رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

المجلة



اتخذ مسافة من مجتمع القاهرة وظل مع المجموعة الفلسطينية.. عزلة «محمود درويش»!

11-8-2018 | 16:52

فى صيف 1972 حضر درويش، لأول مرة، على هامش اجتماع استثنائى للمجلس الوطنى الفلسطينى، عقد فى مبنى جامعة الدول العربية فى القاهرة. 

كان النجم بلا منازع  كما يصف الكاتب اللبنانى الكبير طلال سلمان رئيس تحرير السفير ظهوره فى المشهد، «فقد تدافع الكل إليه يحيونه بالقبلات والدموع، يرمونه بألف سؤال فى الدقيقة، يقفون إلى جانبه لصورة تذكارية، يشكون إليه هموم واقعهم «العربي» بمرارة تكاد تفوق مرارته من واقع أهله تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهى كانت السبب فى اتخاذه قراره الصعب بالخروج من السجن... يحاولون أن يعرفوا موقفه من ياسر عرفات ومن التنظيمات الفلسطينية «المعارضة»، من أنور السادات ونظامه وهل هو «ناصري» فعلاً أم «خرج» لأنه تغير... كانت مصر تموج بالغضب بسبب الإرجاء المتكرر وغير المبرر لقرار الخروج إلى الحرب، والحركة الطلابية صاعدة. 
 
قرر محمود درويش - حسب قول « سلمان» - أن يسمع فلا يعلق، وأن يتكلم إذا ما تكلم عن إسرائيل، مجتمعاً وأحزاباً وقادة سياسيين وتنظيمات، وعن جيشها بحدود ما يعرف عنه... وبطبيعة الحال عن «الفلسطينيين» فيها التى أنكرت عليهم «فلسطينيتهم» وجعلتهم «عرب إسرائيل»، وبين صيف 1971 و1972 التقت به الكاتبة الصحفية منى أنيس لأول مرة لكنها لم تصبح صديقته، وتأجلت هذه الصداقة نحو ربع قرن، وكان اللقاء الأول بينهما على خلفية فلسطينية أيضا، فقد ذهبت إليه وهى من وجوه الحركة الطلابية المصرية التى كانت عنوانا بارزا لأيام «الورد اللى فتح فى جناين مصر» وكان معها زميلها فى الحركة سمير غطاس، والهدف إقناع درويش بالمشاركة فى أمسية شعرية لدعم الحركة الطلابية، باعتباره كان أيضا من أيقونات «صعودها، حيث كان التلازم قائما بين الطلاب المصريين وقضية فلسطين، وفى اللقاء الذى تم فى فندق شبرد، حيث أقام لفترة، سأله غطاس بعنف: «لماذا تركت المقاومة وجئت لمصر؟».
انزعج درويش بشدة من صيغة السؤال وأشعل سيجارة مارلبورو و«لم ورقه ومشى». 
 
تقول أنيس: كانت النبرة الطاغية فى تلك الأيام هى المبالغة فى تقدير الأدوار، فقد اعتدنا أن يعود بعض الزملاء من نقاش مع هيئة تحرير الطليعة ويقولوا فى ختام الحكاية: «بهدلناهم» ومسحنا بهم الأرض».
 
توتر جو اللقاء الأول إلى أن جاءت فرصة أخرى للقاء آخر 1987 تم فى بيت الناقد الراحل د. سيد البحراوى وزوجته د. أمينة رشيد، التى دعت درويش على عشاء ونقاش مع تلميذة لها كانت تعد رسالة أكاديمية عن شعره، وكانت هذه التلميذة هى الإعلامية رولا خرسا؟.
 
التقى درويش مع منى أنيس فى مزاج آخر فرضته أمينة رشيد بأناقتها الروحية المعتادة وحسها الإنسانى الفريد، وكانت السهرة عامرة بالأصدقاء، وكان بينهم رجاء النقاش الذى قال لدرويش ساخرا: (أنت وقعت هنا فى وكر الشيوعيين).
 
الصداقة الفعلية بينهما كانت بعد لقاء تم فى العام 1995 بدعوة من د. فريال غزول الأستاذ بالجامعة الأمريكية تقول أنيس: «اكتسبت صداقتى مع درويش عبر نضال طويل جدا» وفى وقت مناسب تماما، كانت صداقة راقية ورايقة ونظيفة «لذلك ظلت مصدر اعتزاز». 
تحكى منى أنه ذات مرة قال لها «ذكرنى شكلك فى أول لقاء بفتيات الجبهة الشعبية» وتذكر أن واحدا ممن كانوا معها فى لقاء شبرد سخر من سيجارته المارلبورو  واعتبرها دليل «خذلان». 
 
ضد الغبار
كان العام الذى جاء فيه درويش لمصر هو العام الأخير الذى تولى فيه مروان كنفانى حراسة مرمى نادى الأهلى، ووجد الأخير فى مجىء درويش فرصة للتقارب مع أقرب أصدقاء شقيقه غسان الذى كان من أوائل من تحمسوا لقصائد درويش. 
 
حضر مروان المؤتمر الصحفى الذى عقد لدرويش، وبعد أيام كان من بين الأشخاص الأقرب له فى مصر، لكن اللقاءات بينهما كانت شخصية دائما لأن «محمود كان يتحسس من ظهور شاعر إلى جوار لاعب كرة» كان أول تعليق يقوله «إنه فى المكان الذى ينبغى ألا يكون فيه»،  ومن بين ما كتبه طلال سلمان عن المرة الأولى التى التقى فيها محمود درويش بالقاهرة عام 1972 تبقى ملاحظة أنه «جال مع الأصدقاء الجدد على المقاهى التى كان يحفظ أسماءها وأسماء زبائنها من الشعراء والكتاب غيباً: مقهى ريش، بار الأنجلو، سيسيل بار... لكنه كان شديد الحساسية تجاه الغبار و«الشعبوية»، لذا فقد قرر أن تكون لقاءاته فى بعض مقاهى الفنادق الكبرى «حيث تضمن، على الأقل، نظافة المكان».
 
وفى حديثها معى قالت صافى ناز كاظم إنه اتخذ مسافة من مجتمع القاهرة وارتضى بالعزلة المفروضة عليه وظل مع المجموعة الفلسطينية الموجودة فى مصر. بينما تنفى منى أنيس فكرة (العزلة التى عاشها) درويش فى مصر لكنها تشير إلى «طابعه المتحفظ» وتقول: «كانت لديه طلة «متحفظة» «يمكن نافرة شوية» وتعطى بعض الانطباعات غير الحقيقية عن شخصيته. وكان إذا تعامل مع شخص لا يحبه «ربما يعامله بوقاحة» لذلك كان دقيقا فى اختياراته للناس.
 
يقول نبيل درويش أقرب أصدقائه الفلسطينيين فى مصر (كان متحفظا فى علاقاته بالناس.. يمكن خايف على صورته)، وهناك جانب آخر يتعلق بالفوارق بين العلاقات الاجتماعية التى وجدها فى مصر وخلفيته كوافد من «مدينة فلسطينية صغيرة» لذلك شعر بالكثير من العزلة فى مصر، خصوصاً مع الخيارات التى تبنى السادات. بعد القاهرة مباشرة كان لا بد من بيروت التى ذهب إليها بغير إعلان. 
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg