رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 16 اكتوبر 2018

مقالات



اتفاق فرقاء جنوب السودان.. خطوة لتحقيق التكامل بين شعوب وادي النيل

6-8-2018 | 17:27
محمد آدم

نجح السودان اخيرا في طي صفحة الحرب بدولة جنوب السودان، وذلك بتتويجها لمفاوضات فرقاء الجنوب بتوقيعهم على اتفاق المسائل العالقة في الحكم والترتيبات الأمنية في الخامس من اغسطس الجاري برعاية الرئيس السوداني عمر البشير، وبحضور عدد من رؤساء الـ"إيقاد" وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية.
 
لا شك ان اتفاق الأحرف الأولى لتقاسم السلطة ، وإن كان جزء من قضايا أخرى عديدة مطروحة لم يتسن حسمها حتى الآن إلا انه وبالنظر إلى طبيعية النزاع يمكن اعتباره لحمة الحل وسداه.
 
قاد السودان جهدا دبلوماسيا دؤوبا للجمع مؤخرا بين فرقاء دولة جنوب السودان مما أفضى إلى توقيع الاطراف المتصارعة على اتفاق إطاري بالخرطوم في 27 يونيو الماضي وذلك بعد مضي يومين أثنين فقط من الجلسات ، حيث وقع على الاتفاق كل من الرئيس سلفاكير ميارديت رئيس دولة جنوب السودان و الدكتور رياك مشار من الحركة الشعبية في المعارضة ( SPLM.O ) ودينق ألور عن مجموعة العشرة ( FD) وقبريال شانقسون عن تحالف الاحزاب السياسية (SSOA ) و السيد بيتر ميار عن بقية الاحزاب السياسية (OPP ) وقد وقع الرئيس البشير كضامن في الاتفاق كما وقع كل من مبعوث الايقاد لجنوب السودان وممثل الترويكا الاروبية كشهود . وذلك وسط ترحيب اقليمي ودولي كان ابرزه ما أعلنتة وزارة الخارجية المصرية من أن الاتفاق يعد خطوة هامة على طريق استعادة الأمن بدولة جنوب السودان .. و بما يعزز من قدرة الأشقاء في جنوب السودان على تجاوز الخلافات، وتحقيق السلام في ربوع البلاد، ويسهم في تعزيز التعاون الإقليمي بين دول المنطقة، والذى تعمل مصر على تدعيمه تحقيقا لهدف التكامل بين شعوب وادي النيل.
 
وقد دعت مصر في بيانها "الأشقاء في السودان للاستمرار في جهودهم المخلصة من أجل التوصل إلى حل لكافة المسائل العالقة، وتحقيق المصالحة في جمهورية جنوب السودان" .
 
تجدر الاشارة هنا إلى أن ابرز ما تم التوصل اليه بين الفرقاء الجنوبيين يتمثل في :
 
أ - وقف اطلاق النار وهو النقطة الاكثر أهمية و أثراً والتى من شأنها تعزيز فرص الاستقرار و الهدوء في دولة حديثة التكوين لم ينعم سكانها بأي قدر من الهدوء و الاستقرار منذ ان كتبت لها شهادة الميلاد
 
ب - بناء وتعزيز الثقة بين الأطراف المتصارعين تمهيداً لقسمة السلطة فيما بينهما.
 
ج - العمل على معالجة الأوضاع الانسانية و إيصال الإغاثة إلى المحتاجين.
 
وبالطبع هناك العديد من النقاط التفصيلية التى تم التوافق حولها في الخرطوم، ولكن تلك كانت النقاط الأبرز.
 
الرئيس البشير الذي رعى المحادثات بدا في غاية السعادة ليس فقط لان السودان حقق هذا القدر الاكبر من النجاح المؤثر ولكن أيضاً لان الفرقاء الجنوبيين تحلّوا بمسئولية سياسية وإرادة من المؤكد انها ستفتح آفاقاً في سماء علاقات الدولتين لحلحلة العديد من القضايا الخلافية العالقة.
 
يضاف الى تلك المعطيات أن السودان توفرت له مقومات وعناصر نجاح عديدة لم تتوفر لغيره لكي ينجح في طي هذ الملف الصعب و المؤلم .
 
الامر الاول إلمام القيادة السودانية إلماماً تاماً بطبيعة الصراع وعمقه و أبعاده بحكم القرب الشديد، والعلاقة القديمة بأطراف الصراع، ولا شك ان هذا الدور المؤثر الذي قام به السودان دور استراتيجي محوري و مؤثر، فقد تطاول الصراع الدامي وتجاوز عامه الخامس. ..وتسبب هذا الصراع في فرار اكثر من 2 مليون لاجي إلى دول الجوار، حاز السودان منها على النصيب الاكبر من اللاجئين ، كما ان سوء الأوضاع الأمنية في دولة جنوب السودان بات يهدد المنطقة والاقليم ويؤثر مباشرة على دول المنطقة و يؤجج من صراعاتها الداخلية واذا أردنا ان نقرأ بعض عناصر النجاح التى توفرت للسودان ولم تتوفر لغيره فإننا نلاحظ:
 
أولاً، السودان هو البلد الأم التى ولدت من رحمها دولة جنوب السودان، فهو الأدرى بحكم هذه العلاقة بطبيعة التركيبة الاثنية والسياسية للفرقاء الجنوبيين واسباب الصراع نفسه، بل ان السودان على دراية جيدة بالنفسية السياسية لهذا الوضع مما مكنه من ملامسة عصب الازمة و حلحلتها في وقت وجيز.
 
ثانياً، للسودان - إضافة الى ماسبق - معرفته الجدية بطبيعة الصراع ودخيلة الفرقاء المتصارعين وخبرة تراكمية طويلة في حل النزاع ، وهي خبرة من الممكن القول انها تأسست منذ اتفاقية أديس أبابا 1972 مروراً باتفاقية الخرطوم 1998 مروراً بنيفاشا 2005م.
 
ثالثا : شعور الفرقاء الجنوبيين -الذي بدا واضحاً عند حضورهم للخرطوم- بأن إخوتهم السودانيين بما لديهم من زغبة قوية للسلام و الاستقرار بالدولة الجارة حريصين على تسوية الأزمة ، وهذا الامر بذاته سهل من مهمة الدبلوماسية و الرعاية السودانية.
 
رابعا: عنصر العلاقات الاجتماعية ذات الطبيعة الانسانية، إذ ان التوسط بين اطراف تربطك بهم صلات اجتماعية و انسانية عميقة اكثر سهولة وسلاسة من أي امر آخر ، خاصة وان الصراع في مجمله يبدأ و ينتهي بمزاج و تناقض سياسي اجتماعي يرجع إلى الطباع البشرية. خامسا: المناخ السياسي و الثقافي المواتي الذي وفرته الخرطوم للفرقاء الجنوبيين وهو مالم يكن ممكنا توفره لدى أي طرف اقليمي أو دولي آخر . فالخرطوم هي العاصمة الام للفرقاء، وهي بهذه الصفة توفر رصيداً اجتماعياً وسياسياً أكثر أمناً ودفئاً.
 
ولعل ابرز ما أتاح للسودان لعب هذا الدورة بفض الاشتباك و التأسيس لقسمة سلطة عادلة عبر معادلة مأخوذة من الواقع الديموغرافي والسياسي لدولة جنوب السودان؛ هو خبرة هذا البلد الطويلة الممتدة لعقود طويلة بالتركيبة السكانية والتنوع الثقافي و العرقي السائد في الدولة الجنوبية. على اية حال يعتبر الاتفاق خطوة متقدمة في اطار بناء الثقة بين اطراف الصراع في الدولة الوليدة ، كما أن التزام الطرفين بوقف اطلاق النار المؤشر الاساسي لنجاح هذه الجولة مما يستدعي متابعة تنفيذ اتفاق السلام و التحقيق حول الخروقات التي تتبادل اطراف الاتهامات حولها واتخاذ قرارات حاسمة بشأن الطرف المنتهك لوقف اطلاق النار وذلك من خلال العمل على تعزيز فرق المراقبة و التقويم .

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg