رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



محمود درويش يكتب عن «بور توفيق»: أزرق.. أزرق

11-8-2018 | 16:55
سيد محمود

مقال نادر كتبه محمود درويش عن زيارته لمدينة بور توفيق برفقة الجنود المصريين خلال حرب الاستنزاف وأعادت مجلة «الهلال» نشره في عدد أكتوبر 1976 

رأيت مياها كثيرة فى حياتى، لكننى لم أر ماء فى مثل هذه الزرقة الداكنة.
 
وشاهدت رمالا كثيرة فسيحة، لكننى لم أشاهد رملا ممتلئا بالوضوح والغموض معا مثل هذه الرمال الشرسة.
 
وعشت أماسى كثيرة تحاذى المجهول، لكننى ما عشت مثل هذا المساء الذى يتناوب علاقة عجيبة مع المجهول.
 
ورأيت جنودا كثيرين، لكننى ما رأيت، قبل الآن، كيف تقف عيون التاريخ على أصابع هؤلاء الجنود.
 
وعرفت الصبر والقهر والغيظ، لكننى أقرأ الآن، ولأول مرة، صدر البركان المتأهب لانفجار.
 
وتعرفت على أنواع كثيرة من الصمت، لكننى لم أر صمتا أكثر حكمة وقسوة من هذا الصمت الرابض، كالأعجوبة على قناة السويس.
 
نحن نثرثر فى كل مكان، ابتداء من غرفة النوم حتى المذياع، ونكتشف فى أنفسنا مواهب مفاجئة فى فن الحرب والعذاب والبسالة، لكن الحقيقة الوحيدة تبقى هناك.. على ضفاف قناة السويس.
وموقفنا من هذه الحقيقة الدامية، هو وحده الذى يمنحنا حق الكلام أو يحرمنا من حق الكلام عن الوطنية والقومية والاشتراكية وغيرها من القيم التى أوقفتها التطورات المفجعة على مفترق طرق خطيرة، على ضفاف قناة السويس، ذلك لا يعنى أن قيمنا أصيبت بالشلل أو يجب أن تصاب بالشلل إلى حين الخروج من مفترق الطرق هناك، لكن يعنى أن العلاقة بينهما صارت أعمق وأخطر مما يتصور البعض، وأن التأثير المتبادل بينهما يترك آثارا قد تتشابه فى العمق والمدى: لن نتمكن من التقدم بقيمنا نحو التنفيذ الجاد ما دمنا عاجزين عن التحرك هناك. ولن نتمكن من التحرك هناك ما دمنا عاجزين عن التقدم بقيمنا.
 
والحرب هناك لا تكتب بالحبر والمزاج، أنها لغة الموت الحقيقية. وهى ليست قصفا إذاعيا يعقبه نشيد الختام السلبى. إنها الصمت الفاعل الذى يعقبه انفجار البارود واللحم البشرى. إنها مهارة الموت الذى يرد إلى التاريخ نكتته الممجوجة التى أطلقها ذات يوم عندما كان شغوفا بالمزاح.
 
«إن زرقة السويس تشطرنى شطرين».. هذه السطور كتبتها قبل حرب تشرين «أكتوبر» بعامين ونصف العام، عندما زرت مدينة بورتوفيق برفقة الجنود المصريين الذين كانوا ينتظرون اندلاع العاصفة النارية بصبر أسطورى. أسجلها الآن وأقبل الأيدى التى صافحتها فأعطتنى مجدا لا أستحقه.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg