رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 22 سبتمبر 2018

المجلة



كان له الأب الروحى.. لماذا ومتى قال أحمد بهاء الدين «محمود درويش فلذة كبدى»؟

11-8-2018 | 14:52
سيد محمود

كل الطرق للبحث عن أيام محمود درويش فى مصر، كانت تؤدى إلى ميدان كبير من الرحابة الإنسانية والكفاءة المهنية اسمه الكاتب أحمد بهاء الدين فهو كلمة السر فى هذه الرحلة. 

يتشابه دوره معه إلى حد كبير مع الدور الذى لعبه الشيخ أبو العلا محمد فى حياة أم كلثوم وواصله شيخ الأزهر مصطفى عبد الرازق، فالأول أقنعها حين التقى بها لأول مرة، أن مساحة صوتها أكبر من حدود قريتها، وعلمها الثانى أن الموهبة تحتاج إلى عقل و"صيانة" لكى تدار بشكل صحيح. 
 
وقبل خروجه من فلسطين اختار درويش أن يكون تحت رعاية إميل حبيبى صاحب "المتشائل" الذى كان "أبا روحيا" يؤدى معه الدور الذى أداه الشيخ أبو العلا محمد مع أم كلثوم، حين علمها أنه بالخيال يمكن النظر إلى ما وراء الحدود، لكنه حين التقى مع بهاء الدين فى موسكو لأول مرة فى يناير من العام 1971 تعلم درسه الثاني، وهو كيف يدير موهبته ويرعاها لتكبر فى المسار الذى يريد.
فى مرحلة ما اختلف درويش مع إميل حبيبى واشتكى منه فى حوار مع مجلة المصور (26 مايو 1995) وقال: (أنا بحاجة لمن يتدخل لدى إميل ليرفع لسانه عنى) ، فحين رفض رابين أن يقوم درويش بزيارة غزة قال حبيبى (لماذا لا يعود محمود درويش إلى وطنه) وهى جملة اعتبرها درويش إساءة واختلف مع حبيبى بعدها لكنه لم يختلف أبدا مع بهاء الذى كان "بوصلته " فى مصر - كما قالت لى الكاتبة منى أنيس أقرب صديقات الشاعر - وأنا أقلب معها الإهداءات التى كتبها على مؤلفاته وأضافت:"بعد موت أحمد بهاء الدين بدأ درويش يشعر بغربة أكبر كلما جاء "وكانت دائرته فيها" ضيقة جدا ". 
نفس الفكرة أكدتها لى صافى ناز كاظم التى التقت مع محمود درويش بعد ساعات من وصوله و عادت بى للسنوات التى كانت تعمل فيها إلى جوار الأستاذ بهاء وقالت :" بهاء كان الراعى الرسمى والأب الروحى الذى وصف درويش بعد أول لقاء جمع بينهما بـ "فلذة كبدى".
قبل الوصول لهذا المقال علينا التوقف أمام عدة أمور: أهمها أن جانبا كبيرا من الاحتفاء الذى وجدته موهبة درويش سواء قبل حضوره للقاهرة فى 1971 أم بعدها مرتبط بوعى وذائقة الأستاذ بهاء المقدر لـ" قيمة الأدب والفن " فقد كانت هذه القيمة على رأس أولوياته فى تجاربه المهنية كلها، لدرجة أن الأستاذ نجيب محفوظ قال مرارا: (الأستاذ بهاء ناقد ظلم نفسه)، ولو أراد أن يكون ناقدا سيكون فى طليعة النقاد .
تشير المقالات التى جمعها رشاد كامل فى كتاب تحت عنوان (مقالات لها تاريخ ) / روزاليوسف 2016 ) إلى أن بهاء قدم للقارىء إشارات لامعة حول شعر صلاح جاهين وأدب توفيق الحكيم وطه حسين ويوسف السباعى والعقاد. 
وأكثر من ذلك كان للأستاذ بهاء (ماض شعرى ) لا يعرفه الكثيرون وله عدة قصائد منشورة فى مجلة (الفصول) التى أسسها محمد زكى عبد القادر، وأطلقت معها موهبة بهاء الدين ككاتب بارز ولعله بسبب هذه البدايات واصل شغفه بالشعر، وظلت رعايته للشعراء عنوانا من عناوين مسيرته المهنية المحاطة بكل جلال .
 
تجارة
قدمت صفحات "المصور" ومعها بقية مطبوعات دار الهلال التى كان أحمد بهاء الدين رئيسا لمجلس إدارتها كافة أوراق اعتماد محمود درويش ورفاقه للقارىء المصري، وذلك قبل أن يلتقى درويش مع بهاء وجها لوجه وكانت قصائده تقدم بالكثير من (التقدير) . 
وانطلق تعبير "شعراء الأراضى المحتلة" الذى صاغه غسان كنفانى من مصر وسجل الأستاذ بهاء له هذا الفضل بصفته (أول من اهتم بالبحث والتنقيب عن الأدب الفلسطينى فى إسرائيل ونشر عنه).
وكان بهاء الدين أيضا كان أول من انتبه إلى عملية الاتجار بهذا المصطلح، ففى افتتاحية (المصور) فى 24 أغسطس 1969 وكانت بعنوان (أيام بلا تاريخ) لاحظ كيف نشأت التجارة الواسعة بشعراء الأراضى المحتلة، حيث ظهر عشرات الناشرين يجمعون هذه الأشعار ويتلقفون الدواوين التى تتسرب ويبيعونها فى عشرات الطبعات وليست هناك طبعا حقوق نشر "ثم تابع" لا أعتقد أن هذا الوضع عادل أو حتى مهذب.
وانتهى إلى مطالبة منظمة التحرير الفلسطينية بنشر بيان تعلن فيه استعدادها لتلقى حقوق نشر أعمال شعراء الأرض المحتلة وأن تحولها إلى باب محدد من أبواب العمل الفلسطينى .. (راجع المقال فى الملف الوثائقى).  
اللقاء الأول
من حسن الحظ أن الأستاذ بهاء كتب فى مجلة "المصور" تفاصيل اللقاء الأول مع محمود درويش وبالتحديد فى العدد الصادر فى (5 فبراير 1971 ) ضمن فقرات مقاله (موسكو بعد 15 سنة) وصف فيه اللقاء بـ" مفاجأة الرحلة الجميلة ".
كان درويش يقضى الأيام الأخيرة فى المنحة الدراسية التى نالها فى معهد العلوم الاجتماعية بموسكو وهو معهد (آسيا) الذى زاره بهاء ضمن برنامج رحلته واجتمع هناك مع أسرة التدريس فى قسم الشئون العربية والشرقية والتقى بعدها مع درويش فى لقاء قال إنه "مؤثر" بشاعر حيفا والأراضى المحتلة، وفلسطين الشهيدة".
وتابع: "عبر زياراتى لمعهد آسيا علمت بوجوده، وعلم بوجودى وكان اللقاء الذى لا أستطيع وصفه " أكاد أقول أننى لم أحدثه فى السياسة، وأننى ربما لم أكلمه كثيرا، فقط كنت سعيدا بأن أراه وألمسه وأسمعه يتحدث ويضحك ويبكى بشبابه وحيويته وجاذبيته الشخصية الشديدة.
إننى أب لطفلين ، ولكننى لم أشعر شعورا حقيقيا بمعنى "فلذة الكبد "إلا عندما رأيته ، هذا قطعة منى ، فلذة من كبدى حقا".
 
> > > 
وفى المقال المنشور «زنكوغراف» يقع القارىء على مزيد من الشجو فى اللغة التى كان بهاء يكتب بها.
لكن المهم أن الفقرات فيها إشارة أولى إلى أن درويش كان يكره ما ينشر عنه بالصحف العربية، والثانية أن الأستاذ بهاء يقول (وأنا اكتب هذه السطور (5 فبراير 1971) يكون محمود درويش على الأغلب قد عاد إلى إسرائيل، إلى حيفا حيث محرم عليه مغادرة المدينة ومحرم عليه أن يخرج من بيته بعد الثامنة مساء، وحيث يجب أن يتأكد البوليس من ذلك كل يوم).
المدهش أن درويش لم يعد إلى حيفا واختار أن يأتى لمصر فى مشهد مهيب؟
والسؤال هنا: هل لعب الأستاذ بهاء دورا فى إقناعه بالمجىء لمصر؟ وهل كان طرفا فى الخطة التى أعدها بعض رجال الدولة آنذاك وتحقيق هذا النصر المعنوى الكبير؟
لا أحد يملك الإجابة على وجه الدقة، لكن الأكيد أن أحمد بهاء الدين صاحب كتاب (اقتراح دولة فلسطين) كان من أوائل الأصوات التى دافعت عن عروبة (عرب إسرائيل) وكان من الداعين للتعامل معهم بوصفهم "فلسطينيين مقاومين ".
فى المقال الذى أشار فيه إلى اللقاء مع درويش كتب بوضوح :"إن الناضجين من عرب إسرائيل هم أنضج العرب، وهم يحملون على أكتافهم همومنا نحن فى العالم العربى الواسع أكثر مما نحمل همومهم». 
وبسبب هذه العلاقة المتفردة التى لخصها تعبير (فلذة كبدي) كان من الطبيعى أن تكون دار الهلال التى يرأسها بهاء هى المحطة الأولى فى خيارات درويش للعمل من داخل مصر .
وكان من الطبيعى أيضا أن يلعب بهاء الدور الأكبر فى إدارة شئون الشاعر الذى احتفل بعيد ميلاده الثلاثين فى بيت بهاء بشارع هارون بالدقى.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg