رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

مقالات



انهيار الليرة التركية.. مؤامرة خارجية أم سوء تقدير للمتغيرات الجارية

15-8-2018 | 18:08
د. حسن أبوطالب

من المعروف تاريخيا أن النظم الاستبدادية تتشارك فى عدد من السمات أبرزها أنها تمارس المكابرة بلا خجل، ولا تعترف بالخطأ وتنظر إلى افعالها باعتبارها الحقيقة المطلقة لا يجوز مراجعتها، وإن حدثت أزمة فإنها تلجأ ببساطة إلى مقولة إن هناك مؤامرة يحركها الأعداء الخارجيون للنيل من حكمة النظام وشرعيته وشعبية قيادته. شىء من هذا إن لم يكن كله نراه رأى العين فى الحالة التركية الراهنة، والتى تعيش ما يعرف بأزمة انهيار الليرة التركية وتداعياتها المختلفة على أداء الاقتصاد التركى وجلب الاستثمارات وتكلفة دفع الديون والعجز فى الميزان التجارى وجميع الآثار الاقتصادية والاجتماعية الأخرى، فضلا عن الدور التركى فى الإقليم ككل. وبدلا من الاعتراف بحقيقة المشكلة والبحث عن معالجتها بالوسائل الاقتصادية والمصرفية والمالية المُتعارف عليها فى مثل هذه الحالات، لجأ الرئيس أردوغان إلى وصف الأمر بمؤامرة أمريكية وطعنة فى الظهر لا تناسب وضع التحالف التركى - الأمريكى، وعضوية أنقرة فى حلف الناتو الذى تقوده الولايات المتحدة منذ 1952 إلى الآن.
 
الهروب من المسئولية 
 
تبرير أردوغان على هذا النحو يهدف إلى تحقيق عدة أهداف؛ أبرزها التعمية على الأسباب الحقيقية وراء تدهور العملة التركية، وتحميل المسئولية لجهات خارجية والابتعاد عن أصل المشكلة، وجزء منها يرجع إليه شخصيا عبر تدخله فى عمل البنك المركزى التركى، الذى يفترض وفقا للأعراف أن يكون مستقلا تماما عن تدخلات السياسيين، وأن يتعامل مع الأزمات المالية بأساليب وإجراءات رشيدة لا تتأثر بتدخلات السياسيين. لكن حالة تركيا تثبت أن إصرار أردوغان على تثبيت سعر الفائدة المنخفض قد أسهم إلى جانب عوامل أخرى فى مزيد من تدهور قيمة العملة التركية، وأشاع الانطباع بأن البنك المركزى التركى الذى يرأسه صهره ليس مستقلا تماما كما يفترض، وكما هو ضرورى لحسن الأداء المالى والنقدى فى البلاد. وهو الأمر الذى ألمحت إليه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حين نصحت أردوغان بالحفاظ على استقلالية البنك المركزى التركى كمخرج رئيسى لا بديل عنه، إذا أراد لبلاده الخروج من أزمتها المالية.
 
تدخل الرئيس فى عمل البنك المركزى جزء من أزمة إدارة الاقتصاد التركى ككل، إذ يعتمد فى الاستثمارات على ما يعرف بالقروض قصيرة الأجل، والاستدانة من البنوك العالمية لتمويل المشروعات الحكومية عبر القطاع الخاص، حيث يصل إجمالى تلك الديون إلى 265 مليار دولار، والذى عليه ـ أى القطاع الخاص ـ الآن أن يتحمل التكلفة الأعلى فى رد تلك الديون، وفق الأسعار المتدنية لليرة التركية، والتى فقدت ما يقرب من 40 فى المائة من قيمتها بداية من هذا العام، وأصبحت قيمتها تساوى سبع ليرات مقابل الدولار الواحد، فى حين كان الدولار الواحد يعادل قبل نحو العام أقل من أربع ليرات. وتدل المؤشرات على أن حالة التذبذب فى قيمة الليرة التركية سوف تستمر فترة أخرى، وغالبا ما سوف تشهد انخفاضا آخر على الرغم من الإجراءات التى ألمح إليها البنك المركزى، ولم تُعلن تفصيلا بعد حتى كتابة هذا التحليل.
 
سوء الإدارة السياسية
 
سوء الإدارة الاقتصادية والمالية لا ينفصل عن سوء إدارة القضايا السياسية الكبرى والحجم الهائل من الأخطاء التى وقع فيها أردوغان فى السنوات الست الماضية، والتى حمّلت تركيا الكثير من الأعباء، غير أن ارتفاع نسبة النمو الاقتصادى سابقا إلى ما يقرب من 6.5 فى المائة، ساعد على تحمل تلك الأعباء وأعطى انطباعا زائفا بتحقيق الانتصارات، التى تمثلت فى المغامرات العسكرية فى كل من سوريا والعراق ودعم الكثير من المنظمات الإرهابية والمتطرفة بالأموال والسلاح والتدريب والملاذ الآمن للقيادات الإرهابية، وتصور أن هؤلاء يمكنهم أن يسقطوا النظام السورى ثم يقدموا سوريا عن بكرة أبيها على طبق من ذهب للسلطنة العثمانية الجديدة ومقرها أنقرة. 
 
كل ذلك كان يحدث وفق مخطط أمريكى لعبت فيه تركيا أردوغان دورا رئيسيا. وهنا نلمح درس التاريخ الأكبر، إذ مع تغير المزاج الأمريكى فى عهد الرئيس ترامب إزاء الأزمة السورية، خصوصا تجاه بعض الجماعات المسلحة والإرهابية، وانتصارات الجيش السورى، أصّر أردوغان على ممارسة الدور السابق، كأن شيئا لم يحدث، وأخذ يعيد تجميع العناصر الإرهابية مرة أخرى فى المناطق السورية فى الشمال والقريبة من الحدود التركية، متصورا أنهم قادرون على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتأمين المصالح التركية بعيدا عن الرعاية الأمريكية المباشرة، ومن ثم بدأت فجوة المصالح تزداد رويدا رويدا بين أنقرة وواشنطن.
 
عقوبات أمريكية بسبب قس
 
ودعم ذلك خلافات أخرى أبرزها العقوبات الأمريكية التى قررها الرئيس ترامب بسبب الموقف التركى من استمرار محاكمة القس الأمريكى أندرو برانسون، الذي اعتقل في تركيا  منذ قرابة عامين، بتهمة الإرهاب والتعاون مع حركة فتح الله كولن فى محاولة الانقلاب الفاشلة التى جرت فى يونيو 2016. وقد شملت العقوبات الأمريكية أمورا رمزية تمثلت فى عقوبات على وزيرى العدل والداخلية التركيين، وأخرى اقتصادية تمثلت فى مضاعفة الضرائب على صادرات الصلب التركية بنسبة 50 فى المائة وعلى الألومنيوم بنسبة 20 فى المائة. وتصل صادرات الصلب التركية إلى الولايات المتحدة ما يقرب من 1.1 مليار دولار، وصادرات الألومنيوم إلى نحو 800 مليون دولار. ومع انخفاض سعر الليرة التركية يقل أثر العقوبات الأمريكية على المصدرين الأتراك، لكن يبقى أثرها السياسى، لا سيما أن الرئيس ترامب حدد 15 أغسطس للإفراج عن القس الأمريكى، وإلا سيوقع عقوبات أخرى على تركيا. يذكر هنا أن أردوغان اقترح أن يتم تبادل القس الأمريكى بالداعية كولن الموجود فى بنسلفانيا، وهو ما تم رفضه على لسان جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى بالقول إنه لا تفاوض ولا مساومة، ولا بديل سوى الإفراج الفورى عن  برانسون. 
 
تعود أهمية الإفراج عن القس برانسون وتحريره وعودته إلى الولايات المتحدة ، نظرا لانتماء القس إلى طائفة دينية تدعم ترامب، وهو الآن بحاجة إلى دعمها لا سيما فى الأسابيع المقبلة التى تسبق انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى. الأمر الذى يمثل قيمة معنوية وسياسية  كبرى بالنسبة للرئيس ترامب وحملته لمناصرة المرشحين الجمهوريين. فى حال توقيع عقوبات أمريكية أخرى على تركيا فمن المرجح بقوة أن يحدث انهيار آخر فى قيمة العملة التركية، ما يؤدى إلى خروج بعض الاستثمارات الأجنبية، فضلا عن عزوف البعض الآخر عن التوجه إلى تركيا، إلى أن تستقر الأمور مرة أخرى، وكذلك ستتوقف البنوك الأوروبية عن تقديم أية قروض جديدة لتركيا سواء القطاع الحكومى أو الخاص، فى انتظار تسوية القروض المستحقة بالفعل، التى تصل حسب تقديرات البنك المركزى التركى إلى 20 مليار دولار، واجب دفعها خلال الشهريْن المقبليْن، فى حين زاد العجز فى الميزان التجارى مع العالم الخارجى فى النصف الأول للعام الحالى إلى 57 مليار دولار تعادل 6.5 فى المائة من إجمالى الناتج القومى.
 
خلافات حول إيران
 
تمتد الخلافات أيضا إلى موقف أنقرة من العقوبات الأمريكية على إيران، حيث بادر أردوغان بالإعلان عن عدم الالتزام بتلك العقوبات، متسلحا بوجود تبادلات تجارية ونفطية وغاز تقارب 20 مليار دولار سنويا، وهو ما لا تستطيع تركيا أن تفقده إذا التزمت العقوبات الأمريكية. وهنا يعد التلميح بالسعى نحو شراكات بديلة للناتو وللولايات المتحدة أحد الحلول التى يعتقد أردوغان أنها ستعوضه فقدان التحالف والعلاقة الإستراتيجية مع واشنطن. والواضح أن هذا التلميح يظل نوعا من التهديد الأجوف، إذ إن تركيا بالفعل لديها نوع من التحالف مع كل من روسيا وإيران وكلاهما يعانيان من العقوبات والضغوط الأمريكية، كما أن اللجوء إلى عضوية مجموعة “البريكس” التى تضم كلا من الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، وإن كان يمثل بديلا تجاريا بشكل عام، فإن هذه المجموعة لديها قواعد لمن يتم قبوله عضوا فيها تتطلب مرور فترة زمنية تتدرج فيها العلاقات التبادلية. وبالتالى سيحدث قدر من التعويض ولكنه لن يعادل العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الولايات المتحدة.
 
هذه الإشكاليات ما بين تجارية واقتصادية وسياسية، تؤكد أن الدور التركى الذى عاث فسادا فى المنطقة برعاية أمريكية، يشهد تحولا وانحسارا. الأكثر من ذلك تؤدى الإدارة السياسية المُكابرة والفاقدة للحكمة والإدراك الصحيح لحالة النظام الدولى الراهن، وما فيه من اختلالات كبرى، إلى صعوبات قد تبدو محدودة فى بدايتها، لكنها حتما ستقود تركيا أردوغان إلى مرحلة كمون إجبارى لمعالجة المشكلات الداخلية المتفاقمة.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg