رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الثلاثاء 25 سبتمبر 2018

المجلة



لقاء الأضحى والعذراء.. حين نصلى مـعـاً

16-8-2018 | 23:53
تحقيق استقصائى كتبه - نبيل شرف الدين

المسلمون المصريون فى مكة.. والمسيحيون فى دير العذراء
 
تزامن أعياد الأقباط والمسلمين فى مصر رسالة سماوية وتدبير ربانى
 
القرآن خص مريم بصورة كاملة فى القرآن.. والإنجيل يبشر المصريين: مبارك شعبى مصر
 
من الضريح إلى المراجيح طقوس مشتركة بين موالد المسيحيين والمسلمين فى مصر
 
بينما يؤدى المسلمون فريضة الحج هذه الأيام ـ لمن استطاع إليه سبيلا ـ ويتأهبون جميعًا فى جميع أنحاء العالم للاحتفال بعيد الأضحى، يتوافد الأقباط المسيحيون على «دير العذراء» فى قرية «دُرنكة» التابعة لمحافظة أسيوط بصعيد مصر، للمشاركة فى الحفاوة بصيام السيدة مريم العذراء؛ وتزامنًا مع ذكرى لجوء العائلة المقدسة إلى مصر واحتمائها بمغارة بجبل أسيوط الغربي، هربًا من بطش الرومان.
تنطلق الاحتفالات بداية من يوم 7 أغسطس وتستمر حتى 22 أغسطس، وهى الفترة الزمنية التى مكثتها العائلة المقدسة أثناء رحلتها لمصر، فى هذا المكان الذى يُعد من أهم المزارات الدينية، ويقصده أكثر من ثلاثة ملايين زائر على الأقل سنويًا من شتى أنحاء مصر وخارجها للتبرك بالمشاركة فى «عيد صعود جسد أم النور» وهو أحد الألقاب التى تُطلق تبجيلاً للسيدة العذراء لدى المسيحيين والمسلمين عامة، والأقباط خاصة، حيث كان الأقباط أول من احتفى بالقديسين طلبًا لشفاعتهم وتوقيرًا لهم، بينما نرى المنتمين للطرق الصوفية فى مصر (الذين يُقدّر عددهم بنحو 20 مليونا على الأقل) يحتفلون بموالد آل البيت وأولياء الله الصالحين، ويبلغ عدد الطرق الصوفية المسجلة رسميًا بمشيخة الطرق الصوفية نحو 76 طريقة، فضلاً عن نحو أربعين طريقة صوفية غير رسمية من بينها «الطريقة الطيبية» التى يترأسها شقيق الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، ويُدعى محمد الطيب.
وهذه الحفاوة المسيحية والإسلامية تتخذ شكل «المولد» وربما يجهل البعض أن للأقباط موالد فى شتى بقاع مصر، خصوصا فى كل مكان عاشت فيه مريم العذراء خلال رحلة العائلة المقدسة، لهذا فهى صاحبة أكبر عدد من الموالد الـ62 التى يحييها الأقباط سنويًا فى مصر، وتشبه كثيرًا الموالد الصوفية لدى المسلمين، فهى تشمل كل العادات والتقاليد الراسخة اجتماعيًا تقريبًا من الضريح إلى المراجيح.
وليست مجرد مصادفات حين تتزامن الأعياد والمناسبات الدينية المقدسة لدى الأقباط المسيحيين والأقباط المسلمين، هكذا يحدثنى ضميرى كلما حدث ذلك وأراها «رسالة سماوية وتدبيرًا ربانيًا» تعززه عدة نصوص سواء من الكتاب المقدس أو القرآن الكريم، وبالطبع لا أرى تلك الأمور بعين «الدرويش»، بل المحقق المؤمن بربه ثم وطنه وشعبه، لهذا أعتبر تزامن أيام يتبرك بها المسيحيون بصيام السيدة العذراء الذى يعقبه الاحتفال بيوم صعود جسدها إلى السماء حيث حملته الملائكة عقب وفاتها، وفقًا للمعتقد المسيحي، مع أيام أخرى يُجمع جميع المسلمين بأنها مُباركة، ويعقبها عيد الأضحى الذى يستلهم سيرة سيدنا إبراهيم (عليه السلام) أبى الأنبياء، الذى ينتمى إليه معتنقو الأديان السماوية الثلاثة، حتى إنهم يوصفون باسمه بمصطلح «الأديان الإبراهيمية» نسبة إلى الأصل المشترك بين اليهودية والمسيحية والإسلام، برغم اختلاف تفاصيل المُعتقدات، لكن الجوهر يبقى واحدًا.
 
بشارة وفداء
ويؤمن كاتب هذه السطور المتواضع بعد الله تعالى بقيمة العقل وجوهر المنطق، ويحتكم للضمير ـ وهو مناط التكليف ـ نتيجة تراكم خبرات ودراسات لصيقة بالشخصية المصرية من أقصاها إلى أدناها، ومعذرة لتلك اللمحة الشخصية فهى مدخل ضرورى للتواصل الصادق مع الذات والقارئ، وستقودنا ـ كما سنرى ـ لنتائج ربما يتفق معها البعض ويختلف حولها آخرون، ويتحفظ عليها فريق ثالث، وهذا يعنى أنها لامست تخوم الواقع، وأثارت مكنون النفوس التى تعرضت على مدى عصور ضاربة فى عمق التاريخ، ولصيقة بالجغرافيا، وتُعلى راية الوطن كمظلة تتسع لجميع الأطياف والمكونات، ناهيك عن تعاقب الأحداث الجسام التى شهدتها «المحروسة» والمحطات المفصلية فى تاريخ حضارتها الممتدة لعصور سحيقة.
«مُبَارَكٌ شَعْبِى مِصْرُ» (أشعياء 19)، هكذا بشّر السيد المسيح المصريين الذين احتضنوه وأمه القديسة خير النساء التى خصّها القرآن الكريم بسورة كاملة لم تنازعها هذا الشرف فيها امرأة أخرى، وفى سورة أخرى قال تعالى: «وإذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ» (آل عمران: 42)، وهناك عدة أحاديث نبوية صحيحة تُمجّد السيدة العذراء، لكن لا يتسع المقام لسردها تفصيليًا وشرحها وذكر أسانيدها المُعتبرة بالرواة الثقاة والمحققين، وتتماهى الرؤية الإسلامية مع المسيحية بشأن البشارة ففى «إنجيل لوقا»: «ظهر ملاك الرب جبرائيل إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُل مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا، اَلرَّبُّ مَعَكِ، مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِى النِّسَاءِ»(لوقا 27/1).
وفى موضع آخر وصفها الله تعالى بقوله: «وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ» (المائدة: 75)، فقد صبرت على الكثير من الابتلاءات التى مرّت بها، فنشأت يتيمة، ونذرتها أمّها للهيكل منذ أن كانت حاملاً بها، بعدما ظلت طيلة شبابها عاقرًا لا تنجب، الأمر الذى كان يعتبر عارًا فى المجتمع اليهودى القديم، ثمّ خاضت أصعب محنة حين بشّرها الملاك جبرائيل بأنّها ستكون حاملاً، وستلد دون زوج، فكان أعظم ابتلاء تعرّضت له؛ للتّشكيك، وسوء ظّن قومها، خصوصا أنّها كانت بتولاً، اجتنبت الرجال أكثر من أيّ امرأةٍ أخرى، ومع ذلك فإنّها حين أخبرها الملاك بحملها لم تسأل ربّها دليلاً كما سأل زكريا، وعندما أنجبت مريم السيد المسيح عليه السلام، وله المجد، كانت وحيدةً، بعيدةً عن أهلها ومَن يُعينها فى وضعها، ثمّ أخذت ابنها، وواجهت به قومها، ملتزمةً بأمر ربها، ولذلك كانت صدّيقةً، مؤمنةً، طائعةً، فاستحقّت التكريم والتفضيل على جميع نساء العالمين.
وفى الجانب المسيحى تُسبّح الكنيسة فى عيد دخول السيدة العذراء وطفلها السيد المسيح أرض مصر، قائلة: «افرحى وتهللى يا مصر مع بنيها وكل تخومها، لأنه قد أتى إليكِ مُحب البشر، الكائن قبل كل الدهور».
 
الخليل .. أبو الأنبياء
تقودنا سيرة السيدة العذراء وابنها السيد المسيح وجذور احتفالات المسلمين بعيد الأضحى إلى البداية، وهى قصة أبى الأنبياء خليل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام، فهى معروفة وتكاد تتفق الكتب السماوية على جوهرها، فقد هاجر مع زوجته سارة وابن أخيه لوط الّلذيْن لم يؤمن أحدٌ سواهما من المدينة، فذهب إلى فلسطين بالقرب من قرية تُسمى «أربع» وهى التى نشأت فيها مدينة «الخليل» وتضم الحرم الإبراهيمي، ويُعتقد أنّه دفن فيها، ثمّ هاجر لمصر بسبب القحط فى فلسطين حينئذ وتزوّج هاجر هناك، وأنجب منها إسماعيل وهو فى السادسة والثمانين من عمره، أمّا سارة فأنجب منها إسحاق، وحين أصبح إسماعيل شابًا رأى إبراهيم فى منامه أنّه يذبحه، ولأنّ رؤيا جميع الأنبياء حقٌّ لا تشوبها شبهة عبث الشيطان، فقد امتثل لأمر الله وروى لابنه إسماعيل الرؤيا، فاستجاب كما ورد بالقرآن الكريم: «قال يا أبت افعل ما تُؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين»، وحينما جاء امتثالاً لأمر الله لذبح ابنه، وضعه على الأرض حتّى التصق جبين إسماعيل بها، وهمّ بذبحه لكنّ السكين لم تقطع وتنحر إسماعيل، وحينها جاء فرج الله، بنزول الملاك جبريل بكبش فداء لإسماعيل، قال تعالى: «وفديناه بذبح عظيم»، فبدأت سنّة الذبح والنّحر والّتى أصبح جميع المسلمين يؤدّونها فى الحج عند البيت الحرام وفى عيد الأضحى، وتبرز رؤية مسيحية تختلف عن الإسلامية فى تفسير مغزى «الذبح العظيم»، معتبرين أن السيد المسيح هو ذلك احتمل آلام التعذيب والصلب للتكفير عن خطيئة آدم، وسعيًا لخلاص البشر، وأن القصاص الإلهى عادل، يتناسب طرديًا مع مكانة الشخص المُساء إليه، فإذا وقعت مهانة لشخص قليل الشأن كان قصاصها لا يُذكر، وكان تعويضها ضئيلاً، أما إذا وقعت الإهانة على شخص عظيم القدر كملكٍ أو حاكم، كانت جريمةً شنيعة تستحق عقاباً جسيمًا، وبما أن الخطية إهانة موجَّهة لله الذى لا نهاية لمجده ولا حدَّ لسمّوه، فالعقوبة المستحقَّة لا نهاية لها، فلا عجب أن قال الله لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة التى نهاه عنها «موتًا يموت» لكن هذه مسائل جدلية «فقهية ـ لاهوتية» لسنا مؤهلين للتصدى للخوض فى تلك الإشكاليات العقائدية الشائكة.
 
غرائب الأضاحي
نأتى على الجانب الاجتماعى والشعبى فى طقوس وعادات الشعوب الإسلامية بشتى أنحاء المنطقة، لأنه الأكثر طرافة وإثارة، ويسود اعتقادٌ خاطئ بأن توافق ميعاد عيد الأضحى لدى كثير من دول العالم، يعنى توافق عاداته وطرق الاحتفال به كذلك، لكنه اعتقاد غير دقيق، فبعض طقوس الاحتفال بعيد الأضحى تختلف بين دولة وأخرى، وتتمايز حسب ثقافة شعب البلد وعادته، والدول الإسلامية تتسم بثقافة غنية بما يكفى أن تجعل احتفالات عيد الأضحى تحمل طابعًا فى منتهى التنوع ولا تخلو من الغرابة أحيانًا، لارتباطها بالتقاليد الاجتماعية والحضارية الراسخة لدى كل شعب ولا يمكن تجاهلها، فقد كانت قائمة قبل دخول الإسلام كل الدول ذات الحضارات العريقة، ففى اليمن مثلاً يزور رب الأسرة بصحبة أبنائه حمامات البخار الشعبية، قبل حلول العيد بيوم واحد، ويقومون أيضًا بترميم المنازل وطلاء القديم منها، حتى تبرز بأزهى وأفضل شكل كأنها ارتدت لتوها حلة العيد، وبعد الصلاة، يزور اليمنيون أقاربهم، ثم يتم الخروج «للنيشان»، وهو الصيد باستخدام الأسلحة النارية، لتعليم الأولاد، ولا يخلو العيد من «القات» الذى يمضغونه أو «يخزنونه» فى الفم دون بلعه، والذى يعتبر طقسًا شائعًا ومتجذرًا فى تقاليد البلاد، ويمارسه اليمنيون عصر يوم العيد بعد تناول الغداء، حيث يجتمع أفراد العائلة وينفصل الرجال عن النساء لمضغ عشبة القات المُخدرة أو المُنبهة.
نذهب إلى مملكة البحرين، حيث يروى أحد شيوخها قصة أقدم طقوس العيد التراثية وتُسمى «الحيّة بيّة»، والتى ما زالت تُمارس حتى اليوم، فيلقى خلالها الأطفال لعبتهم التى تكون بمثابة أضحية صغيرة فى البحر، مرددين أنشودة: «حية بية راحت حية وجات (يات) حية، على درب لحنينة عشيناك وغديناك وقطيناك، لا تدعين عليّ حللينى يا حية»، وهى حصيرة صغيرة من سعف النخيل، يتم زرعها بالحبوب مثل القمح والشعير، ويعلقونها فى منازلهم حتى تكبر وترتفع حتى يلقوها فى البحر يوم وقفة عرفة.
ويمثل دم الخروف فى شمال إفريقيا أغرب الاحتفالات، إذ يشرب بعض المغاربة فى مناطق محددة القطرات الأولى من دماء الأضحية لإيمانهم بأن ذلك «سيمنع الحسد»، وترش المغربيات الملح على دماء الأضحية أثناء عملية الذبح، لإبعاد الشر والجن والشياطين عن المنزل فتحل عليه البركة، ولذات السبب تفضّل أخريات وضع الملح فى فم الخروف صباح يوم العيد، وهناك عادات أخرى كغمس اليد فى الدماء وطبعها على الجدران، كما يسارع البعض لجمع دم الأضحية فى إزار أبيض ليلتحفه خشية أن يمسّه الجنّ» حسب معتقداتهم الشعبية الشائعة.
أما ما يميز العيد فى الجزائر، فهو تنظيم مصارعة الخراف التى يطلق عليها «مصارعة الكباش» وتقام يوم حلول عيد الأضحى وسط حشود كبيرة من المشاهدين، وهى من أقدم العادات التى يتمسك بها الجزائريون حتى الآن، وخلال المصارعة يفوز الكبش الذى يجبر الآخر على الانسحاب، ويعتبرها الأهالى مجرد وسيلة ترفيه وتسلية إذ يُكبّر الصغار وهم يرون آباءهم يمارسونها فتصبح عادة لديهم، لذلك عند اختيار الكبش، يفضلون شراء الكباش القوية ذات قرنين كبيرين، كى يحرز الفوز فى المصارعة، غير أن الفئة التى تمارس هذا النشاط ليست كبيرة لأنها تكاد تنحصر فى شرائح اجتماعية متميزة.
ونصل إلى ليبيا، حيث تضع سيدة المنزل «الكُحْل» فى عينى الخروف، ثم تشعل نيران «الكانون» وتضع البخور فيه، ويهلل أهل البيت فرحين مُكبّرين إذ يسود فى ليبيا اعتقاد شعبى بأن الأضحية هدية إلى الله وسيمتطيها الشخص الذى يطلق اسمه على الكبش إلى الجنة يوم القيامة، لهذا يجب أن يكون الكبش قويًا مُعافى وأيضًا جميل المظهر، وفى بعض المناطق الليبية لا يؤكل لحم الأضحية فى اليوم الأول كالعادة لدى الأغلبية الساحقة من المسلمين، بل فى اليوم الثانى للعيد، وهناك عائلات تُضحى بأضحيتين بدلاً من واحدة، وتكون إحداها للأب والأخرى للأم.
ونُنهى جولتنا فى السودان، حيث تحرص الأغلبية المسلمة فى الشمال على القيام بزفة العيد، وهى خروج السودانيين للشوارع الرئيسية فى البلاد، وزفّ أحد المسئولين للشعب خبر قدوم العيد، وتعتبر هذه العادة من الموروثات الشعبية التى ما زال السودانيون يحافظون عليها، هذا بالإضافة إلى الزّفة، حيث يُقدم شراب البلح الذى يسمى «الشربوت» للضيوف ويطبخ البلح ويعصر ويُخمّر ثلاثة أيام فيصبح جاهزًا للشرب طوال أيام العيد، ولا يعتبرونها خمرًا برغم أنها تحتوى على نسبة كبيرة من الكحول.
 
أعياد وموالد
الأقباط هم أول من آمن بالقديسين ـ أولياء الله عند المسلمين ـ وهذا الاحتفاء دائماً كان يأخذ شكل «المولد» وللأقباط موالدهم المنتشرة فى شتى بقاع مصر، خصوصا فى كل مكان عاشت فيه مريم العذراء هنا، ولهذا فهى صاحبة أكبر عدد من الموالد الـ62 التى تقام كل سنة للأقباط فى مصر.
إنها احتفالات تشبه كثيراً الموالد الصوفية عند المسلمين ، فيها كل شىء من الضريح إلى المراجيح ، وهذا ليس مستغربًا فيمكن للمتابع المتأمل لحركة المجتمع المصرى أن يحدد سماتٍ بعينها يختلف فيها المسيحى المصرى عن المسلم المصري، فكلاهما يحمل نفس الشكل والمظهر والعادات واللغة والتكوين النفسي، ويحمل الأقباط كجزء أصيل من النسيج الوطنى كل الخصائص والسمات الحضارية للشعب المصري، فهم يتسمون بنقاء القلب والبساطة ونبذ العنف، وتحمل الصعاب بصبر أسطوري، ولعل القسوة مع النفس التى اكتسبها الأقباط من تقاليد الرهبنة والزهد، ثم من الصيام الطويل المُضنى الذى يتجاوز مائتى يوم سنويًا، وتقاليد الأسرة المترابطة، ولعل كل ذلك أكسبهم هذه الطاقة الهائلة على التحمل وضبط النفس والصبر برضا وتفاؤل، والتى يرى الدكتور ميلاد حنا، المعمارى الفذّ والباحث والمُفكر الاجتماعى والسياسى البارز أن هذه الصفات اتخذت طابعًا قوميًا، وانتشرت بين أبناء مصر مسلميها وأقباطها على السواء، ولم تكن ذات يوم حكرًا على المسيحيين وحدهم «لأن المصريين دائمًا كانوا فى الهم سواء».
وبعيدًا عن السياسة وحساباتها فإن الموالد الشعبية والاحتفالات بالأعياد، هى المعيار الاجتماعى الذى يعكس روح الشعب الحقيقية، ففضلاً عن الموالد الصوفية الشهيرة كمولد الإمام الحسين والسيدة زينب وأقطاب التصوف رضى الله عنهم، فهناك بالمقابل موالد مسيحية تكاد تنفرد بها مصر، وما يتعلق بالسيدة العذراء وحدها لا حصر له لكننا سنكتفى بالإشارة لثلاثة موالد ارتبطت بمحطات فى صعيد مصر خلال رحلة العائلة المقدسة.
ويعد مولد العذراء فى «الدير المحرق» بأسيوط الأكبر من نوعه، ويحضره مئات الآلاف من أقباط مصر، ومسيحيى العالم، لأنه فضلاً عن أن العائلة المقدسة عاشت قرب هذا المكان، فهناك اعتقاد راسخ بأن حجر المذبح فى الدير الذى تُنحر عليه الأضاحى نهاية المولد هو ذاته الحجر الذى كان السيد المسيح ينام عليه وهو طفل، ويبدو المشهد يقارب المشاهد الدرامية التى تصورها السينما فى هوليوود والأفلام الوثائقية الرصينة، إذ تضم آلاف الجموع حيث تملأ الخيام الجبل الذى يحتضن «دير المحرق» بدءاً من السفح وانتهاء بالدير نفسه وما بعده.
وداخل الخيام يقيم الفقراء، أما الأثرياء فيستأجرون بيوتًا يديرها الدير، فضلا عن فندق لاستضافة الأجانب وكبار الشخصيات، وهو ما يحدث أيضًا فى مولد العذراء بقرية «درنكة» حيث يتكرر نفس المشهد، ويقوم الشمامسة والمتطوعون الذين يرتدون زياً موحداً بتنظيم تدفق الناس وتوجيههم ومساعدتهم.
أما ثالث الموالد فى الصعيد فهو مولد العذراء بجبل الطير بمحافظة المنيا، وهو دير منحوت فى الجبل يصعد إليه مرتادوه بنفس الطريقة التى يصعدون بها للدير المحرق ودرنكة، والدير على الناحية الشرقية من النيل، كان «جبل الطير» هو أول بقعة تطأها قدم السيد المسيح بعد أن عبر النيل، ويسميه الناس «جبل الكفّ» لأنهم يعتقدون أن كف المسيح منعت صخرة كبيرة من الانحدار ناحية الوادي.
ويقتضى فهم سرّ حفاوة المصريين البالغة بالسيدة العذراء التى تحمل عدة ألقاب أشهرها وأكثرها تداولاً هو «أم النور»، وفى الجانب الإسلامى ستجد المرادف الموضوعى مُتمثلاً فى السيدة زينب التى يُطلق عليها أهل الطريق من المتصوفة والعوام «أم العواجز» وهناك أمثلة أخرى كالقديسة دميانة والسيدة نفيسة وغيرها مما يصعب حصره، وهنا يقول الدكتور حنا جرجس الباحث بالمركز القبطى للدراسات الاجتماعية عن تلك الظاهرة: يجب أن نفهمها فى سياق فهم تاريخ الدين المصرى القديم، فالمجتمعات الزراعية تعتبر المرأة رمزًا للخصوبة تماماً كالأرض، وفى كل الحضارات الزراعية نجد أن الآلهة الأنثى هى الأقوى، لذلك كانت إيزيس أهم آلهة مصر القديمة، ولم يكن سهلاً تنازلها عن عرشها دون بديل، الذى قدمته المسيحية ممثلة بالسيدة العذراء المقدسة فى العالم كله خاصة حوض البحر المتوسط، وأعتقد أن الأيقونات التى تصور المسيح وهو يرضع من السيدة العذراء حملها ذات الوجدان الشعبى المتجذر لصورة إيزيس وهى تُرضّع حورس، وبذلك نستطيع القول إنه بانتهاء عصر تعدد الآلهة كانت هناك حاجة لظهور القديسين والقديسات كبديل للآلهة المحلية، وأن تحتفظ كل قرية برفات أحد القديسين أو أولياء الله الصالحين كبديل عن أجزاء أوزوريس التى فرقتها «قوى الشر» فى شتى أنحاء وادى النيل الخالد.
 

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg