رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأحد 23 سبتمبر 2018

المجلة



ظهر فى أسوان قبل القاهرة.. درويش جاء لمقابلة عبد الناصر فالتقى رمسيس الثانى أولا

11-8-2018 | 16:41

درويش ظهر  فى أسوان قبل القاهرة والتقى أولا مع رمسيس الثاني

 
ولع درويش بناصر هو ولع جيل عربى كامل به
 
كتب «الرجل ذو الظل الأخضر» و أهداها إلى ذكرى جمال عبد الناصر
 
لما حضر درويش للقاهرة آمن بأنه سفير فلسطين للعالم فى تلك الأيام 
 
نشرت الأهرام فى «صفحة الدولة» الشهيرة «خبر وصول درويش للقاهرة  فى يوم 10 فبراير 1971 «بعنوان»: شاعر الأرض المحتلة وصل إلى القاهرة 
 
تعتقد صافى ناز كاظم، أن درويش عندما وصل للقاهرة فى 9 فبراير 1971 كان قد جاء فى الوقت الخطأ، وتأخر أكثر مما ينبغى، فترتيبات الزيارة ـ من وجهة نظرها  ـ كانت معدة سلفا. 
وكان من المفترض أن تنجز خلال حياة الرئيس جمال عبد الناصر الذى توفى قبل وصول محمود درويش للقاهرة، بأربعة أشهر كاملة وبالتحديد فى 28 سبتمبر 1970 .
كان فى مفاجأة موت عبد الناصر شيء من الخذلان الشخصى والخذلان العام الذى يليق ببطل قومى صاغ أسطورته التراجيدية، ثم هزم وسقط، ففي «ذاكرة للنسيان» الذى كتبه بعد ذلك بسنوات، وصف ناصر بأنه «الكبير الذى خاطب فى سكان هذه القارة المجهولة فسيفساء حاسة الغياب المرهفة، وسمى من النهر ضفافا تخفى ما فى النهر من وحل، وطوائف، ونفايات صليبيين كانت تجدد حياتها فى هدوء الظلام، خلف دوى الخطاب». 
 
(1) 
ولع درويش بناصر ، هو ولع جيل عربى كامل، وهو أمر يمكن إدراكه أيضا فى القصيدة التى نشرها الشاعر فى ديوانه (حبيبتى تنهض من موتها/1970 ) بعنوان «الرجل ذو الظل الأخضر» وأهداها إلى ذكرى جمال عبد الناصر ورسم خلالها بورتريهاً حزيناً للبطل المخذول: «نعيشُ معكْ/ نسيرُ مَعكْ/ نجوعُ معكْ/ وحينَ تموتُ/ نحاولُ ألا نموتَ معَكْ».
قالت لى الكاتبة منى أنيس، إن ترتيبات حضور درويش لمصر استغرقت نحو عام ونصف العام، قبل موت ناصر، الذى أفسد غيابه كل شىء، جرى التخطيط له، لكن درويش فهم أيضا أنه شخص مرحب به فى مصر ولا داعى لتأجيل خطته بالمجىء إليها.
هكذا فهم من د. مراد غالب سفير مصر فى موسكو وقتها.
(2)
 حين اتخذ الشاعر قراره بالمجىء لمصر أراد أن يمضى فى المغامرة للنهاية، واختار ألا يموت حلمه فى الخروج من فلسطين المحتلة، فقد آمن بأنه سفير فلسطين للعالم فى تلك الأيام. حيث كانت الأسئلة مطروحة داخل مصر وخارجها عن مستقبل المقاومة الفلسطينية والعمل الفدائى بعد معركة (الكرامة)، وبعد (أيلول الأسود) 1970 بالغة التعقيد، بعد أن جرت المواجهات بين الفدائيين الفلسطينيين وقوات من الجيش الأردنى، فيما سمى وقتها بالأحداث المؤسفة، لذلك رأى أحمد بهاء الدين، أن المهمة الرئيسية المطروحة وقتها هى «فرض الحقيقة الفلسطينية على العالم» باعتبارها أهم سلاح فى معارك المستقبل.
وعلى غلاف المصور ظهرت كلمة للرئيس السادات قال فيها: «كلانا يده فى النار وغيرنا يمد يده فى الماء، أما العنوان الرئيسى فقد كان «قادة الفصائل الفلسطينية بعد أيلول الأسود جاءوا يردون على دعوى الانقسام بين الشعبين الفلسطينى والأردنى، وبرغم صرخته التى نشرتها مجلة الطليعة فى إبريل من العام 1969 بعنوان: (أنقذونا من هذا الحب القاسى)، ارتضى درويش اختزال صورته تحت لافتة «البطل المقاوم».
 وكانت مصر بحاجة إلى هذه الصورة لتنجز خطتها في «الدعاية السوداء» بتعبير السيد محمد فايق، الذى كان وزيرا للإعلام فى ذلك التوقيت، وظهر إلى جوار محمود درويش فى المؤتمر الصحفى الذى بثه التليفزيون العربى وإذاعة صوت العرب إلى العالم. 
 
(3 )
 لا يريد السيد محمد فايق، رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان فى الحوار التليفونى الذى أجريته معه، الحديث عن «صفقة» فى تجربة مجىء محمود درويش للعيش فى مصر فى فبراير 1971، الخوض فى التفاصيل مكتفيا بعبارة: «لا أتذكر ما حدث بالضبط، وما أذكره جيدا أن رهاننا كان هو التأثير فى الرأى العام داخل إسرائيل، وإرسال رسائل اطمئنان لعرب الأراضى المحتلة، وتأكيد قدرتنا ليس فقط على الصمود بعد الهزيمة وإنما أيضا الاستعداد للثأر، فقد كانت حرب الاستنزاف تكبد الجيش الإسرائيلى «خسائر ملموسة»، وكان وجود محمود درويش معنا حدثا له دلالته الرمزية، لأنه «عزز الأمل لدى الرأى العام «فى احتضان المقاومة الفلسطينية والتأكيد أن النصر قادم لا محالة»....  
 
 ( 4)
يساعد « أرشيف الأهرام» على تتبع حضور محمود درويش فى القاهرة، منذ وصوله الذى كان احتفاليا على نحو ما ، فقد نشرت «صفحة الدولة» ص 4 الشهيرة «خبر الوصول» على عمود أسفل الصفحة فى يوم 10 فبراير 1971 بعنوان: شاعر الأرض المحتلة وصل إلى القاهرة » ووصفته بأنه «من بين من بقوا فى الجزء المحتل من فلسطين قبل يونيو 1967 وظل شعره حافزا على المقاومة ممثلا لإصرار العرب على تحرير أرضهم المغتصبة»  وقالت الأهرام إنه سيعقد مؤتمرا صحفيا يلتقى فيه بالأدباء والصحفيين.
فى اليوم التالى مباشرة ( 11 فبراير 1971) ظهر حوار أجراه مع الشاعر صديقه الشاعر معين بسيسو وكان عنوانه : غيرت موقعى ولم أغير موقفى و تبدو صياغة العنوان تلخيصا لمحتوى بيانه الذى قدمه فى المؤتمر الصحفى بعدها. 
قبلها كتب بسيسو الذى التقى درويش فى موسكو وتوجه معه إلى نيودلهى لحضور مؤتمر أدبى هناك كتب رسالة من موسكو كتبها الشَّاعر الفلسطينيُّ الراحل معين بسيسو، ونشرها بجريدة الأهرام فى 25 /12 / 1970 على مساحةٍ كبيرةٍ عنوانها «القبعة هى الكأس والحقيبة هى الوطن «محمود درويش».
 وفى نيودلهى أيضا تمكن الكاتب الروائى بهاء طاهر حين كان يعمل مخرجا بإذاعة البرنامج الثانى من حضور نفس المؤتمر والحصول على تسجيلات صوتية لقصائد قدمها درويش هناك، من بينها قصيدته فى رثاء جمال عبد الناصر التى أذاعتها الإذاعة بصوته. 
 وبعد وصول درويش، نشرت الأهرام فى صفحة الدولة أيضا تغطية للمؤتمر الصحفى، الذى عقد فى مبنى التليفزيون، وأعلن فيه محمد فايق اعتزاز مصر ومسئوليها ومثقفيها بالشاعر الكبير، وباختيار القاهرة مقرا لإقامته وقاعدة لنضاله. 
 
(5 )
 يعتقد البعض أن درويش عقد مؤتمره الصحفى بالقاهرة عقب وصوله مباشرة لكن الإذاعى عبد الوهاب قتاية فى مقال كتبه فى صحيفة العربى الناصرى (28 أغسطس/2008) عقب وفاة درويش بأسبوعين، فجر مفاجأة لم يتلفت إليها أحد، وهى أن «المؤتمر الصحفى ليس هو بداية حياة محمود درويش فى مصر، وهذا يجافى الحقيقة «فهناك صفحة لم يعلن عنها فى المؤتمر أو بعده، ولم يعرفها سوى ثلاثة أشخاص هم شهودها ومحتوى هذه الصفحة المجهولة، أن درويش وصل إلى القاهرة قبل أسبوع كامل من المؤتمر الصحفى «
فما سر هذا الأسبوع؟ وماذا جرى فيه؟ وأين نزل أو أنزل؟ وكيف قضى أيامه؟ ومع من؟ 
يجيب قتاية عن هذه الأسئلة كأحد شهود العيان قائلا: «كانت البداية فى ضحى اليوم الخامس أو الرابع من فبراير 1971، حين استدعيت إلى مكتب مدير إذاعة صوت العرب الأستاذ محمد عروق، ولاحظت وجود ضيف لا أعرفه؟
وقتذاك كان قتاية مديرا لما كان يسمى بوحدة البرامج العقائدية وله ميول أدبية معروفة، لذلك سأله عروق عن مدى متابعته لشعراء المقاومة فى الأراضى المحتلة؟ ولما أفاض فى الإجابة عاد عروق وسأله مجددا عن الأسماء التى يتابعها، فاختار قتاية اسم محمود درويش، وهنا قاطعه مديره وقال مشيرا للجالس أمامه: إذن سلم عليه. 
كان الجالس فى الغرفة هو محمود درويش بشحمه ولحمه يقول قتاية: «تعانقنا بحرارة كان نحيلا جدا ورقيقا كالطيف حتى إننى أشفقت عليه وأنا أعانقه أن تتكسر عظامه بين ذراعى».
بتعبيره كان الموقف عاطفيا جدا وغامضا ومثيرا للتساؤلات ولعلامات استفهام كثيرة وأفكار عديدة قطع تداعيها الأستاذ عروق قائلا: الأستاذ درويش وصل أمس وسيبقى معنا، لكننا لم نعلن وصوله ولن نعلن ذلك إلا بعد فترة راحة يستجمع فيها قواه وأعصابه ونفسه المرهقة، لذلك رتبنا له رحلة استجمام فى الأقصر وأسوان، وستكون أنت مرافقه فى الرحلة ومعك الزميل فؤاد فهمى من صوت العرب، وعبد الملك خليل مراسل الأهرام فى موسكو، الذى رافق درويش فى رحلته إلى القاهرة. 
 
(6 )
 تجول درويش فى الأقصر بصحبه رفاقه، ذهب إلى مقابر وادى الملوك ورافقته هيبة المكان، لكنه اعتذر عن عدم الهبوط إلى مقبرة توت عنخ آمون فى جوف الأرض، وفى أسوان كما يروى قتاية نزل الوفد فى فندق كتاراكت التاريخى وزار السد العالى الذى ورد ذكره فى مرثيته لجمال عبد الناصر
يقول قتاية إنه همس لدرويش قائلا: لو كان عبد الناصر حيا لاستقبلك الآن كما فعل مع فدوى طوقان! فكان جوابه ليس أكثر من نظرة عميقة تقطر أسى.
من الملاحظات التى يوردها قتاية فى مقاله «دعينا إلى حفل غدا فلما دخلنا القاعة فوجئنا بالسيد شعراوى جمعة وزير الداخلية - وكان فى زيارة إلى أسوان - يقوم من مقعده حول المائدة ليرحب بشاعر المقاومة ترحيبا حانيا».
لكن أعمق ذكريات الرحلة إلى أسوان كانت زيارة درويش إلى مدرسة ابتدائية متواضعة وفى أحد فصولها: استقبلهم معلم الفصل بحفاوة، ثم أشار لتلاميذه فغنوا جميعا قصيدة درويش «وطنى يعلمنى حديد سلاسلى/عنف النسور، ورقة المتفائل/ما كنت أعرف أن تحت جلودنا/ميلاد عاصفة وعرس جداول).
 
(7 )
 بعد رحلة الاستجمام هذه، عاد درويش وظهر فى المؤتمر الصحفى الذى عقد خصيصا للإعلان عن استقراره فى مصر، وبدأت بعده أيامه القاهرية، وكان من الطبيعى أن يلتقى خلال إقامته مع الكتاب والصحفيين، وكانت صافى ناز كاظم أول صحفية مصرية تجرى معه حوارا فى مطبوعة مصرية هى «المصور».
كانت صافى ولا تزال من أبرز كاتبات عصرها، وكانت « المصور « أكثر المجلات العربية السياسية انتشارا، كما كانت أيضا بوابة العرب لمصر بفضل انحيازات أحمد بهاء الدين.
تقول صافى ناز: «التقيته وكتبت موضوعا للمصور عنوانه (قال للناس حوله كل شيء سوى الندم) ثم أخذته، من نزله بفندق شبرد، ودعوت عبد الرحمن الأبنودى ليصاحبنا إلى شارع الغورية، وزرنا شوارع كثيرة والتقطنا له صورا هناك بعدسة محمود عارف. 
كانت صافى ناز قبلها بشهور تقدم فى الكواكب لديوان الأبنودى «أحمد سماعين .. سيرة إنسان «وكان درويش يعرف شعر الأبنودى دون أن يلتقى به، فقد استمع من صوت العرب إلى برنامجه الشعرى «بعد التحية والسلام» وهو فى حيفا «لذلك تمنى لو يلتقى به ورتبت صافى ناز لهذا اللقاء» 
وتضيف «زرته لأول مرة بصحبة الكاتب المسرحى ميخائيل رومان، كنت أتمنى أن ألقى بمحمود درويش فى أحضان الشعب المصري، بعيدا عن الدائرة المغلقة التى حاولت أن تضرب حوله سياجا من العزلة، بزعم الحرص والحماية، وقد تسببت فى أن توغر صدر بعض شعراء مصر النابغين المفلسين الجالسين على مقهى ريش يؤيدون منطق نجيب سرور الساخر: «اشمعنى محمود درويش مدلل فى فندق شبرد، طب ما إحنا كمان شعراء الأرض المحتلة».
 
(8 )
 فى حواره مع عبده وازن ضمن كتاب (الغريب يقع على نفسه) قال درويش: «قرار دخولى القاهرة أهم أحداث حياتى الشخصية، لم يكن القرار سهلا، ففى القاهرة ترسخ قرار خروجى من فلسطين وعدم العودة إليها، كنت أصحو من النوم وكأننى غير متأكد من مكان وجودي، أفتح الشباك لأتاكد أننى فى القاهرة» .
وفى كتابه (ذاكرة للنسيان) كتب: «إذا رأيت النيل فهذا يعنى أنك فى القاهرة». 
 
وصل للمدينة مساء 
كانت القاهرة أول مدينة عربية يدخلها وظل طويلا يتذكر دهشته، حين وقف لأول مرة أمام فرشة الصحف والمجلات عند مدخل مكتبة مدبولى بميدان طلعت حرب تقول صديقته الكاتبة الصحفية منى أنيس «بهت تماما» عندما رأى كل هذا العدد من الصحف والمجلات العربية». 
فى حواره الأول مع صافى ناز قال: (فى القاهرة ما زلت أحلم، مدينة بأكملها تتحدث العربية، عقلى يعرف ذلك منذ زمن بعيد، لكن شعورى المادى بالحقيقة أول مرة، أريد أن أعرف الشوارع والوجوه والأصوات). 
وصف نفسه بـ «الطفل الجائع» الذى وجد أمامه دفعة واحدة طبقا مليئا بالحلوى واللحوم وألف يد تطعمه :: «متلبك، مزدحم»، لا أعرف كيف أقول: هل تعرفين رغبة ضم الأشياء حتى لا تفقديها لأن شعورك الراسخ أنك مهددة بالفقدان». 
قالت له صافى «إننى قاهرية» وأخذته إلى الطرقات التى تحبها وسألته كيف تصورت القاهرة؟
 مفاجأة له أن القاهرة كانت «جميلة» وأن بها أشجارا وأنها خضراء وواسعة، وأن النيل عريض جدا فقالت له «إن القاهرة ليست خضراء دائما».
وقال «دعينى أتمتع بأن ما أراه خذل ما صوروه عنها».

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg