رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

المجلة



«درويش» وموسكـو لغز يبحث عن حل.. تعرف على الدور الذى لعبه مراسل «الأهرام» فى الصفقة

11-8-2018 | 14:38

بعد عودته من صوفيا، جاء درويش إلى موسكو فى منحة للدراسة بمعهد العلوم الاجتماعية كانت تدبرها الأحزاب الشيوعية، وكما أشار فى حواره مع عبده وازن ( الغريب يقع على نفسه / دار رياض الريس ) فقد حاول من هناك السفر إلى فرنسا، لكن السلطات الفرنسية رفضت دخوله. 

فى تلك الفترة كان عليه أن يتعلم القليل من الكلمات الروسية لتيسير حياته اليومية، ومنحته الفترة القصيرة التى عاشها فى روسيا الكثير من حيث الشعور بالحرية، بعد فترة الإقامة الإجبارية والتضييقات التى فرضتها عليه السلطات الإسرائيلية فى وطنه، ومنها عدم الاعتراف به كمواطن فى الدولة، ولهذا رفض طلبه فى الحصول على جواز سفر إلى الخارج على مدى فترة طويلة.. وحتى لم يسمح له بزيارة أهله قبل السفر. وقد أتيحت له الفرصة بموسكو للقاء العديد من الشخصيات الثقافية العربية مثل الكاتبين اللبنانيين حسين مروة ومحمد دكروب والروائى العراقى غائب طعمة فرمان والشاعر السودانى جيلى عبدالرحمن، وكذلك سهيل إدريس صاحب مجلة" الآداب" اللبنانية وغيرهم من الشخصيات الثقافية التى كانت تأتى إلى موسكو فى تلك الفترة.
توطدت صداقته مع عبدالملك خليل، مدير مكتب جريدة الأهرام فى الاتحاد السوفيتي، ويبدو أن هذا الرجل بـ" سيرته المثيرة " قد لعب الدور الأكبر فى إقناعه بالمجىء لمصر وربما كان مهندس العملية كلها .
 
الذين عرفوا هذا الرجل يقولون إنه لم يكن "صحفيا عاديا" فقد عمل على مدى 40 عاما مديرا لمكتب "الأهرام" بموسكو، وكان قلبه موزعا بين شطرين وهب نصفه إلى وطنه والنصف الآخر إلى روسيا، كما قالت وكالة الأنباء الروسية عند تشييعه وكان قد توفى فى إبريل 2009 .
 
وقال جميع الذين جاءوا إلى الملحقية الثقافية المصرية، إلى أمسية تأبينه فى 21 ديسمبر 2009 أنه كان حلقة وصل بين شعبين وبين ثقافتين ومارس دورا بارزا فى العلاقات بين البلدين.
ووفقا لمعاصرين ولتقارير صحفية كتبت عن خليل كان رجلا حلو السجية طيب المعشر ومتواضعا جدا، وعرف كيف يثمن محدثه، ويبدى الإعجاب بالآخرين، أضف إلى ذلك أن سيرته الذاتية نفسها جديرة بالإعجاب والاقتداء بها" فأرملته الروسية السيدة تاليا وصفته بالرجل الصريح، ولكن كان لديه فى دخيلة نفسه عالمه الخاص الذى تضمن الكثير من الأوجاع والآلام.
فقد عبد الملك والديه فى طفولته المبكرة، وأمضى فترة ستة أعوام فى السجن حين كان طالبا فى السنة الأخيرة فى الجامعة بسبب انتمائه لمنظمة شبابية يسارية، وكان من جيل الرومانسيين والمثاليين، والفلاسفة والثوريين، والعصاميين.
 
وكان الاتحاد السوفيتى بالنسبة للكثيرين منهم تجسيدا للمثل الأعلى والحلم. ومما له دلالة بالغة، أن عبدالملك غادر السجن وتخرج فى الجامعة العام الذى زار فيه نيكيتا خروشوف القاهرة، وافتتح مع جمال عبد الناصر السد العالى فى أسوان.. وأصغى يومئذ إلى الشعارات الصاخبة والمبادرات العظيمة والقسم على الوفاء للصداقة بين الشعبين.
وشهد عبدالملك الذى بدأ حياته الصحفية بالعمل فى صحيفة "الأخبار"، صعود وانهيار الصداقة السوفيتية – المصرية، والعناق الودى وعهد الاغتراب، وفيما بعد المحاولات لاستعادة ما فقد.
لكن عمله فى مكتب "الأهرام" بموسكو خلال تلك السنوات كما قالت زوجته:" لم يكن ذلك بالنسبة له مجرد عمل بل أداء خدمة وإبلاغ رسالة ". خدمة الحقيقة كما كان يراها ويتفهمها، وخدمة الحلم والفكرة. ولم تكن مقالاته تتضمن انطباعاته الشخصية فحسب، ورؤيته أيضا بصدد ما يجرى من أحداث، بل تضمنت التحليل الثاقب وعمق الفلسفة وتحول من صحفى إلى خبير فى الشئون الروسية وخادم لمصالح الدولة المصرية، لذلك أدى الكثير من الأدوار التى تخدم هذه القناعة ففى مقال كتبه السفير د عزمى خليفة لرثاء خليل فى عدد الأهرام (22 إبريل 2009 ) إشارة دالة إلى أن عبد الملك خليل كان حلقة وصل مهمة بين السوفيت ومصر بعد قرار الرئيس السادات بطرد الخبراء السوفيت فى يوليو 1972، فقد عقدت اجتماعات فى بيت مراسل الأهرام ضمت مسئولين سوفيت وموظفى السفارة المصرية. 
 
لا تعرف الابنة منى عبد الملك، التى تواصلت معها، الظروف التى التقى فيها والدها مع محمود درويش فى موسكو، لكنها تشير إلى أن العلاقة بينهما كانت وطيدة كما علمت من والدها قبل رحيله.
 
منى التى كانت مديرا تنفيذيا لمؤسسة معنية بترجمة الأدب العربى للروسية قالت إن أرشيف الأهرام يعرف أكثر وهذا صحيح إذ يكشف كيف أقنع عبد الملك خليل درويش بنشر قصائده فى الأهرام بشكل منتظم ثم جاءت ترتيبات المجىء للقاهرة.
 
وكانت البداية فى 31 مايو 1970 حين نشر قصيدة عنوانها (غزال ودم) قدم لها عبد الملك خليل (فى الملف الوثائقي) ومعها لوحة جميلة رسمها الفنان الكبير محمد حجى الذى زينت رسومه بعد ذلك مجلة الطليعة، وعرف باهتمامه بالقضية الفلسطينية وبعد 8 أشهر من نشر القصيدة كان درويش فى مطار القاهرة. 
لكنه قبل أن يغادر سرا وكما يشير موقع (براقش) الإلكتروني، كان قد اجتمع مع لفيف من المثقفين العرب فى شقة الكاتب السورى سعيد حورانية بموسكو فى حفل وداع تقليدى بعد انتهاء فترة دراسته فى المدرسة الحزبية العليا التى كان يتعلم فيها المبعوثون من الدول الأجنبية. 
 
وكان اسم الشاعر على جميع الألسن آنذاك باعتباره شاعر المقاومة، وبالرغم من أن محمود درويش كان يتجنب مخالطة الطلاب والعاملين العرب بموسكو بحكم أن وجوده فى العاصمة الروسية مثل غيره من مبعوثى الأحزاب الشيوعية العربية والأجنبية كان محاطا بالسرية، فإنه كان يلتقى بهم أحيانا وحتى أقيمت له أمسية شعرية ألقى فيها بعض قصائده. وبدا محمود فى ذلك اليوم لطيفا وحلو المعشر _ وفقا لوصف الموقع - وكان يصغى باهتمام إلى أحاديث الآخرين معه، لكنه كان فى الوقت نفسه شارد الذهن، وغالبا ما كان يختلى مع عبدالملك خليل مراسل "الأهرام" بموسكو ويدور بينهما حديث خاص. وصرح محمود للحاضرين بأنه عائد إلى إسرائيل، لكن عرف فيما بعد أنه توجه من موسكو إلى القاهرة حيث أعلن "إننى غيرت موقعى ولم أغير موقفي!". ويبدو أن الرحلة دبرت بمعونة عبد الملك خليل. وقد حاول رب البيت سعيد حورانية إثارة جو من المرح فى الأمسية الوداعية، وشارك محمود درويش فيها، بينما تعلقت بالشاعر الفتاة - المستعربة (ماشا) التى قامت بترجمة وإصدار مجموعة من أشعاره باللغة الروسية لاحقا 
 
ولاحقا أيضا سيعمل حورانية مراسلا لمجلة الطليعة التى كانت تصدرها الأهرام برئاسة تحرير لطفى الخولى والتى انضم محمود درويش لهيئة تحريرها فى يناير 1972 مع ظهور ملحقها الإبداعى الشهير. 
 
لكن اللقاء الاستثنائى فى تلك السنوات كان مع أحمد بهاء الدين
وما أدراك ما (بهاء).
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg