رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 20 نوفمبر 2018

المجلة



صلاح عبد الصبور يكتب عن محمود درويش: «القديس المقاتل»

11-8-2018 | 13:57
بقلم: صلاح عبد الصبور

«ديوان محمود درويش يتحدث للمرة الأولى بلهجة المشارك، لا بلهجة المشاهد، وينسخ بذلك كل ما سبق أن قيل ويضع علامات الطريق لمن يريد أن يقول بعده».

الكلمة التى حيرتنا منذ عشرين عاما قالها محمود درويش..
كنا نتساءل: كيف نعبر عن القضية وبأى كلمات نستطيع أن نخاطب بالمأساة قلب الإنسان، وأن نخلق للجرح فما ولسانا فصيحا، وكانت تثقلنا فى بعض الأحيان بأغلال عنتريتنا الجوفاء، فنصرخ ونتوعد، ونكذب حتى على أنفسنا، وكانت تثقلنا أحيانا بكائيات رحيلنا الحزين، فنتألم ونتعذب ونجهش بالبكاء.
كان شعر فلسطين - فى معظمه - ضائعا بين العنترية الجوفاء والبكاء الذابل، حتى كتب محمود درويش ورفاقه، لقد تكلموا فحسب، كلمة صادقة حزينة حزن الرجال، فأثبتوا أن الشعر هو صوت الإنسان حين يتكلم، وحين يتكلم من قلبه، وبصوته الخاص لا بأصوات الآخرين والمجموعة الباذخة التى نشرتها مجلة «الهلال» فى عدد مايو الأخير من شعر محمود درويش، هى فى رأيى حدث فنى من أحداث حياتنا. ولو استطعت أن أتجرد من ظلال قضيتنا المصيرية، وتذرعت بالحس النقدى وحده، لما تغير رأيى قليلا أو كثيرا، فهى شعر، وشعر عظيم بشتى المقاييس.
وتأتى مجموعة محمود درويش بعد مخاض طويل لشعر النكبة، فى مرحلتها الحالية، بعد أن أسهم فى هذا المخاض عشرات الشعراء العرب الذين اجتهدوا أن يقولوا كلمتهم التى تحمل رائحة الصدق والشاعرية معا، ومثلما كان عام 1948 منحنى واضحا فى القضية ذاتها، كان منحنى واضحا أيضا فى التعبير عنها. فقبل هذا العام الفاصل كانت أصوات إبراهيم طوقان وأبى سلمى وعبدالرحيم محمود تجلجل فى سماء الأرض الفلسطينية، وتصنع للمقاتلين شعاراتهم وبيارقهم.. كانت تتجه إلى الفلسطينى العربى تناشده الثبات والصلابة، لكنها لم تكن تعنى بأن تخاطب الإنسان فى كل مكان، لأننا كنا نتصور فى ذلك الوقت أن قضيتنا هى قضية مواجهة رجل لرجل، ولم يكن يدور بخلدنا أن أعداءنا لونوا الرأى العام العالمى بلون العداوة للعرب والمودة لليهود، وبعد كارثة 1948 زلزلت مفاهيمنا عملها وأدركنا كم كنا مقصرين فى حق القضية الكبري، وتلمسنا الأبعاد الجديدة وطمحنا أن نخاطب الإنسان فى كل مكان، فلم يعد من المجدى أن نخاطب العربى وحده. فقد كفتنا الأحداث الأليمة مئونة هذا الخطاب. ولست أشك فى أن هذا جرح فلسطين كما كان هو - على الصعيد السياسى المحرك لمعظم الانتفاضات الساسية فى عالمنا العربي، والباعث الأول لنا على مراجعة أساليب حياتنا ونظم الحكم فى أوطاننا، فقد كان إلى ذلك - فى المجال الأدبى والثقافى - من أكبر العوامل على تمزيق الأسلوب الشكلى التقليدى لفنوننا، كما كان هذا الجرح هو الينبوع الأول لهذا المراج الحزين الذى ساد أدبنا وشعرنا على التحديد فى خمسينيات هذا القرن وستينياته، لأن هذا الجرح كان يمثل خيبة وسائلنا التقليدية إزاء تحديات العصر.
وربما كانت القصائد التى كتبها شعراء العربية المحدثون عن قضية فلسطين محدودة قليلة، لا تعدو بضع قصائد لكل منهم، لكن الدارس يستطيع أن يحس بظلال هذه القضية فى كل ما كتبوا، متمثلة فى هذا المزاج الحزين القلق، وفى هذه النبرة الواضحة من الندم والألم، ولو تجاوزنا ذلك المزاج إلى تلك القصائد بالتحديد، لوجدنا أن معظمها قد وقع فى خطيئة المبالغة العنترية، إذ جنح إلى الخطابية وابتعد عن التعبير الفنى إلى التعبير السياسي. وإن قليلا منها قد استطاع أن يعبر عن جوانب إنسانية من القضية، ولكن ظل ينقصه عنصر مهم، وهو أن يتحدث بلهجة المشاهد لا بلهجة المشارك.
وديوان محمود درويش الجديد يتحدث للمرة الأولى بلهجة المشارك، وينسخ بذلك كل ما سبق أن قيل، ويضع علامات الطريق لمن يريد أن يقول بعده.
> > > 
ينقلنا هذا الديوان شأن الأعمال الفنية الكبيرة إلى عالمه، وتدخل بنا قصائده، قصيدة بعد قصيدة من أبواب مدينة قد لا نعرف اسمها، لكننا نستطيع أن نعرف ملامحها.. إنها مدينة قد أرغمت على خلع ثيابها الخالدة، خلع اسمها وطابعها لكى تكتسى ثيابا جديدة أو اسما جديدا أو طابعا جديدا. مدينة كانت عربية فتهودت، واغترب فيها أبناؤها. وأصبح الغريب فيها سلطانا طبع رسمه على ظهر كل بطاقات البريد، وأطلق اسمه على الطرق والأبنية، ولكن هناك أشياء لا يستطيع السلطان أن يمنعها أو يغيرها. إنه لا يستطيع أن يمنع القصيدة، ولا يستطيع أن يغير الأرض.
ويتقدم لنا من خلال الديوان هذا الشاعر، شاب اسمه محمود، يؤمن بكل ما يؤمن به الرجال.. الأرض والوطن والحب والشجاعة، ويؤمن أيضا بالمستقبل، ويريد أن يغنى له ولكن السلطان يمنع أغنيته، ويعتقله، ويعذبه، فلا يذل جبينه ولا يموت غضبه. 
وبرغم أن محمود درويش يتحدث لصوته الخاص، فإن مدينته كلها تعيش فى شعره، أسرته ورفاقه، وسجآنه وجلاده، وفتاة يهودية اسمها «ريتا» تقف بينها وبينه بندقية ومقاتل يحدثه عن قتلاه ويحلم بالسلام ورجال الصليب الأحمر، ومشردى المخيمات، حتى البيوت والشجر والأقمار.
هنا فى هذا الشعر يلتقى الإنسان بالإنسان، أيا كان اسمه أو لونه أو دينه. لا بد أن نتعاطف معه كما نتعاطف مع الأبطال فى محنتهم وأن نتعاطف مع مدينته كما نتعاطف مع المدن المقهورة الصادمة، وأن نحبه ورفاقه كما يحب الرجال الرجال فإن الأمر ليس أمر بلاغة، ولكنه أمر صدق، ومن الذى لا يتعاطف مع هذه الأسرة الكاملة التى رسمها محمود درويش فى اقتدار فى القصيدة «القتيل رقم 48»:
 
وجدوا فى صدره قنديل ورد
وفخر
وهو ملقى ميتا فوق حجر
وجدوا علبة كبريت
وتصريح سفر
وعلى ساعده الغض نقوش
> > > 
قبلته أمه
وبكت عاما عليه
بعد عام
نبت العوسج فى عينيه
فاشتد الظلام
> > > 
 
عندما شب أخوه
ومضى يبحث عن شغل بأسواق
المدينة
حبسوه
> > > 
 
لم يكن يحمل تصريح سفر
إنه يحمل فى الشارع
صندوق عفونة
وصناديق آخري
> > > 
 
آه أطفال بلادي
هكذا مات الفخر!
> > > 
 
هذه صورة لأسرة عربية، صريعة للفقر والاضطهاد وتصاريح السفر من مدينة إلى مدينة، يموت شبابها موتا مجانيا كل يوم. وتضمحل ذكراهم، كما يضمحل القمر، يواريه التراب فينبت الشوك فى عيونهم المذعورة. ليست هنا كلمة صارخة أو عالية النبرة، لكن قدرة هذه الصورة على بعث الأوجاع النائمة لا تقاوم، فإذا استمعنا إلى قتيل آخر يتكلم فى القصيدة «القتيل رقم 18» وجدنا صورة أخرى للمأساة.. إنه يتحدث إلى حبيبته فيقول:
لك منى كل شيء
لك ظل لك ضوء
خاتم العرس، وما شئت.
وحاكورة زيتون وتين
وسآتيك كما فى كل ليلة
أدخل الشباك، فى الحلم
وأرمى لك فلة
لا تلمنى إن تأخرت قليلا
إنهم قد أوقفوني
غابة الزيتون كانت دائما خضراء
كانت يا حبيبي
إن خمسين ضحية
جعلتها فى الغروب
بركة حمراء.. خمسين ضحية
يا حبيبي
لا تلمني
قتلوني
... قتلوني
... قتلوني
> > > 
إن هذه القصيدة صوت عامل عربى طيب، محب يتمنى لو بنى مع محبوبته بيتا وأسرة، يعود فى سيارة العمال مع خمسين من رفاقه بعد يوم من العمل الشاق، وهو يحلم بالراحة والدفء، ولكن الطغاة يديرون السيارة إلى الشرق، وهم هادئون، ثم يقتلون العمال، ويلوثون خضرة البركة الزاهرة بدمائهم. إن هذا القتيل مجرد رقم.. الطغيان جعل منه رقما فى حياته ورقما فى مصرعه، وبرغم ذلك فمازالت الحياة تتنفس، ومازال يحلم بأن يعود ليلقى بفلة من شباك حبيبته. إن الحياة أقوى من الموت والطغيان وهذا هو النغم الذى يتماوج فى قرار شعر محمود درويش كله.
شعراء الأرض المحتلة.. تحية لكم فقد فتحتم طريقا جديدا للكلمة العربية.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg