المجلة



مشاهد من رحلة الخروج.. لماذا رفض رفعت السعيد مقابلة «درويش» فى بلغاريا؟

11-8-2018 | 14:03

 خرج محمود درويش  من إسرائيل لأول مرة فى العام 1968  للمشاركة فى مهرجان الشباب في  العاصمة البلغارية «صوفيا»، وكان ضمن أفراد وفد إسرائيلى غير رسمى جاء لحضور المهرجان.

يحكى رجاء النقاش  فى كتابه عن شاعر الأرض المحتلة، كيف أن إدارة مهرجان الشباب فى صوفيا، رفضت اشتراك أى وفد رسمى من إسرائيل بناء على طلب الوفود العربية المشاركة فيه.
كانت  بلغاريا  من بين الدول التى قطعت علاقاتها الرسمية مع إسرائيل فى أعقاب عدوان 1967،  لذلك قبلت إدارة مهرجان الشباب  اشتراك الشباب الإسرائيلى بوفد شعبى لا علاقة له بالسلطات الإسرائيلية .
جاء هذا الوفد بالفعل مكونا من الحزب الشيوعى الإسرائيلي، وكان معظم أعضائه من الشباب العربى داخل إسرائيل والمنخرط فى عضوية الحزب الشيوعى «راكاح» وكان  درويش  ومعه سميح القاسم  من أبرز هؤلاء وكان الجناح العربى للحزب الشيوعى فى فلسطين المحتلة، يقوده شخصيتان عربيتان هما  الروائى إميل حبيبى صاحب الرواية الفاتنة «الوقائع الغريبة فى اختفاء سعيد أبى النحس المتشائل» ومعه توفيق طوبى.
خرج درويش والقاسم  من حيفا  إلى صوفيا  بغرض يحدده النقاش هو «خدمة القضية الفلسطينية» والتواصل مع شباب العالم والشباب العربى، لكن صحفا عربية كثيرة  قادت حملة ضد هذا الوفد، وتحدث البعض  عن صورة لمحمود درويش  وهو يقف رافعاً العلم الإسرائيلى فى هذا المهرجان وهى صورة لم يرها أحد.       
تواصلت الاتهامات ضد درويش وصديقه سميح القاسم، لأنهما كانا يحملان «جواز السفر» الإسرائيلى، وأنهما فى أحاديثهما المختلفة  بعد 1967 قد هاجما العدوان الإسرائيلى على الأراضى العربية، ولكنهما لم يطالبا بإزالة الكيان الإسرائيلى كله.
كانت  هذه اللغة  التى تتضمن الكثير من المزايدة طبيعية فى تلك السنوات،  وتعكس الغضب الناتج عن الهزيمة ، فالجراح كلها ساخنة.
 
(1)
كأنه شبح
عقب وفاة درويش كتب الروائى يوسف القعيد مقالا، استشهد فيه بشهادة   للقيادى اليسارى الراحل الدكتور رفعت السعيد  الذى شارك فى مؤتمر «صوفيا» ضمن وفد مصرى يمثل الأحزاب اليسارية،  ومما ذكره أن درويش حاول الاتصال بالوفد المصرى، من خلال فؤاد نصار، أمين عام الحزب الشيوعى الأردنى.. وأبدى رغبته فى أن يلقى أشعاره أمام المصريين، لكن طلبه رفض  تماماً، فالرجل كان يحمل جواز سفر إسرائيليا.
ولم يكن موقف الوفد المصرى استثنائيا،  لأن موقف الوفد السوري  كان أكثر تشددا، فكما  كتب الكاتب الأردنى صالح القلاب  فى مقاله «المشاكس الذى بقى فى قلب الحالة الفلسطينية»،  فقد وجد الشاعر عداءً مكشوفاً من قبل وفد حزب البعث (السوري)، لنفس الأسباب.
لم يعرف محمود درويش، برغم القطيعة التى لمسها خلال مهرجان الشباب العالمى هذا، أن دمشق أصدرت قراراً رسمياً بمنع قصائده ودواوين شعره، وأن حزب البعث فصل الكاتب الفلسطينى فيصل الحورانى المقيم حالياً فى النمسا من عضويته، لأنه تجرأ واتصل بشبيبة الحزب الشيوعى الإسرائيلى (راكاح)، ولأنه التقى هذا الشاعر الفلسطينى وزميله سميح القاسم على هامش هذا المهرجان، الذى كان يتكرر سنوياً، ويُقام كل عام فى إحدى العواصم «الشيوعية» أو «التقدمية».
والأكيد أنه كان من الصعب وقتها اللقاء مع أى قادم من إسرائيل حتى لو كان عربيا، لكن المفارقة الأكثر فداحة أن درويش قبل هذا الطلب كان قد أصبح نجما فى الصحافة المصرية فمجلة  كبيرة مثل (الهلال) وهى تحت رئاسة تحرير قامة كبرى مثل كامل زهيرى نشرت  قبل  مهرجان صوفيا  بفترة وجيزة جدا  (عدد مايو 1968) (مرفق الغلاف فى الملف الوثائقي) ديوان محمود درويش الشعري: (آخر الليل)  وهو من أوائل دواوينه التى تنشر خارج  الأراضي  المحتلة، ونوه زهيرى  فى تقديمه للديوان إلى أنه النص الكامل لأحدث ديوان أصدره الشاعر محمود درويش فى فلسطين المحتلة بعد 5 يونيو وقد صادرته السلطات الإسرائيلية.  
كان نشر ديوان من الشعر ضمن مواد عدد خاص من مجلة ثقافية هى الأولى والأقدم بين مجلات الثقافة العربية. فى ذلك الوقت كان حدثا وأى حدث. واعتبر محمود درويش أن هذا النشر قدمه للقارئ المصري، أكثر  من مجلة "شعر " البيروتية الشهيرة  التى كانت احتفت بقصائد له ضمن ملف شعراء الأرض المحتلة لكن تأثيرها  كان  نخبويا بحكم  طبيعة جمهورها  وليس فى السياق الجماهيرى الذى  يحبه درويش وأحدثه النشر فى «الهلال» بتاريخها العريق، خصوصا أن  المجلة لم تقرر  قبلها أبدا أن تنشر ديوانا شعريا، لذلك قوبلت نصوصه بترحاب كبير، ففى العدد الصادر بتاريخ ٢٤ مايو ١٩٦٨  من مجلة المصور كتب الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور  مقالا عن درويش عنوانه "القديس المقاتل".
رأى فيه  أن هذا الديوان "يتحدث للمرة الأولى بلهجة المشارك، لا بلهجة المشاهد، وينسخ بذلك كل ما سبق أن قيل، ويضع علامات الطريق لمن يريد أن يقول بعده".
كان الديوان  بتعبير  الشاعر عزمى عبد الوهاب فى كتابه «وجوه تطل من مرايا الروح» "يجيب عن أسئلة كثيرة شغلت عبد الصبور، مثل:"كيف نعبر عن القضية الفلسطينية؟ وبأى كلمات نستطيع أن نخاطب بالمأساة قلب الإنسان، وأن نخلق للجرح فمًا ولسانًا فصيحًا، وكانت تثقلنا فى بعض الأحيان بأغلال عنتريتنا الجوفاء، فنصرخ ونتوعد ونكذب حتى على أنفسنا".
يقول عبدالصبور:"كان شعر فلسطين فى معظمه ضائعًا بين العنترية الجوفاء والبكاء الذابل، حتى كتب محمود درويش ورفاقه، لقد تكلموا فحسب كلمة صادقة حزينة حزن الرجال، فأثبتوا أن الشعر هو صوت الإنسان حين يتكلم من قلبه، وبصوته الخاص، لا بأصوات الآخرين، والمجموعة الباذخة التى نشرتها مجلة الهلال فى عدد مايو (١٩٦٨) الأخير من شعر محمود درويش هى فى رأيى حدث فنى من أحداث حياتنا، ولو استطعت أن أتجرد من ظلال قضيتنا المصيرية، وتذرعت بالحس النقدى وحده، لما تغير رأيى قليلا أو كثيرا، فهى شعر، وشعر عظيم بشتى المقاييس ( المقال كاملا فى الملف الوثائقي).
 
(2)
المبشر الأول غسان كنفاني
فى العدد الصادر فى يوليو ١٩٦٨ نشر رجاء النقاش مقالا بعنوان "مع الطبيعة فى شعر محمود درويش" شكل أحد فصول كتابه الصادر عنه فيما بعد. عن دار الهلال فى العام 1969  وهذا الكتاب  هو الأول فى سلسلة الكتب التى توقفت أمام تجربة درويش الشعرية ويكتسب أهميته، ربما لهذا السبب ولكونه كرس انطباعا بأن النقاش هو من قدم درويش فى مصر والعالم العربى، وهو ما تصر الكاتبة الكبيرة صافى ناز كاظم على نفيه كـ"شاهدة عيان"، فقبل  نشر هذا الكتاب كان غسان كنفانى هو صاحب البحث والمصدر الأول لإذاعة أنباء وأخبار وأبيات «شعراء الأرض المحتلة».
ومن بينهم درويش وتشير إلى مقال مبكر لعله  أول ما نشر عن درويش فى مصر  كتبه  صاحب "أرض البرتقال الحزين".    
فى عدد مجلة "المصور" الصادر بتاريخ 2/5/1967 مقال عنوانه "محمود سليم درويش شاعر المقاومة الفلسطينية" بدأه بتناول قصيدة درويش "بطاقة هوية" التى باتت معروفة أكثر بأول سطر فيها:"سجل أنا عربي" وأنهاه بقوله:"إن محمود درويش يمثل علامة طليعية بين رفاقه الشعراء العرب فى الأرض المحتلة، وقد وضعه شعره الحاد فى حرب مع العدو، حورب فيها برزقه أولا، ثم أبعد عن قريته، ثم وضع فى السجن، ومن داخل ذلك السجن كتب أجود شعره وأكثره عنفًا وتحدياً"
وترى صاحبة «تلابيب الكتابة» أن مصطلح   «شعراء الأرض المحتلة»، كان مصطلحا جديدا سمعته لأول مرة من فم غسان كنفانى مطلع عام 1967، قبل هزيمة 5/6/1967، حين كانت فى بيروت تحضر مؤتمرا هناك.
وكان غسان يتكلم فرحا بشوشا متوقدا بالبلاغة والحماسة والتأثر، حول بحثه وكشفه ووسائله الفدائية ليحصل على قصائد «شعراء الأرض المحتلة»: ويقول بفخر إنهم البرهان المادى لمقاومة الفلسطينى الذى ظل على أرضه ولم يبرحها منذ اغتصابها عام 1948، لم ينس اللغة ولم ينس الحق ولم ينس... إلخ. وظل غسان يعدد مناقب الذين لم يبرحوا الأرض، ويحكى كيف حاكم هو والده بقوله: لماذا تركت وكيف تحملت الرحيل، وكيف، وكيف؟
كان غسان مفتونا بقصيدة محمود درويش «سجل أنا عربي»، وكانت  صافى ناز منبهرة بقصيدته الأخرى: «يا وجه جدي/ يا نبيا ما ابتسم/ من أى قبر جئتني/ لتحيلنى تمثال سم/ الدين أكبر/ لم أبع شبرا/ ولم أخضع لضيم/ لكنهم رقصوا وغنوا/ فوق قبرك فلتنم/ صاح أنا صاح أنا/ صاح أنا حتى العدم».
تقول صافى ناز :"وقتها: لم تكن المسألة عنده وعندى مسألة شعر فحسب، وإن أطربنا وإن أذهلنا بجماله وقوته وصدقه ونبضه، لم نفكر لحظة فى محاكمته بميزان النقد البارد، كان الأمر بالتحديد يتماثل مع فرحة من عثر على بقية أهله أحياء تحت الأنقاض، لذلك لم أفهم ولم أقبل ما حاوله محمود درويش، بعد ذلك بسنوات، تعديل مشاعرنا بصيحة: «أنقذونا من هذا الحب القاسي» (نشر بمجلة الطليعة / مصر / إبريل 1969  قبل الحضور لمصر»، طالبا نقدا يتعامل مع المستوى الجمالى لشعره وشعر «الأرض المحتلة»، فلم يكن من حقه تصور أن «شعراء الأرض المحتلة» كانوا ظاهرة وجدنا فيها تعويضا معنويا عن هزيمة 5/6/1967.
أهمها تشير إليه صافى ناز كاظم "أن الفرح بشعر هؤلاء  قد سبق هزيمة يونيو، وكان الزمن السابق لهزيمة يونيو لا توجد به أية توقعات لهزيمة كالتى جرت".
وعلى ضوء هذا الفرح يمكن أيضا فهم حماس رجاء النقاش للشاعر الشاب الذى فهم على نحو مبكر أن موهبته  تتجاوز هذا الإطار الذى حاولوا جميعا سجنه فيه.
وكما راهن النقاش فى العام 1966 على الطيب صالح وقدم رائعته "موسم الهجرة إلى الشمال" فعل الشيء نفسه مع درويش، ويبدو أنه تفرغ له كليا خلال العام السابع والستين، ففى مقالٍ لَهُ نَشَرَهُ فى مجلة "المصوّر" المصرية بتاريخ 22 من ديسمبر 1967  يشير إلى أنَّ لمحمود درويش ديوانًا أوَّل عنوانه "للعصافير أجنحة"، ويشير فى المقال التالى – بعد أسبوع - أنَّ عنوانه "عصافير بلا أجنحة"، وأنه منشورٌ فى إسرائيل، وأنَّ ديوانه الثانى هو "عَاشِقٌ من فلسطين".
هذه الملاحظة المهمة رصدها الشاعر أحمد الشهاوى فى دراسة متميزة حاول فيها تقصى سنوات درويش فى مصر  ، ومما لاحظه فيها أن   محمود درويش يُثْبِتُ دائمًا فى ثَبْتِ كُتُبِهِ "أَوْرَاقُ الزيتون" ديوانًا أوَّل لُهُ، و"عَاشِقٌ من فلسطين" ديوانًا ثاَنيًا.
فى 22/12/1967، نشر رجاء النقاش  مقالا  فى مجلة المصوّر بعنوان "مطلوب محاولة عالمية لإنقاذ هذا الشَّاعر"" أمَّا مقاله الثانى فقد جاء بعد أسبوعٍ واحدٍ من نشر الأول، وعنوانه "لماذا لا تتحدَّثُ الدوائرُ الأدبيةُ والفنيةُ فى العالم عن: الشاعر المسجون فى إسرائيل؟ مطلوب من المجلس الأعلى للفنون ترجمة دواوين الشاعر الفلسطينى إلى الُّلغات الأجنبية".
 
(3 )
على صفحات الكواكب مثل نجوم السينما
بطبيعة الحال كان من الطبيعى أن تلفت مثل هذه المقالات وغيرها انتباه المعنيين بالأدب أولا وبالمسألة الفلسطينية ثانيا، لذلك وجدت نصوص محمود درويش مكانا فى قلب السجال المصرى حول الشعر وكانت فى قلب "المتن الشعري" لتلك الأيام لأن صاحبها كان قد تحول من شاعر إلى ظاهرة.
ومن اللافت للنظر مثلا أن تنشر مجلة الكواكب فى عددها الصادر بتاريخ 26 مارس 1968 قصائد لدرويش بعنوان: (الأرض المحتلة مازالت تغنى.. قصائد جديدة للشاعر السجين محمود درويش) مع مقدمة تقول "إنه الشاعر الذى يعيش وراء أسوار إسرائيل يستطيع بقلبه وإيمانه أن يخترق هذه الأسوار ويخترق أيضا حدود الزمن ليرى أن المستقبل للعرب، فهم أصحاب الأرض وهم أهل هذا البيت البرتقالى المسروق: فلسطين، وتواصل المقدمة، أن محمود درويش يعيش فى قلب المأساة ويحملها – كالصليب على كتفيه – ومع ذلك فهو قوى لا يرتعد!
إنه يغنى ويغنى وسيظل يغنى حتى يتحرر
وبعد أن يتحرر لن يجد أمامه إلا أن يغنى أيضا!
المدهش  أكثر أن مجلة الكواكب نشرت فى 27 أغسطس 1968 أيضا قصائد جديدة لدرويش بعنوان  يوميات جرح فلسطينى رسمها الشاعر الكبير مجدى نجيب  وقدمتها المجلة بالتعبير الذى رافق درويش إلى الأبد "شاعر المقاومة فى الأرض المحتلة". وهكذا  قدمت  صحافة  القاهرة  درويش كنجم   وبطل  لكن جنسيته الإسرائيلية جعلت منه شبحا مخيفا على أرض الواقع، لذلك  خافت الوفود العربية ومن بينها أعضاء الوفد المصري  المشارك في  مهرجان (صوفيا ) من التعامل معه، فقد كان مثل (الأسلاك العارية) لن يؤدى الحوار معه إلا إلى "صاعقة"  أو "صدمة ".
لكن الأمور سرعان ما تغيرت وأصبح التواصل مع العرب فى الأراضى المحتلة جزءا من إستراتيجية المواجهة فى سبيل الرد على الهزيمة.
 
(4 )
بناء الجسور
رفض الرئيس عبد الناصر عقب هزيمة 1967  مباشرة كل عروض السلام الإسرائيلية بعودة سيناء فقط إلى مصر مقابل سلام منفرد بين مصر وإسرائيل، وفى حديث له إلى أساتذة وطلبة الجامعات المصرية عقب مظاهرات الطلبة فى نوفمبر 1968 يقول الرئيس جمال عبد الناصر:"أنا عارف مدى الغضب ومدى المفاجأة اللى أصابتنا جميعا بعد النكسة، وبعد اللى حاصل وعارف إن الشعب العربى فى مصر غاضب وحزين لأن جيشه نال هزيمة غير مستحقة، ولأن سيناء تم احتلالها بس أنا بدى أقول لكم حاجة الرئيس تيتو بعت لى رسالة جت له من ليفى أشكول رئيس وزراء إسرائيل بيطلب فيها أنه يقابلنى فى أى مكان فى العالم لنتحدث ولكى نصل إلى حل وبيقول أنه مش هيتعامل معى معاملة منتصر مع مهزوم، وإن إسرائيل مستعدة ترد لنا سيناء من غير شروط مذلة إلا شرط واحد بس أن مصر تبقى دولة محايدة يعنى لا قومية عربية ولا عروبة ولا وحدة عربية نبقى فى حالنا ومالناش دعوة بإسرائيل ولا نحاربها، إسرائيل قتلت الفلسطينيين، وإحنا مالنا، إسرائيل ضربت سوريا إحنا محايدين، ضربت الأردن.. لبنان، مصر مالهاش دعوة وما تتكلمش.
"يعنى خدوا سيناء وطلقوا العروبة والقومية  والوحدة ونبيع نفسنا للشيطان، أنا طبعا قولت للرئيس تيتو الكلام ده مرفوض القدس والضفة والجولان وسيناء يرجعوا مع بعض، إحنا مسئولين عن كل الأراضى العربية، إحنا مسئولين عن حل مأساة شعبنا العربى فى فلسطين، مش هنقبل شروط، ومش هنخرج من عروبتنا، ومش هنساوم على أرض ودم العرب، لن تقبل الجمهورية العربية المتحدة بحل جزئى أبدا، معركتنا واحدة وعدونا واحد وهدفنا واحد تحرير أرضنا كلها بالقوة و لن نقبل مشاريع منفصلة للسلام، حبيت أنقل لكم الموضوع ده علشان تعرفوا أن المشكلة مش سيناء بس، الأمريكان واليهود ضربونا فى 67 علشان يساومونا بيها على عروبتنا وعلى شرفنا وعلى قوميتنا"".
كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، قد حاولتا باستماتة إغواء الرئيس عبد الناصر بقبول صلح منفرد مقابل استعادة سيناء كاملة وبغير قيود لنزع سلاح القوات المسلحة المصرية فى سيناء بشرط الخروج من الصراع العربى الإسرائيلى، لكنه رفض وواصل سياسته فى التأكيد على أن الصرع مع إسرائيل هو صراع عربي  وليس مع مصر فقط. وكانت رؤية عبد الناصر أشمل لمفهوم الأمن القومى العربى الجامع لكل الدول العربية، وكان مؤمنا أن المصالح العربية مشتركة وواحدة، لذا رفض بشدة أن يخرج من عروبته وأن ينعزل بمصر، لذا بدأ التخطيط لرد الاعتبار لفكرة الوحدة العربية ذاتها  للثأر مما حدث فى حرب حزيران - يونيو 1967، وفى نفس الوقت  سعى للتأكيد أكثر فى الخطاب الإعلامى على هذه العروبة الجريحة، فضلا  عن متابعة تطورات الموقف على صعيد صراعات الفصائل الفلسطينية.
كانت مجلة "المصور" تحت قيادة  الراحل أحمد بهاء الدين هى التى تولت عن قناعة  عملية  بناء الجسور مع العالم العربي  من خلال شبكة من المراسلين الأفذاذ وعبر التبنى الواعى لفكرة "عروبة مصر".
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg