رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 19 نوفمبر 2018

المجلة



تنبأت «روايات الهلال» بفوزه بنوبل.. «نايبول» حارس الثقافة الاستعمارية فى إفريقيا.. رجل بلا جذور

15-8-2018 | 23:26
عزمى عبد الوهاب

فى الأسبوع الماضى كان «ف. س. نايبول» على موعد مع الموت، فقد فارق الرجل الحائز على جائزة نوبل فى الأدب عام 2001 الحياة عن عمر ناهز خمسة وثمانين عاما، وقالت زوجته باكستانية الأصل فى بيان: “إنه توفى فى منزله بالعاصمة لندن، وكان حوله من أحبهم بعد أن عاش حياة مليئة بالإبداع الرائع والمبادرة” وقال أحد أصدقائه إن وفاة نايبولستتسبب فى “فجوة فى إرث الأدب البريطاني، لكن لا شك أن كتبه ستعيش وتبقى” بينما عبر الكاتب سلمان رشدي، عن خسارته الكبيرة قائلا، إنه يشعر بحزن عميق وكأنه فقد شقيقه الأكبر.
 
وكانت الأكاديمية السويدية قد أشارت فى قرارها منح جائزة نوبل فى الأدب لـ “ف. س. نايبول” إلى المشابهة بين كتاباته عن إفريقيا وروايات جوزيف كونراد، الكاتب البريطانى ذى الأصل البولندي، ومؤلف رواية “قلب الظلام” فكلاهما شمر عن ساعده لوصف مصائر الإمبراطوريات الاستعمارية، وما خلفته من آثار فى نفوس الشعوب.
 
نلمس مواضع المشابهة بين الكاتبين فيما تزخر به كتبهما عن إفريقيا من شخصيات منقوعة فى الثقافة الاستعمارية، وتفشى وجهات فى النظر حيال التباين الثقافى والعرقي، غير أن كتابات نايبول تفتقر إلى ما نلمسه فى كتابات كونراد من إيماءات رمزية لرواد الظلام الذى تتدثر به قارة إفريقيا، الذى ينضح بأحاسيس الهلع والذعر التى تساور البشر فى كون فسيح يلفه الغموض.
يعكس كتاب “فى دولة حرة” اهتمام نايبول بإفريقيا السوداء، فيشتمل كتاب “فى دولة حرة” على وصف لرحلتين قام بهما فى إفريقيا ودول الكاريبي، وأدار حوارا حول حياة المهاجرين وسعيهم للتأقلم مع أجواء بيئاتهم الجديدة، وما يكابدونه من مرارة العيش فى دولة عنصرية، وتصف الرواية القصيرة “فى دولة حرة” سياحة زوجين من البيض فى أنحاء إفريقيا، واكتشافهما أن وراء أبهة الحضارة الكاذبة تتوارى ثقافة تئن فى قبضة الوحشية والطغيان والنزاعات القبلية، أما روايته “منحنى النهر” فقد استلهم أحداثها مما شهدته زائير إبان حكم “موبوتو سيسيكو”.
 ترجم أكثر من عمل لنايبول إلى العربية ومنها “شارع ميجل” ترجمة د. أحمد هلال يس، و”نصف حياة” ترجمة د. عابد إسماعيل، و”شارع ميجل” أول كتاب لنايبول، لكنه نشر بعد روايتين أخريين هما “المدلك الذى يداوى القلوب العليلة” و”حق الانتخاب فى الفيرا” و”شارع ميجل” ينقل لنا حيوات أشخاص توثقت أواصر الصداقة بين الكاتب وبينهم، وهى تطرح صورا إقليمية لقاطنى الشارع الذى نشأ فيه، والذين ذاقوا مرارة الخيبة، وترى هذه الشخصيات أن الدنيا تناصبهم العداء، فغرقوا فى لجة اليأس.
 
فى رواية “المدلك الذى يداوى القلوب العليلة” تظهر إحدى شخصيات “شارع ميجل” الذى ينخرط فى سلك التدريس بعد حصوله على قدر بائس من التعليم، وزواج لا يعد بأى قدر من النفع المادي، ثم يسعى إلى التدليك كمهنة، ويغدو فى نهاية الأمر طبيبا، يصير هذا الرجل بعد ذلك ممثلا رسميا عن طائفة الهندوس فى ترينداد، ثم يعلو نجمه، ويزداد نفوذه بتأليف الكتب، ويلج ميدان السياسة، حتى يتم اختياره عضوا فى المجلس التشريعي، ويصل إلى ذروة النجاح فى لندن كرجل سياسة يتفانى فى خدمة الروح الاستعمارية منتحلا اسما جديدا.
وتعبر هذه الرواية، بالإضافة إلى “حق الانتخاب لأليفرا” عن وجهة نظر نايبول حيال المشهد السياسى فى ترينداد فى عقد الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وتعد روايته “منزل يطمح السيد بيسواس إلى الاحتماء بجدرانه” أكثر أعماله ذيوعا وشهرة، وهى تصور حياة والد نايبول (1906 ـ 1953) الذى ينحدر مثل السيد بيسواس من أصول هندية، ويشق لنفسه طريقا فى عالم الصحافة، فيسهم بقلمه فى صحيفة “ترينداد جارديان” التى نشرت له مقالات، تشيع فيها روح الإثارة والدعابة، كما أنه كتب مجموعة قصصية اسهما “جورودفا وحكايات هندية أخرى” شبيهة بتلك الرواية، فكلتاهما تحفل بالاستياء من أحوال طائفة الهندوس، والسخط على الهندوسية التى تلزم معتنقيها بممارسة الطقوس الدينية والحفاظ على التقاليد.
 
تدور معظم قصص “علم يرفرف على الجزيرة” فى ترينداد وتصور ما يصطرع فى النفوس من قيم متضاربة، عندما يسعى مواطنو ترينداد من ذوى الأصول الهندية إلى الاستمساك بأصولهم الثقافية، التى أسدل عليها ستار كثيف من التجاهل والنسيان، وهناك قصص قصيرة تعكس مشاعر الرعب الدفين الذى يزلزل أركان نفوس المهاجرين السود فى لندن، وتتعمق لدى الشخصيات مشاعر الظلم والهوان التى تنوء بها، التى تترنح تحت وطأة الاغتراب وخيبة الإخفاق والتمييز العنصري.
 
هنا لا بد من الإشارة إلى سلسلة روايات الهلال، عندما كانت تتمتع بالجدية والرصانة، فقد أطلقت السلسلة فى صدر ترجمتها لرواية نايبول “منعطف النهر” الصادرة فى فبراير 1992، نبوءة خاصة بحصول هذا الكاتب الكبير على الجائزة، قبل حصوله عليها بتسع سنوات، قالت روايات الهلال: “هذه الرواية مرشحة للحصول على جائزة نوبل فى أحد الأعوام المقبلة، وإذا كانت الرواية الفائزة حديثا بجائزة نوبل، فنحن فى هذه المرة نسبق الأحداث ونقدم عملا أدبيا مهما لم يحصل على الجائزة الأدبية الأولى فى العالم، لكن لجودته فإن اسم كاتبه فى صدارة القائمة المرشحة لنيل الجائزة فى أقرب وقت ممكن”.
 
ينتمى نايبول إلى أربع حضارات، فهو من مواليد ترينداد، وهى منطقة فى أمريكا الجنوبية، يعيش فيها الهنود، كأنهم فى شبه القارة الهندية، واختار أن ينتقل إلى شرق إفريقيا، ويقيم هناك مع الأسر العربية التى جاءت من شبه الجزيرة العربية، وذلك فى فترة انحسار الاستعمار عن إفريقيا، ومن إفريقيا انتقل إلى بريطانيا، ليعيش هناك، ويكتب عن جذوره الأربعة المقطوعة أو عن خليطه الغريب الذى لم يسبق الكاتب أن عبر عنه فيما قبل.
 
ولد “فيد ياضهاد سوراج برساد “ فى عام 1932، وهو ابن لأحد البراهمة النازحين من شمال الهند إلى جزر الهند الغربية، وفى عام 1950 سافر إلى إنجلترا من أجل استكمال دراسته الجامعية، وهو يقول فى هذا: “عندما وصلت إلى بريطانيا شعرت بأننى بلا ملابس، وأننى شخص قبيح أسود، أخلو من أى محاسن، وليست لدى خلفيات ولا أمتلك سوى الوحدة وذكائي”.
وفى عام 1954 بدأ فى كتابة القصص والروايات باللغة الإنجليزية، وكان قد زار مصر فى عام 1977 وكتب عنها كتابا تحت عنوان “سيرك فى الأقصر”، وبعد ذلك بعام (1978) كتب روايته “منعطف النهر”، ثم نشر بعد ذلك “لغز الوصول” عام 1986 و”وهم الظلام” عام 1989، وقد نال جائزة البوكر عن إحدى هذه الروايات، وهى أهم جائزة إنجليزية.
وبرغم أهمية نايبول، فقد تضاربت الآراء حوله، فقبل فوزه بجائزة نوبل كتبت إحدى المجلات الإيطالية (فى 7 ديسمبر 1981) أن نايبول “رجل بلا جذور، وأنه برغم أصله الهندى فإنه متعلق بالغرب” أما مجلة الإكسبريس الفرنسية فكتبت فى 16 سبتمبر 1983 أنه صحافى أكثر منه أديبا، لكن “تايم الأمريكية رأت أنه الروائى الأول فى عصرنا، وقد دفع هذا مجلة “نيوزويك” إلى أن تنشر ملفا عنه فى 18 أغسطس 1982 وتصدرت صورته غلاف المجلة كأنه واحد من نجوم السينما.
 
فى رواية “منعطف النهر”، يتخذ الراوى اسم “سالم” الذى نرى من خلاله إفريقيا، حيث يعيش فى الساحل الشرقى للقارة، هذا الساحل الذى يسكن فيه الهندوس والبرتغاليون والعرب، ومن الصعب فيه تحديد الهوية الإفريقية، وهو مجتمع مليء بالاضطرابات السياسية، وسالم رجل بسيط يعيش فى هذا البلد، الذى لا يسميه الكاتب، لكنه يبدو أقرب إلى زائير ويقول نايبول: “إن الناس فى هذه البلاد لا يتغيرون بسهولة، يعيشون نفس النمط من الحياة، ولا يعرفون الثورة أو التمرد”.
 
وأبطال نايبول دائما يشبهونه، فهم يجمعون بين عدة حضارات مثل الزعيم “جيمى أحمد” فى رواية “المحاربون” فهو زعيم هندي، ينحدر من أصل صيني، عاش لسنوات فى بريطانيا، إنه صورة حية لزعيم هندى عرفه يدعى “ميشيل عبد الملك”، ثم شنقه بعد أن قتل زوجته عام 1975 فى ترينداد لقد قتل امرأته طبقا لعاداته، برغم أنه تلقى تعليمه فى الغرب، وفى هذه الرواية لم يحدد نايبول مكان الأحداث كالعادة، فهو يرحل إلى بلد مثل جامايكا، وينغمس وسط الفقراء، ويدير مؤسسة صناعية شعارها “العودة إلى الأرض” لكن السكان يرفضون استمرار المؤسسة.
 
أما البطل الهندى فى رواية “أخبرنى من أقتل” فإنه يرحل من منطقة الكاريبى إلى لندن مع أخيه، ثم يسافر وحده إلى أمريكا، وهناك ينام على الأرصفة، ويظل الأمريكيون بالنسبة له مجرد مخلوقات غير حقيقية، إنهم أناس تائهون فى التليفزيون، ويتحولون إلى قطعة منه، وهناك يتزوج من امرأة زنجية، ويحس أن عليه أن يفكر مثل الزنوج، ولذا فإنه يشارك فى ثورة الزنوج عام 1968، ويقوم بحرق العديد من المنازل التى يمتلكها البيض، إنه رجل يبحث عن حريته فى المجتمع الأمريكي، فالبطل فى روايات نايبول يتسم دائما بأنه ضائع الهوية، ويحس أنه فى الغرب منعدم الهوية، لذا يبحث عن مخرج من البلاد التى لم تضق به، لكنه هو الذى ضاق بها، كما أن البلاد التى يذهب إليها لا تتقبله بسهولة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg