رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

المجلة



عندما كتب محمود درويش: لماذا خرجت من إسرائيل؟

11-8-2018 | 13:25

النص الكامل لبيان الشاعر محمود درويش فى المؤتمر الصحفى الذى عقد فى مبنى التليفزيون بالقاهرة فى 11 فبراير 1971

 
أريد أن أعلن منذ البداية أنى أعتبر مسألة وجودى الآن فى القاهرة، مسألة شخصية أتحمل وحدى مسئولية اختيارها، وسأبذل منتهى جهدى للحيلولة دون تحويلها إلى موضوع للمناقشة والأخذ والرد، وكان من الممكن وربما من الأفضل حصر المسألة كلها فى حدود ضيقة، لولا أن الظروف التى خلقتنى والقضية التى قدمتنى للناس قد ربطت اسمى بقضية عامة، وهذه القضية العامة هى العنصر الأساسى الذى دفعنى لاختيار موقع جديد فى الجبهة التى أحارب فيها، ومن هنا، لم يعد من حقى أن أتصرف كمسافر أو سائح، ولهذا السبب أشعر أننى مطالب أمام نفسى وأمام الرأى العام بتقديم بعض التحديدات العامة لأتابع بعدها طريقى:
 
- إننى ألح كثيرا على أن يكون مفهوما لجميع الناس أن الخطوة الخطيرة التى اتخذتها نابعة من اعتبارات خدمة القضية من مواقع تبدو لى أكثر انطلاقا وحرية، وقد تمنحنى مزيدا من القدرة على التعبير والعمل أكثر مما كنت قادرا على عمله فى بلادى، إننى قادم من منطقة الحصار والأسر إلى منطقة العمل، ولا يساورنى أى شك فى أن الرأى العام العربى، وربما العالمى أيضا، قد أصبح أكثر وعيا بواقع الاضطهاد الإسرائيلى للمواطنين العرب فى بلادهم.
 
وما جئت إلى هنا لإدانة هذا ا لواقع، لذلك فإنى فى حل من عرض لائحة الاتهام الخطيرة. لكن ما يهمنا هو أن هؤلاء المواطنين يمارسون البطولة ممارسة يومية بتمسكهم بحق الانتماء الوطنى، وبرفضهم المسئول الانضمام إلى الغربة خارج الوطن. لقد آثروا الاغتراب وتحمل القهر داخل الوطن، ولقد كنت شخصيا وما أزال أحب الذين أعطوا شبابهم وطاقتهم لهذا الصمود، وما زلت أعتبر نفسى واحدا من هؤلاء المواطنين الشجعان الذين يكافحون، وظهورهم إلى الحائط ويستمدون الطاقة والأمل من معركة التحرر والبناء والتقدم التى تخوضها شعوبهم خارج أسوار إسرائيل. وأقول لكم - أيها الأصدقاء - بصراحة تامة إننى لاقيت من الحزن قدرا لا يجوز الحديث عنه هنا عندما قررت - مرغما - الانفصال الجغرافى عن أولئك المواطنين. لكننى أحاول أن أجد عذرى
فى أننى أصبحت مليئا بالإحساس بأننى أقترب يوما بعد يوم من نقطة العجز عن القيا م بواجبى كمواطن أولا وشاعر ثانيا، بسبب ظروف الكبت الذى أتعرض له.
 
لقد أصبحت مشلول الحركة تماما ومشلول الحرية فى التعبير، ولقمة سهلة فى فك العنصرية الإسرائيلية، وأصبحت مهددا بخطر التعلق على مطاط الصيغ الدبلوماسية لكى أنجو من القانون، إننى لا أشكو لكننى أحاول القول إن شعرة معاوية بينى وبين القانون الإسرائيلى قد انقطعت، وأن طاقتى على الاحتيال والتجاوز قد نفدت، خصوصا أننى لم أعد منتميا إلى شعب يطلب الرحمة ويتسول الصدقات، لكننى أنتمى إلى شعب يقاتل.
 
من أنا؟
هل أنا مواطن إسرائيلى بمحض اختيارى، أم أنا مواطن عربى فلسطينى؟ وإذا كنت كذلك، ففى أى صف أقف. إن قلوبنا واضحة الدقات لكننى مطالب بتحويل مشاعرى إلى كلمات.. من هنا، أصبح تناقض الانتماءين بسبب إصرار الحكم الإسرائيلى على السير فى المغامرة حتى النهاية وحرق أى جسر للعودة. إنى أتمزق مرتين: مرة على شعبى.. ومرة على المواطنين اليهود الذين يقودهم حكامهم إلى كارثة.
 
أيهاء الأصدقاء..
يصعب هنا وضع الفواصل بين الأدب والسياسة، وأنا كاتب لا يتفرج على الحياة، بل يلتحم فيها. والوطن عندى ليس حقيبة لكنه أيضا ليس جبلا وسهلا. إن وطنى قضية يجب أن ندافع عنها من أى موقع، ولست أول مواطن وشاعر يبتعد عن بلاده ليقترب منها. إننى أشعر الآن كما لم أشعر من قبل بنبض التربة التى انتابتنى وأشعر بمزيد من الأمل المبرر والمشروع، لأننى أعيش وأعمل مع شعبى بالمفهوم الأوسع، لأنى أدافع عن الخاص من موقع العام.
 
إن أهمية ما أكتبه - إذا كانت له أهمية - لا تنبغى أن تكون مستمدة من المكان الذى أكتب منه، بل من القضية التى أعيشها أينما كنت.
ولا أبيح لنفسى أن أتكلم من موقع الدفاع عن النفس، وأنى أتحمل كامل المسئولية عن موقفى وقضيتى، ورحيلى الذى أرجو أن يكون مؤقتا عن وطنى ليس تغييرا لموقف أو قضية، لكنه تغيير لموقع، واختيار موقع راسخ وطيد حمله التاريخ مسئولية تاريخية، وهى مستقبل منطقة الشرق الأوسط كلها. هذا الموقع هو القاهرة التى أصبحت - بحكم التطور التاريخى والظروف الموضوعية - المصدر الأساسى للحركة فى المنطقة.
- وأنا مواطن فلسطينى، لقد لقى شعبى من العذاب والقهر الجسدى والمعنوى ما لا يوصف. إننى لا أدير أسطوانة، لكن ملحمة اقتلاع شعب كامل وقذفه إلى التيه ليست مسألة فلسطينية. إنها خنجر فى كل ضمير إنسانى.
 
ولقد كنت أتمزق كل يوم وأنا أرى منازل أهلى يسكنها غرباء وأسمع منها أغانى انتصار الفاتحين الذين يلاحقون الضحية حتى منفاها ليقضوا على آثارها. لقد رأيت كيف تتغير أسماء الشوارع والقرى والمدن، ولقد رأيت كيف يحرث الناس فى أجساد الآخرين ويستخرجون القمح والتفاح، ولقد رأيت كيف يترجم الشجر والحجر والقمر، ولقد رأيت كيف يزيف التاريخ، وكيف تجرى عملية التنفس من رئات الآخرين. وأكثر من ذلك رأيت كيف تتم عملية مطالبة الضحية بالاعتراف بأنها القاتل. ما زالت إسرائيل حتى الآن، تقدم شعبى إلى العالم بزى القاتل وتدعى أنها الضحية. ولم يكن شعبى يحسن إلا الاستجداء والتسول، ولا يقدم نفسه إلا بطاقات الإغاثة.. إن الوقوف على باب المحكمة الدولية حق، والقرع على أجراس ضمير العالم حق، والبكاء على ذكرى وطن مغتصب حق. لكن الحق ليس حقا إذا كان صاحبه ضعيفا. هكذا الدنيا.. لقد تغيرت الآن صورة شعبى ولم يعد يقدم نفسه ببطاقة الإغاثة، بل ببطاقة الاستشهاد.
لقد وجد شعبى طريقه إلى الحياة عندما اجتاز سرداب الموت، وهذه هى المقاومة وهذا هو الحل.. فأين أقف؟
 
وأنا مواطن عربى.. وقضيتى الخاصة جزء لا يتجزأ من القضية العامة للشعوب العربية، ولا مستقبل لقضيتى إذا لم تعرف مكانها فى هذا التيار المعادى للتخلف والإمبريالية والصهيونية ، والطامح إلى التقدم الاجتماعى والاستقلال والسيادة القومية والوحدة الاشتراكية. وإذا سمحتم لى بالتحدث عن مشاعرى الخاصة، أقول لكم إننى أشعر بالانفعال الشديد والتأثر البالغ بسبب إحساسى بالعلاقة المباشرة مع أبناء شعبى الذين كنت بعيدا عنهم أكثر من عشرين سنة، هذه أول مرة أزور فيها بلدا عربيا منذ طفولتى. إننى أشعر أن كتفي تسعان، ورئتى تكبران، وألمس أسبابا مادية ومعنوية للتفاؤل العلمى والوجدانى.
 
- وأنا مواطن عالمى.. وقضيتى جزء من الحركة الثورية العالمية، وأفخر بانتمائى إلى أسرة التقدم والتحرر والاشتراكية التى تمارس تأثيرها الفاعل لتغيير العالم تغييرا جذريا.. إننا على الرغم من كل القهر والكبت ننتمى إلى الجانب المضىء من وجه عصرنا، ونشعر بسعادة غامرة وبفرح لا حد له بصداقتنا المصرية مع الاتحاد السوفيتى الذى يمارس دورا رئيسيا فى الحركة الثورية العالمية، ويقف فى جبهة الصدام الأولى مع أعداء الإنسان ومعوقات ضرورات التقدم.
ولقد عشت فى الاتحاد السوفيتى طيلة العام الماضى، وأشعر شخصيا بأننى مدين له لأنه أعطانى كل شىء.. من الخبز حتى الأمل التفاؤل العظيم، وإنى واثق بأن حبى للإنسان وللمجتمع السوفيتى بما يمثله من تجربة خلاص البشرية من العذاب هو من أحد مقومات نضالى وفرحى بالحياة.
 
أيها الأصدقاء..
من المعروف لكم تماما، إننى قادم إليكم من صفوف الحزب الشيوعى الإسرائيلى الذى يخوض معركة سياسية مليئة بالضنى والشرف وفى جو خانق من العنصرية والغطرسة الصهيونية والاعتداء الصلف على أبسط حريات الإنسان.
 
ومعروف لكم تماما أن هذا الحزب يضم فى جبهة واحدة متلاحمة كل العناصر المناضلة من المواطنين العرب وخيرة العناصر المكافحة من المواطنين اليهود. إنه يشير إلى إمكانية التعايش الحقيقى والحياة المشتركة السعيدة بين العرب واليهود ويرفع شعار: «مع الشعوب العربية ضد الاستعمار لا مع الاستعمار ضد الشعوب العربية»، وهو يحذر من الهاوية التى يقود الحكم الإسرائيلى المواطنين إليها، إذا ما استمر فى تنكره لحقوق الشعب العربى الفلسطينى والاعتداء على الأراضى فى البلاد العربية وحقوقها وسيادتها.
 
إن من واجبى أن أعلن من هنا أن رحيلى عن بلادى ليس نابعا بأى شكل من الأشكال عن رغبة فى الانسلاخ عن انتمائى السياسى والفكرى. ومن ناحية أخرى أريد أن أعلن أن الحزب الشيوعى الإسرائيلى لا يتحمل مسئولية قدومى إلى القاهرة ولا علم له بذلك، وعلى هذا الأساس فمن حقه الطبيعى أن يتحفظ من هذا السلوك الفردى الذى خالفت به أبسط قواعد التنظيم. وعلى أى حال بودى أن أرسل تحيات حارة إلى الشيوعيين العرب واليهود فى إسرائيل الذين يحتلون مكانهم فى الحركة الثورية العالمية، ومن هذا المكان فإنهم يشكلون حلفاء أمناء لحركة التحرر العربية.
وبعد..
 
اسمحوا لى أن أعبر عن عميق الشكر والامتنان إلى الجمهورية العربية المتحدة، رئيسا وشعبا وحكومة وحزبا، لأنها فتحت صدرها الواسع لى وأعطتنى من الحب والفرح والأمل مؤونة معنوية ضخمة، وأشعرتنى بأننى لم أغادر وطنى، وإنما انتقلت من الوطن الأصغر إلى الوطن الأكبر، إنى أحدق فى نهر النيل فأرى أعماق الظاهرة وجوهرها، وأرى تدفق الحياة اللامتناهى ورحلة التاريخ الصاعدة دائما. إنى أحدق فى نهر النيل فأسمع خرير نهر الأردن وبردى والفرات فى نغم واحد متدفق على الرغم مما يعترى الظاهرة من ركود ظاهرى.
 
وإننا على يقين من أن نهر الحياة سيواصل المسير، وإنى على ثقة من أنى سأجد فى وقعى الجديد، فى القاهرة، إمكانات واسعة لمواصلة عملى فى سبيل القضية التى نعمل من أجلها جميعا.
ويسعدنى أن اخترت القاهرة لأنها القاعدة الأساسية لكفاح الشعوب العربية، من أجل التحرر والاستقلال والتقدم الاجتماعى والمستقبل الاشتراكى والسلام.
 
وأرجو أن يغنى هذا الموقع الجديد ونضالى بمزيد من الطاقة والانطلاق، لأن الاعتبار الأول والأخير لاختيار أى موقع هو خدمة القضية التى نحيا من أجلها ونموت من أجلها.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg