رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 16 اكتوبر 2018

مقالات



إحراق سلمان الفارسى.. رسالة مكشوفة من إيران

7-8-2018 | 23:07
مهدى مصطفى

 

 
«الشُكُكْ ممنوع.. والزعل مرفوع». عبارة حكيمة يكتبها البقال على ورق كرتون بخط عريض وواضح. يعلقها على باب الدكان ليراها الزبائن، منعا للمجادلة مع هؤلاء الزبائن الذين لا يملكون المال، والذين يرغبون فى الشراء بالأجل مستغلين صداقة البقال، عادة ما يكون البقال من نفس البلدة، والزبائن جيران وأقارب، ومعارف.
يؤمن البقال، ولديه الحق، بأنه إذا باع بضاعته بالأجل، لن يجد أموالا يشترى بها بضاعة جديدة، وقد يتهرب المدين من السداد لقلة السيولة، ومنعا لإحراجه شخصيا، وخسارة تجارته، يكتب عبارته البليغة كقانون صارم لا يحيد عنه، والزعل مرفوع ما دام يسرى على الجميع.
وقائع التاريخ تتشابه وتلك العبارة البليغة، مهما تغيرت وتبدلت الأحوال والقوى والبشر، ومهما اختفت الأمم، ومهما تغيرت الجغرافيا، والسلالات، يظل التاريخ شاهدا حيا، قد يخبو، لكنه لا يموت، فالبذرة كامنة تحت التراب تنتظر عوامل مساعدة ضرورية لتنمو البذرة شجرة من نفس السلالة..
14 قرنا غير كافية للبقال الإيرانى ليصدق ما جرى، فقانونه العميق، كان ولا يزال، يرفض التغيير الذى طرأ على السلالة الفارسية، وتسبب فى تدمير معتقداته، وإيمانه بدين آخر غير الزرادشتية، وتغييب النار والشمس رمز المجوسية، كان مضطرا للاعتراف بالهزيمة فى معركة القادسية، والتظاهر بقبول الحالة الجديدة.
ودون تفكير عميق، قرر ألا يكون شبيها بحملة الرسالة الجديدة على أية حال، فتخير مذاهب وأفكارا ومعتقدات تخالف هؤلاء القادمين من الصحارى المترامية، وإن تشابهت معهم فى المظاهر الخارجية، وبقانون صانع السجاد الإيرانى، ترك نفسه للصبر الطويل حتى الوقت المناسب.
وجاء الوقت المناسب، خرج فيه المتظاهرون الغاضبون من حكومة الملالى فى محافظة فارس غرب إيران، خرجوا بهدف تدمير تمثال الصحابي الجليل سلمان الفارسي، جهزوا إطارات سيارات قديمة، ألبسوها للتمثال المدرع، والممتشق سيفا، ثم أشعلوا فيه النيران، متهمين إياه بخيانة الفرس قبل 14 قرنا، وأنه هو من أدخل الإسلام بلاد فارس!
 وسلمان الفارسي، نموذج للصحابي المثقف، الحائر، القلق، الذي مر بتجارب دينية عديدة حتى وصل إلى الإسلام، وقيل فيه: سلمان منا آل البيت، وكان حاكما للمدائن زمن عمر بن الخطاب، وباسمه مدينة كاملة فى العراق هى سلمان باك، وكان ثالث ثلاثة كتب عنهم الفيلسوف المصرى الكبير عبد الرحمن بدوى فى كتابه «شخصيات قلقة فى الإسلام» هم السهروردى والحلاج وسلمان، بوصفه مثقفا ومتأملا ومفكرا.
 أما رحلته من بلاد فارس، وصولا إلى المدينة المنورة، فرواية كاملة الأركان، وبها كثير من أحداث ذلك العصر المترامى.
 الاعتداء على تمثاله فى إيران لم يكن الأول، فقد تعرض ضريحه للاعتداء فى مدينة سلمان باك العراقية، وجاءت محاولة إحراق تمثاله كاشفة عن رسالة مشفرة من المتظاهرين الإيرانيين الذين قرروا الإنابة عن العقل الجمعى فى بلاد فارس.
 فللمرة الأولى منذ اندلاع المظاهرات الغاضبة من الأوضاع الاقتصادية، يهاجم المتظاهرون المرشد الروحي على خامنئى، وقد كان بعيدا عن شعاراتهم الغاضبة، بوصفه يتمتع بمكانة سامقة يجب ألا تمس.
 قال دونالد ترامب: إن أربعين عاما كافية على حكم الملالى، ويقول أيضا اللوبي الإيراني فى الغرب نفس المعنى، والمتظاهرون يعتدون على الحوزات العلمية، كما حدث فى محافظة تركستان، وبالقرب من طهران، وقد كانت خطا أحمر زمنا طويلا ، والآن يكشفون عن إيمانهم بعبارة البقال الحاسمة، ويعتدون على تمثال سلمان الفارسى.
هى رسالة واضحة وعلنية، بأن الرواية الإيرانية الحالية فى الفصل الأخير، فالمخرج قرر تغيير أبطال الفيلم.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg