمين وطلب من القسم إعفاءه من الإشراف على رسالتى، ولم يكن لدى حل إلا أن أضع ما قمت به طى الأدراج وانتهى الموضوع.
فجأة أتى فيلسوف فرنسى واسمه "موروسير"، وكان أستاذا زائرا فى قسم الفلسفة وعرضت عليه المشكلة، فقال لى إنه مستعد للإشراف على، ولكن بشرط أن أترك برجسون وأبحث فى فكر فيلسوف آخر، فاخترت "كانط" فوافق وقمت بعمل الماجستير فى عام ونصف العام لأننى كنت متمكنا من فكر كانط منذ دراستى، وبعد هذه الفترة كنت مستعدا للمناقشة وكان على المشرف أن يعود إلى بلاده فى غضون أسبوعين إلا أن لائحة الكلية كانت تنص على أن تكون فترة الرسالة سنتين، وذهبت إلى عميد الكلية وشرحت له الموقف وتفهم الموقف وقال لى إن اللائحة تقول سنتين ولم تحدد إذا كانت سنتين دراسيتين أو ميلاديتين، وقرر أن يعرض الأمر على مجلس الكلية، وفى النهاية وافق مجلس الكلية ونوقشت الرسالة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg