رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

المجلة



القصة الكاملة للحملة التى قادتها مجلة «الحوادث» ضد محمود درويش

11-8-2018 | 14:40

"لم أكن أتخيل حتى فى أشد لحظات الخيال تحليقا ـ أن قصة حياة شاعر ستتحول إلى إحدى القضايا الرئيسية فى حياة العرب. حدث ذلك فى الجاهلية؟ فهل يراد لنا أن نعود إلى الجاهلية هذا هو السؤال: لم تكن تلك الفقرات إلا واحدة من فقرات كتبها درويش معلقا على الحملة التى واجهها بعد أن قرر المجىء لمصر.

لكن أشرسها ما تعرض له من مجلة الحوادث اللبنانية التى وضعت صورته على الغلاف فى عدد 26 فبراير «شباط» حيث كتب «ربيع مطر» مقالا بعنوان: «ليته يعود إلى إسرائيل».
اللافت للنظر أن الناقد الكبير رجاء النقاش اعتقد فى كتابه الشهير "محمود درويش شاعر الأرض المحتلة " أن ربيع مطر اسم مستعار للكاتب الفلسطينى غسان كنفانى . لكنه لم يقدم دليلا على هذا الزعم لكن ما تشير إليه "الحوادث" فى تبرير موقفها "أنها فوجئت بقرار درويش إعلان هجرته لفلسطين ولجوئه إلى القاهرة "ليكون أكثر قربا من فلسطين بعدما أصبح مشلول الحركة والحرية من ضراوة الكبت والتعصب الإسرائيلي".
وقالت المجلة "إن غلافها (وعليه صورة درويش) كان قد أعد لتصدر به المجلة عندما ينعقد المؤتمر الوطنى الفلسطينى فى القاهرة ويفاجأ العالم بعضوية درويش ممثلا عن عرب فلسطين المحتلة قبل 1948 . 
وأوضحت المجلة أنها كانت ولا تزال تعتبر محمود درويش «ظاهرة تألقت فى أحلك لحظات اليأس، لتؤكد أصالة أمتنا العربية وصلابة الشعب الفلسطينى الذى صمد بعروبته ضد أبشع أنواع السحق القومى والعنصرى» وقالت: "فى أشعاره كان دائما ضد السفر من فلسطين»، بل نشرت المجلة فى العدد نفسه مقابلة أجراها معه من موسكو الكاتب والناشر أحمد سعيد محمديه (وهو ناشر من أصل فلسطينى ذهب سنة 1963 إلى بيروت وانضم إلى أسرة تحرير مجلة الحوادث كمحرر لصفحتها الأدبية، ثم انتقل إلى صحيفة الأنوار ، وفى سنة 1970 ترك الوظيفة، وأسس دار العودة التى نشرت الأعمال الأولى لدرويش وإتاحتها عربيا) وفى هذه المقابلة كان رأى درويش ضد الهجرة من فلسطين "وتساءلت المجلة فلماذا غير رأيه؟ واختار على حد زعمها أن ينضم لقافلة الذين يبتعدون عن وطنهم ليكونوا أكثر قربا منه.
وجاء فى المقال المنشور ضمن الملف الوثائقى «يا محمود يا أحلى ابن تفتح له الأمة العربية ذراعيها، لن نحدثك عن مأساة الواقع العربى الذى يوشك أن يعتصرك».
ونحن لا ندرى ما المشاكل القانونية التى ترتبت على قرارك، ولكنك ما زلت محتفظا بجنسيتك "المترجمة" كما تصفها ومن ثم نقول لك من قلب يحبك ويعتز بك: "نحن فى مرحلة العودة والإصرار على البقاء، انتهت وإلى الأبد مرحلة الهجرة، فليتك تعود إلى إسرائيل.. إلى السجن، ليتك تعود مهما كان الثمن الذى ستدفعه من حريتك وحتى من فنك وشعرك.. مكانك إلى جانب "الطاحون" حتى لو سجنوك فى الصمت، فصمتك فى فلسطين أبلغ ألف مرة من شعرك فى سوق عكاظ العربى الذى سيقام لك
عد فقد اخترت وليس لك أن تتراجع
فقد عينت نفسك مندوب جرح لا يساوم 
علمتنى ضربة الجلاد 
أن أمشى على جرحي
وأمشى .. ثم أمشى وأقاوم
وفى مثل وظيفتك هذه الاستقالة ممنوعة 
 
> > > 
ما طرحته مجلة الحوادث هو نموذج للهجوم العنيف الذى لقيه درويش نتيجة لموقفه بعد خروجه من إسرائيل، ووفقا لرجاء النقاش فقد ترددت وجهة النظر هذه كثيرا فى صفوف الرأى العام العربى والأدبى على وجه الخصوص. 
ولأن انتقال درويش لمصر كان على نحو ما قرار اتخذته الدولة المصرية فقد بدا واضحا جدا أن الإعلام المصرى جند نفسه فى جيش الدفاع عن درويش وقراره، فقد أعادت مجلة "روزاليوسف" فى عددها الصادر فى 15 مارس 1971 مقالا كانت قد نشرته صحيفة الاتحاد العربية التى تصدر فى حيفا وعنوانه "محمود درويش لم يرحل" ورجح رجاء النقاش فى كتابه أن كاتب المقال هو إميل حبيبى الذى كان بمثابة الأب الروحى لدرويش حتى خروجه من إسرائيل.  
كما بدأ الشاعر أحمد عبد المعطى حجازى المواجهة بمقال نشرته مجلة "روز اليوسف" بتاريخ 22/2/1971 جاء فيه "أنت تعلم يا صديقى أن كل العيون الآن مفتوحة عليك، عيون شعبك العربى فى كل أقطاره وعيون رفاقك فى الأرض المحتلة، وعيون أعدائك أيضا.
وأنت تعلم أيضا أن الناس الذين طعنوا بما فيه الكفاية، وخدعوا بما فيه الكفاية، يحق لهم أن يشفقوا عليك وعلى أنفسهم من المصير الذى ينتهى إليه فى العادة نضال اللاجئين السياسيين، وهو أن يقبعوا فى ركن مقهى، بل لقد وجهت إليك أسئلة وملاحظات توحى بهذه الشفقة، وربما قرأت فى بعض صحف عواصم عربية أخرى تعليقات تصرح بها.
يدافع حجازى فى مقاله عن درويش (الشاب) إذ اتهمه البعض آنذاك هو ورفاقه بأنهم "ظاهرة إسرائيلية" خصوصًا حين شارك هو وسميح القاسم فى مهرجان الشبيبة فى صوفيا (بلغاريا) ويؤكد حجازى أن الوقائع تكذب هؤلاء، فـ "الإسرائيليون" لم يتيحوا لدرويش ورفاقه إلا الاضطهاد والقهر، إلى أن يقول: "لقد قدمت القاهرة ببالغ الإعزاز نصيبها فى الحرص عليك حين هيأت لك مكانك فى "صوت العرب" وبقى أن تواصل أنت تقديم نصيبك".
 
> > > 
هكذا يمكن أن نقف على بداية عمل درويش فى القاهرة، وتحديدا فى إذاعة "صوت العرب" (ضمن الملف وثيقة تشير إلى ظروف انتقاله من صوت العرب إلى الأهرام بعد ذلك).
إذ يقترح حجازى فى مقاله، الذى أشرنا إليه، على درويش عدة مقترحات، أو يقدم له نصائحه:"أقترح عليك فى البداية أن ينصب نشاطك فى صوت العرب فى مجال أساسى هو البرنامج العبرى الذى تستطيع أن تسهم فى التخطيط له وفى تحريره، وهذا تخصص نحن فى أشد الحاجة إليه، فأنت لا تتكلم العبرية، كما يتكلمها سكان "إسرائيل" فحسب، بل أنت أيضا تفهم روح هؤلاء القوم، وتعرف ماذا يؤثر فيهم ويثير انتباههم ويخاطب عقولهم ".
ويواصل حجازى اقتراحاته "أقترح عليك أيضا أن تبدأ مشروعا لترجمة الأدب "الإسرائيلي" الحديث إلى لغتنا العربية، إن أعداءنا يعرفوننا عن طريق كاتب مثل نجيب محفوظ أضعاف أضعاف ما يعرفوننا عن طريق أجهزة أمنهم وجواسيسهم".
ويقترح على درويش ترجمة شعراء معينين، تحديدا أولئك الذين بدأوا حياتهم الشعرية بالروسية ثم تحولوا إلى الكتابة بالعبرية، وذلك لمعرفة كيف يستطيع الشاعر أن يغير لغته فى عشرين عاما ومع ذلك يظل يكتب الشعر.
ويختتم مقاله قائلا:"لقد قلت لى فى حديث سابق إن الصراع سيكون طويلا، لأنه صراع تاريخى معقد، لن يحسم قبل أن ينضج، فلندخله مسلحين، والوقت أمامنا ومن يدرى يا محمود ألا يكون مقامك فى القاهرة بداية لأن تشعل نشاطا وتثير روح العمل من أجل ما نطالبك بأن تقوم به وحدك".
قرأ محمود درويش كل تلك المقالات وغيرها لكنه لم يفكر ماذا يفعل فى القاهرة، فقد ترك نفسه فى معية أحمد بهاء الدين الذى ضمه لهيئة تحرير "المصور "، وكانت "دار الهلال" بتعبير يوسف القعيد الذى لم يعاصر وجود درويش فى الدار، هى الأرض العربية الأولى التى يعيش عليها بعد أن أجبر على ترك فردوس عمره وقضية حياته فلسطين، على أن علاقة محمود درويش بدار الهلال تبدأ قبل حضوره إليها بكثير .
يضم أرشيف "المصور" الكثير من المواد التى تؤكد عمل درويش فيها، فبخلاف القصائد التى ظلت المجلة تنشرها عقب وصوله للقاهرة (وبعضها فى الملف الوثائقي) قدمت فى عددها الصادر فى (9 أبريل 1971 أى بعد حضور درويش بشهرين، مقالا له بعنوان: «هل تسمحون لى بالزواج»؟
فى المقدمة كتبت المجلة التالى (هذا هو المقال الأول الذى يكتبه شاعر الأرض المحتلة بعد انضمامه الى أسرة تحرير المصور) ويبدو المقال المنشور هنا كأنه وثيقة دفاع أراد منها درويش تبرير اختياره للقاهرة مقرا لإقامته الجديدة، لكن الأهم من وجهة نظرى ما يشير إليه بشأن الوجود العربى فى إسرائيل إذ يقول:"لا يمكن مطالبة أقلية قومية مسحوقة بتحقيق ما عجزت عنه أمة كاملة، وقدرة العرب على الفعل مرتبطة ومشروطة بقدرة الشعوب العربية على هذا الفعل.
والكثير مما طرحه يبدو اليوم أقرب لإجابات عن اسئلة مطروحة ومنها مدى جدية الرهان على فرص الحوار مع القوى التقدمية داخل اسرائيل حيث يقول :"أنا يائس من قدرة العرب فى إسرائيل المتحالفين مع القوى اليهودية التقدمية على إجراء أى تغيير جوهرى فى الداخل طالما لم توفر الظروف العربية الخارجية قاعدة مادية لهذه الإمكانية».
راهن صاحب "سرير الغريبة "فى تلك السنوات على ما تبذله القاهرة من جهود كمدخل للحل أولا لحسم تناقضات الفصائل الفلسطينية بعد معركة أيلول الأسود، وثانيا فى إدارة الصراع العربى الإسرائيلى أو كما كتب: «لا يمكن بناء أية حسابات جادة إلا على قلة من الدول العربية ذات الإمكانية والرغبة فى العمل، وفى مقدمتها القاهرة».
ويمكننا القول إن أحد مقاييس الوطنية الحقيقية هو الموقف الذى يتخذه المواطن العربى من القاهرة.
عرف درويش وكتب أن أسباب الحملة التى انطلقت ضده بعد أن قرر المجىء لمصر سببها الوحيد هو اختيار القاهرة كملاذ. وكتب بوضوح :"إن اختيارى الإقامة فى القاهرة هو من الأسباب الأساسية التى حركت الحملة العنيفة على "وتابع: "إنى إرث الأحقاد القديمة والقادمة على القاهرة، ولقد شعرت بالحاجة إلى حك دمى – لا جلدى – فى هزة الحب التى اجتاحتنى وأنا فوق الغيوم فى الطائرة القادمة من بيروت إلى القاهرة، وأنا أقرأ موسوعة التحريض على والمطالبة برأسى".
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg