رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأربعاء 26 سبتمبر 2018

مقالات



إياك أن تصادق أردوغان

16-8-2018 | 23:43
مهدى مصطفى

ليس للسلطان مَنْ يصادقه، مع الاعتذار للسيد جارثيا ماركيز، تتخلى عنه الليرة الآن، ويبتعد عنه الحلفاء، ويختفى أصدقاؤه القدامى، وكان له ذات يوم: عبد الله جول، أحمد داود أوغلو، فتح الله كولن.
كان الرئيس السورى بشار الأسد يراهن على صداقة فريدة مع السلطان، وكانت كذلك بالفعل، فيذهب الأسد إلى أنقرة أو إسطنبول ضيفا على منزل أردوغان، يحتسيان الشاى الأبيض فى شرفة المنزل، ثمن الكيلو جرام من هذا الشاى 1500 دولار، بينما السيدتان: أمينة أردوغان وأسماء الأسد تتجاذبان أطراف القصص النادرة، لا فرق بين الأولاد، ولا البلدين، ولا السلاطين والرؤساء.
 
فى دمشق يتجول أردوغان كأنه فى أنقرة، لا بروتوكول ولا حرس شرف، فـ «البساط أحمدى»، اقترح أردوغان مرة أن يكون عرّاب المفاوضات السرية بين دمشق وتل أبيب، فجعل أحد منازله ملاذا آمنا بين رياض داودى، المستشار القانونى لوزارة الخارجية السورية، وبين شالوم ترجمان ويورام توربوفيتش المستشارين لدى إيهود أولمرت، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق.
 
كادت المفاوضات أن تنجح، وتمنى الرئيس السورى عقد معاهدة سلام يرعاها صديقه الفريد أردوغان، ويصنع له الجميل، فيحظى  بعضوية الاتحاد الأوروبي، وبجائزة نوبل للسلام.
فى العام الواحد كان الأسد يزور أنقرة ثلاث مرات على الأقل، وكذلك يفعل أردوغان، يفتح الأسد خطوط التجارة بين البلدين، يكسب أردوغان 18 مليار دولار سنويا من التجارة بينه وبين الخليج العربى والعراق مرورا بالشام.
 
كان الرئيس السورى يعتقد أن السلطان العثمانى سينسى معركة مدينة حماة السورية ضد جماعة الإخوان عام 1982، وكان يظن أردوغان أنه سيستعيد حلب والموصل، الحدود الجنوبية للخلافة العثمانية، فى كل مرة كان يزور فيها دمشق يصطحب معه نظرية “صفر مشاكل” مع الجيران، تعبير أحمد داود أوغلو الفصيح، فيطمئن الشام أن التاريخ الدامى لن يعود، وأن السلطان الجديد فى قلب محور المقاومة، حتى لو كان الناصح الأمين لمفاوضات سرية بين دمشق وتل أبيب بعيدا عن مبادرة السلام العربية.
 
يبدو أن الشام تناسى الحكمة العربية القديمة” أهلك لا تهلك” فانخرط فى علاقة شاملة مع السلطان العثمانى الحالم، علاقة وجد فيها متنفسا اقتصاديا وسياسيا، وكان نموذج الاقتصاد التركى تحت رعاية حزب العدالة والتنمية مزدهرا فى وسائل الإعلام، وكان نموذج الانخراط التركى فى حلف الناتو، ووجود أكثر من 26 قاعدة عسكرية أمريكية فى أراضيها، دليلا على قدرة تركيا الدولية على فتح أبواب النظام العالمى الجديد أمام سوريا.
 
ولكن تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن، فحلم السلطان كان الحصول على الشام والعراق أولا، ثم العودة إلى ما يسمى بأراضى الخلافة قطعة وراء أخرى.
جاءت اللحظة المنتظرة، حين اطلع السلطان على مخطوطة كوندوليزا رايس ورفاقها الطيبين، فانطلق راكبا أمواج ما يسمى الربيع العربي، وشاهدته الجماهير وهو يطل من شاشات التليفزيون ويحيى الثوار فى الميادين العربية، يستقبل النشطاء، يدعو إلى انتخابات ديمقراطية، يزور عواصم الربيع فى مواكب سلطانية.
 
كان حظ الرئيس السورى، الصديق القديم، هو الحظ الأتعس، فشن عليه السلطان هجوما حارقا، طالب الغرب والولايات المتحدة بإزالة جثة صديقه القديم من الشام، وراح يفتح الحدود لتنظيمات إرهابية من كل فج عميق، يستقبل الفارين من سوريا، ويحث الجيش العربى السورى على الانقسام، ويطلق على الفارين جيشا حرا، أليس هذا ما جرى للعراق حين دعمت واشنطن ما يسمى الجيش العراقى الحر، وقد تدرب فى المجر قبل الغزو الأمريكى؟
 
كان ينتظر الفرصة وجاءت، وتخيل أنه سيرى مرتزقة الانكشارية يسيطرون على نصف الكرة الأرضية، وتخيل أنه عاد إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، فتعجل، وكشف أوراقه المخفية، وليته ما تعجل، فبعد سبع سنوات عجاف آمن العرب والعجم بـ «إياك أن تصادق أردوغان.. وكل أردوغان».

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg