رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 17 نوفمبر 2018

المجلة



وثائق أدبية فى الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله.. تناقضات د. زكى نجيب محمود فى رسالة لم تنشر

23-8-2018 | 10:46
نبيل فرج

 
هذه رسالة مخطوطة للدكتور زكى نجيب محمود (1905 - 1993) كتبها فى 1991 لهيئة تحرير مجلة «المنتدى» التى كانت تصدر فى دبى فى اتحاد الإمارات العربية، عندما اعتزمت المجلة إعداد ملف عن زكى نجيب محمود، فى عيد ميلاده السادس والثمانين، تقديرا منها ومن الثقافة العربية لهذا المفكر الكبير. ورسالة الدكتور زكى نجيب محمود التى تنشر لأول مرة عن أصولها، فى الذكرى الخامسة والعشرين على رحيله، ككل كتاباته الفلسفية والأدبية، تطرح بمنهجه العلمى قضية التناقض الذى يتعرض له فى حياته الفكرية بين المؤيدين له، المقدرين لأعماله، والمختلفين معه، المهاجمين له، وهى إحدى القضايا الأخلاقية التى شغلته من منظور الوضعية المنطقية التى تبنى طرحها.
 
 كما شغلته من ذات المنظور المثالى كل قضايا التقليد والتجديد، أو الموروث والوافد، والعلم والدين، والشرق والغرب، والمجرد والمحسوس، والصورة والمادة والكيف والكم، وغيرها من القضايا المتصلة بالمبنى والمعنى التى مضى على بعضها أكثر من قرن ونصف القرن، وعاد زكى نجيب محمود إلى إثارتها ومحصها فى كتبه ومقالاته خلال حياته التى يذكر أنه بدأها قبل سن العاشرة لا يملك غير مشاعره، إلى أن قوى عضده وبلغ رشده، بفضل تعدد وتضارب المعارف الثرية التى حصلها فى الشباب وما بعده، وحمل بها هموم أمته وهموم الثقافة الإنسانية فى عصرها الجديد، متمسكا بتراثه القومى، وقيم الحضارة الغربية، فى الحدود التى لا يتعين تخطيها، وتكون فيها المدنية مرادفة للعلم، مدركا أن النهضة التى عرفتها مصر فى القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، قبل الغزو العثمانى، صانت به الحضارة الغربية فى عصر المماليك. وخلاصة موقف زكى نجيب محمود تحرير الفرد ككائن أو ذات مستقلة، وليس كجزء من المجتمع الذى ترابط فيه الماضى والحاضر، وأن تكون الثقافة العربية فى مستوى العصر، تفيد من الغرب وحضارته ولا تتخلف عنه أو عن التكنولوجيا فى تطبيقاتها وتجاربها المختلفة، بحيث يكون لكل فرد وجوده الخاص، ووحدته القائمة بذاتها وفق عقيدته وضميره، لا يتدخل فيها أحد من قريب أو من بعيد، ولا يشرع له أحد، وتكون فيها اللغة موطن الثورة والتجديد.
 
وبهذا الموقف الذى يرى فيه زكى نجيب محمود أن حياة كل شعب فى العالم المعاصر تشبه حياة الشعوب الأخرى، خاض قضاياه التى أومأ إلى بعضها فى هذه الرسالة: قضايا التقدم والحرية والهوية القومية، مفرقا فى كتاباته بين ما تلتزم به الحياة من التمسك بقوانين الطبيعة أو السببية فى قاعات الدرس المغلقة، والاستسلام للخرافة والجهل خارج هذه القاعات، وهو الذى يفضى للدوجما أو الجمود، والاعتقاد الثابت الذى لا حول عنه، وإن أخذ عليه فى هذا الصدد اعتماده على الخبرة الحسية وحدها، التى تنكر الملابسات التاريخية المحيطة التى تحققها.
ونظر زكى نجيب محمود للتراث العربى نظرة موضوعية، لا يحجب فيها الجديد القديم، ولا يطغى فيه التقليدى على الحديث، ولا يخفض من قيمته أو يعلو عليه، وهذا يدل على أن زكى نجيب محمود لم يكن من غلاة المدافعين عن التراث القومى على إطلاقه، ولا كان من غلاة المؤمنين بالثقافة الأجنبية، وإنما كان معتدلا فى التعامل معها، يقف بينها موقف التوسط، دون أن يفقد فى نقده للشعر الجديد - على سبيل المثال - تمسكه بالقالب القديم.
وأعتقد أن هذا الموقف هو الذى تقبلته أو ارتضته الثقافة العربية منذ مطالع النهضة الحديثة فى أواخر القرن التاسع عشر، مع نزوعها للتجديد، خصوصا فى نطاق الدراسات التى تأخذ بالتريث والتؤدة، ولا تقابل كل خروج على الماضى بالرفض والإدانة، كما لا تصل به الحماسة للثقافة الغربية إلى حد أن تكون مصر جزءا من أوروبا.
وكتب الدكتور زكى نجيب محمود عن «المنطق الوضعى»، و«خرافة الميتافيزيقا»، و«حياة الفكر فى العالم الجديد»، و«تجديد الفكر العربى»، وغيرها تجيب عن قضاياه، ومحورها - كما أشرت - التقدم والتخلف، تعبيرا عن العصر بلسان عربى مبين، مؤكدة فى تنظيمها العقلانى على ضرورة الترجمة، والتواصل بين الأجيال والثقافات، إذ لا غنى عن تراكم المعرفة أيضا الذى يؤدى إلى المغايرة والمركب الجديد. لقد كان كل ما يتطلع إليه زكى نجيب محمود فى التعامل مع الحياة والفكر، وفى تصريف شئونه وشئونها، سلامة الجدل، والحوار المتكافئ مع كل الأطراف، وصحة المراجعة، ووفاء المعنى، لا يتسلط فيه طرف على آخر، أو ينفى فيه طرف الآخر.
وفى نقده ينصب على النص من داخله، معتمدا على لغته التى يحتفل بها النقد الجديد فى أوروبا وأمريكا، ووجد عناصره فى تراث العرب النقدى. وبمثل هذا التناول النقدى، أو هذه القراءة الباطنية للنص، يتساوى لديه تفكيك علاقات العناصر مع تركيبها.
وتمسكا بالتكافؤ الفنى لم يكن زكى نجيب محمود يؤيد المؤتمر الفلسفى الدولى الذى عقد فى القاهرة فى 1983 عن «الفلسفة ورجل الشارع»، ورأى فيه ذبحا للفلسفة بتغليب الشكل أو القالب على المحتوى والمضمون.
لكنه على مستوى الحياة السياسية كان زكى نجيب محمود يؤمن بأن كل محاولات التمويه ومقاومة السلطة والحكام، التى تقهر الأفراد، لا تستطيع أو لا تقوى على قهر الرأى العام المستنير بالمعرفة.
فإذا أخلت الحكومة بوظيفتها يحق للشعب فى هذه الحالة أن يثور عليها ويسقطها، كما حدث فى فرنسا فى 1830، عندما أعلنت الثورة الفرنسية العصيان على الملك شارل العاشر، وأسقطته لخروجه على الدستور، وحلت محله لويس فيليب، ولابد أن زكى نجيب محمود كان يستشعر خطر الأصولية والتطرف، وتهديدها للحضارة بنظرتها الحرفية اللا عقلية للنصوص، الذى يتجلى فى الإرهاب والشر المطلق المعادى للإنسانية، برغم ما هو مسلم به من أن النصوص فى دلالتها لا فى صيغها، وفى منهج الاستدلال الذى لا يتناقض مع العقل.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg