رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 16 اكتوبر 2018

مقالات



قوة «الصَبر الإستراتيجى»

2-8-2018 | 19:26
وائل سليمان

من تَنَقَّل بين أروِقَة التاريخ.. أو تَجَوَّل فى دهاليز السياسة.. أو عاش أجواء الحروب.. يدرك جيداً أن فى عُمْر الأُمَم وفى حياة الشُعوب هُناك فَتَرات يتحول فيها الصَبر مِن مُجَرَد فضيلة إنسانية إلى أَهَم أسلِحة المُوَاجَهة وأقوى أعمدة البِناء

_ وبما أننا نعيش تلك الأجواء منذ عدة سنوات ونشعر جميعاً أنها غالباً ستمتد لبضعة أخرى وربما أكثر.، فرأينا أنه لزاماً علينا أن نساهم كغيرنا فى توضيح ماهية وأهمية مصطلح "الصبر الاستراتيجى" فهو يعنى قدرتنا على  الانتظار الواعى.. والذى نمارسه فردياً أو جماعياً ونحن نضع نصب أعيننا هدفاً ثميناً أو سامياً،
يتكأ الصبر الإستراتيجى أثناء رحلته نحو الهدف على ما يسمى "بالذكاء التكتيكى" والذى يعتمد بدوره على معدل جاهزيتنا واستنفارنا بأن نتحين الفرص ونشحذ الهَمم، نبحث عن أصيل العلم وصحيح المعرفة، نتطور ونتقدم بخطوات مدروسة إلى الأمام؛ الأمر الذى يجعل الهدف المنشود يقترب يوما بعد يوم،
 إذاً "فالذكاء التكتيكى" هو الوقود و"الدينامو" والفعل المحرك والدافع للصبر بتحديد معالم الطريق إلى المُرتَجَى، وإعداد خطط علمية تربط الواقع بالهدف، وتسهم في تشكيل ظروف الواقع لتصبح أكثر ملائمة لتحقيقه. وهذا يعني أن العمل الذي تتوفر له إمكانات النجاح لابد وأن يقوم على الصبر الإستراتيجى الذى يعكس موقفاً مبدئياً، والتكتيك الفاعل الذي يعكس وعياً بأن الزمن لا يتوقف عن المسير.،  إذ فيما يشكل الصبر الإستراتيجيى مرجعية العمل، يشكل التكتيك الذكى الآلية التى يستخدمها المجتمع للتقدم نحو الأمام، فيما يشكل الإثنان معاً خطة الوصول إلى الهدف المنشود.

_ ويُعتبر عامل الزمن من أهم أدوات صنع التاريخ والتعامل مع تحديات الحياة؛ إذ من خلال اللجوء إلى الصبر الاستراتيجي والذكاء التكتيكي يمكن تحقيق الكثير من الأهداف الخاصة والعامة..
_ لذا فإن استخدام عامل الزمن بشكل جيد يعتمد على القدرة على قراءة المستقبل، وتحديد اتجاهات التغير وموازين القوى الإقليمية والدولية، والتعرف على العوامل المؤثرة فى مساراتها إيجاباً أو سلباً،

_ من ناحية أخرى لا بد للمعنيين بالصبر أن يدركوا أن "الصبر الأجوف" هو حالة ذهنية ستقودهم فى كل الحالات إلى التواكل؛ الأمر الذي يجعل الصبر غير المقترن بالمعرفة الحقة والعمل الدؤوب موقفاً سلبياً يقود إلى تزييف الوعى الجمعى، والحاق الضرر بالمجتمع كله،

_ وفى  المقابل أيضاً.. فإن الحراك الذى يسير من دون رؤية تهديه ومرجعية علمية وطنية تحدد له معالم الطريق هو حراك فوضوى قد يضر ولا ينفع؛ إذ تعكس الحركة فى حالة كهذه استهتاراً وتصرفاً غير واعٍ، ما يجعلها تستنفذ الكثير من طاقات المجتمع من دون إنجاز يُذكر. وهذا يعنى أن الموقف الاستراتيجى هو الصبر المقترن بالذكاء التكتيكية.،
صبر يرى المستقبل ويتحرك نحوه متجاوزاً ومتحملاً مشقات الحاضر وأوجاعه، يتحرك بخطوات بطيئة أو تبدو للبعض هكذا ولكنها مدروسة ومؤهِلَة لحصد الهدف الأكبر.. فنراها تسحق المؤامرة وتنتصر على محترفى صناعة اليأس والإحباط والأزمات فى كل الحروب النفسية التى فُرِضَت عليها للنيل من عزيمة الشعوب وسلب إرادتهم ليتحول وطنهم على أيديهم إلى دولة عاجزة وفاشلة.،

_ لذلك لا يكون الصبر استراتيجياً إلا إذا اقترن بذكاء تكتيكى تُجسده على الأرض حركة فاعلة قائمة على الوعى الحقيقى ومدعومة بالعمل وترتكز قاعدتها على منظومة من القيم والأخلاق التى تخاطب الضمائر وترتقى بالمعنويات قبل الإمكانات المادية.، وهذا يعنى انه لا معنى لصبر الشعوب من دون حركة فاعلة وواعية، ولا جدوى لحركة وحماسة  من دون رؤية واستراتيجية كاملة، فالعلاقة بين الإثنين علاقة طردية تدور بهما وجوداً وعدماً.،
فليؤدى كل منا دوره الذى فرضته مقتضيات المرحلة "حاكمين ومحكومين"..،
نؤديه عن قناعة.. دون مَنٍ أو جَزعٍ أو سخطٍ، فكلنا فى النهاية أمام رب العزة عنها لمسؤليين.

_ فلا مِنةٍ ولا فضلٍ "لقبسٍ من ترابٍ" على "أرضٍ طَيبةٍ" فيها غُرِس.. ومنها نَبت وأزهر فصار إنساناً.. أصاب فى حقها أو أخطأ .. هى لا تهتم.. وفى نهاية رحلته تحتضنه ولا تبالى.. ولا تذكر إلا أنه كان ولا زال ابن رَحِمها، أخذته وحشة الدنيا منها، وها هو يعود إليها آمناً مجبورا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg