مقالات



أحمد فؤاد نجم: «طظ».. وسيلة المصريين للهروب من الضرايب ! (4)

8-8-2018 | 19:24
دينا ريان

عسل وسكر.. عسل ماشى!

لكن طظ وفلفل؟ مش ماشى خالص إلا إذا عرف السبب؟ وقد عرفته لأول مرة على لسان أحمد فؤاد نجم! الذى طالت جلستى الأخيرة معه على السطوح فى المقطم، وهو يضحك ويقول: إذا كنت عاوزة طراوة لا تقولى «رووف»، ولا «البحر الطظ»، أحسن جلسة فى سطوح بيتنا، توقفت عند وصفه البحر بـ "الطظ".. غاضبة!! فأنا "سكندرية" المولد والهوى!
 
سألته مندهشة: "البحر الطظ؟ حتى البحر يا عم نجم حتقوله طظ، بتشتمه ليه"؟
 
ضحك نجم وهو ينفث الدخان وصبيان «الشِعر» والنثر من حوله يرصون الشيشة وينظمون الكلمات على الدخان، مستخسرين نفاذه فى الهواء بدون حاجز وينظرون لى باستياء، لأننى طلبت الجلوس خارج جدران المنزل الصغير حتى لا يحدث لى ما حدث فى الأمس القريب عندما طار الدخان ودخل الرئة والطحال! وأكمل: «البحر الطظ يا بت يا سكندرية» يعنى البحر المالح، لأن الطظ هو الملح بالتركى!!
مش البحر اللى بيضايقنى، لكن الطظ التركى اللى بتضايقنى، وهى عندى لغة الاستعمار وأنا بأكره الاستعمار، فى كل وقت وزمان ومكان، وبدأ فى رواية قصة الطظ التركى، وكيف كان يستخدم وسيلة عند المصريين للهروب من جباة الضرايب الأتراك، فقد كان الملح هو البضاعة الوحيدة المعفاة من الضرايب، الشر بره وبعيد، ده أنا اللى بقول وربنا لا يرجعها أيام، ضحك نجم وقال ليه، طالما فيه الرزاز، يقصد وزير المالية «أيامها»، حنستخدم الطظ للهروب من جباة الضريبة وظلمهم الله لا يعزهم، وعند هذا القول والدعاء، أغلقت الكاسيت وتنحنحت وقلت: يا عم نجم لا تنس أنك تسجل فى جورنال قومى، وأنا لن أكتب عبارات القذف للسادة المسئولين لا السابقين ولا الحاليين، ولا حتى القادمين، سواء شئت أم أبيت!
أخذ ينفث الدخان فى وجهى ويقول:
ابقى شيللى اللى عايزين يشيلوه لكن لو كان عليك ما انتش عاوزة تشيلى حاجة.أخفيت ضحكتى وهو يواصل تكرار كلمة "الطظ" التركية المقصود بها الملح.. وأنا أحذف أولا بأول كل ما يمس المسئولين عن الضرايب والرزاز وزير المالية أيامنا.
وهو يستمر موضحا.. كان أجدادنا يسمون الأتراك بالأعجام الذين احتلوا وطننا تحت زيف رفع راية التأسلم، تقولش إحنا مجوس.
قطع كلامه وهو يتفحص فى وجهى ويقطب جبينه، هو إنت تركية؟ لا والله العظيم أنا مصرية من السيدة زينب، ومن كفر الدوار ومن الإسكندرية، وجد جدى ما اسمهوش «كاريوت»، ولا تغيان ولا حاجة.
فتح أحمد فؤاد نجم فمه ضاحكا ولم يغلقه لمدة عشر دقائق غير مصدق أننى فتنت على نفسى باسم أجداد الأجداد المشكوك فيهم أنهم من الجنس التركى المستعمر لدى نجم المصريين، وأنا نفسى واحدة منهم، ما تخافيش تغيان ده صعيدى وكاريوت اسم من ألبانيا من بتوع حملة محمد على.. واستمر يضحك مختبرا إياى قائلا:
فجل يا كلاب!
حسنة وأنا سيدك!!
شحات وعايز عيش فينو!
لما تجيلك «الزربونة» عند أى موقف استفزازى وأردت الرد بتلك الأمثلة السابقة، تبقى مع الأسف تركية من الذين عفا عليهم الزمن فى بلادنا.
أخذت الكلام فى جنابى وابتسمت ابتسامة لم يفهم منها شيئا ليكمل كلامه عن «طظ»، فقال التركى فى الوجدان الشعبى زى اليهودى، تمام كائن مرفوض، لأنه مصدر دائم للظلم والأذى والضرر، وسبب رئيسى من أسباب التخلف الذى نعيشه!
أخذت أقدح زناد فكرى كيف أحذف التشبيه حتى لا يرفع علينا الجماعة «اللى ما يتسموا» قضية معاداة السامية عند نشر كلماته، هذا إذا نشرت.
وضيقوا على الناس أرزاقهم ونهبوا أقواتهم عن طريق الضرائب والمكوس من خلال عمليات نهب منظمة، ضحك نجم وقال: احذفى ما تريديه بس اكتبى دى عن مكر المصريين ضد المستعمر، والتى تحولت إلى نكت لن تسقط من الذاكرة الشعبية و«طظ يا عاشور» التى نرددها بدون ما نعرف أصلها، كان عاشور، رئيس الكمين عند بوابة الفتوح، وكانت اسما على غير مسمى، فهى نقطة تمركز جباية الضرايب على أى بضاعة تمر، بما فى ذلك «العيش»!!  أما الشىء الوحيد اللى كان معفى من الضرايب هو «الملح»!! وزى ما عرفنا الملح بالتركى اسمه «طظ» فكنا نعبى البضايع فى زكايب ونغطيها بطبقة كثيفة من الملح، وأول ما نصل إلى بوابة الفتوح نزعق ونقول:
طظ يا عاشور
يقول: عدى
فنفلت ببضاعتنا من التركى.. على أنها طظ «ملح»
يا عم نجم الكلام كده مبتور، نصه محذوف، مثل الكلمات المتقاطعة، وبعدين ليه بتتكلم بصيغة الجمع؟ هو حضرتك كنت معاهم أيام الطظ، أقصد الملح؟ أيوه أنا مصرى، والمصرى مصرى فى كل زمان، لو كنت أيامها عايش كنت ححارب بالطظ الاستعمار، طب وماذا عن عيد ميلادك واحتفال رجال الأعمال به؟ و.......... أردت بذلك تغيير دفة الحديث بعيدا عن ضرائب الطظ وسنة الطظ ورش الطظ سبع مرات.
يا عم نجم.. هل ستتخلى عن الثائر بداخلك وعن شحاتة المعسل والمبادئ الثورية المناهضة لفكر الرأسمالية وقصائدك التى تفيض بالهجاء، وتنتزع الألم من قلوب البسطاء؟ لتتحول إلى شاعر كما يقولون سوبر ماركت، أو شاعر ربابة، أو بعد ما كنت قطاعا عاما اتخصخصت!
......... ودى كانت نهاية علاقتى بأحمد فؤاد نجم، شاعرا وإنسانا.. 
وختاما.. سلاما
لا بد أن يسود الهدوء والوئام وإلا أطربقها!!! وبالفعل طربقها نجم على دماغى.. الله يرحمه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg