رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
السبت 22 سبتمبر 2018

المجلة



ثروات أنقرة فى أيدى 10% من السكان.. انهيار العملة التركية ليس مفاجأة

23-8-2018 | 10:54
حمدى الجمل

الاقتصاد التركى اقتصاد هش، وتدهور الليرة التركية نتيجة منطقية لاختلال الموازين التجارية الخارجية لتركيا، حيث يدورعجزالميزان التجارى التركى حول مستوى 85 مليار دولار سنويا. 
وقد ارتفع عجز ميزان الحساب الجارى من 3,8 % من الناتج المحلى الإجمالى التركى الذى بلغ نحو 863,7 مليار دولار عام 2016، إلى نحو 5,5 % من الناتج عام 2017، وسوف يبلغ نحو 5,4 % من الناتج عام 2018. 
تفاقمت الديون الخارجية وتجاوزت 441مليار دولار، منها نحو 102 مليار دولار ديون قصيرة الأجل، تشكل عبئا ثقيلا، إضافة لضعف الطلب الفعال فى الداخل نتيجة سوء توزيع الدخل فى تركيا والظلم الاجتماعى البين، حيث تعد تركيا من بين أسوأ دول العالم فى هذا الصدد. 
وتشير بيانات تقرير الثروات العالمى إلى أن أغنى 10 % من السكان فى تركيا يستحوذون على 77,7 % من الثروة التركية، وهى تصنف ضمن أسوأ دول العالم فى توزيع الدخل. وتشير بيانات البنك الدولى المأخوذة من بيانات رسمية تركية إلى أن نصيب أفقر 10 % من سكان تركيا من الدخل بلغ 2,2 % فقط. وبلغ نصيب أفقر 40 % من الأتراك نحو 16,3 % من الدخل. وفى ظل التعويم الكامل لليرة التركية، فإنها أصبحت تحت رحمة المضاربين، وفى ظل الظروف المالية  والمعطيات الاقتصادية الصعبة أوقعت الليرة أمام  باب  واسع من المضاربات التى هوت بها إلى مستويات متدنية لأول مرة.  
إضافة إلى أن سياسية أردوغان غير المسئولة وتدخله غير المبرر فى تفاصيل العمل الاقتصادى  تعد أحد أهم أسباب انهيار الليرة وضعف ثقة المستثمريين فى الاقتصاد التركي، بعد أن عدل الدستور وألغى منصب رئيس الوزراء، وبات هو الحاكم الفعلى مع الصلاحيات الواسعة التى أعطاها لنفسه بعد إعادة انتخابه رئيسا لتركيا، إضافة إلى تدخله فى السياسية النقدية أيام الانتخابات وتصريحاته العنترية بأنه لن يرفع سعر الفائدة بعد نجاحه ورفضه لقرار وزير المالية برفع سعر الفائدة إلى 16.5 %، ثم إقصاء وزير المالية من منصبه وتعيين صهره وزيرا للمالية بصلاحيات كاملة لكل أدوات العمل الاقتصادي، كل هذا أدى إلى خلل كبير فى منظومة العمل الاقتصادي، وأعطى رسائل سلبية إلى الأسواق العالمية بأن تركيا لا تأخذ بالمعايير العالمية فى العمل الاقتصادي. 
وبعد نجاحه ازدادت الأوضاع سوءا ولم تتحسن المؤشرات الاقتصادية، وبدأت الليرة مسيرة الهبوط حتى جاء خطابه إلى الشعب التركى بالتنازل عن الذهب والعملات الصعبة من أجل إنقاذ الليرة بمثابة عملية انتحارية  للعملة التركية وأعطت رسالة سلبية للأسواق، وهزت الثقة بالاقتصاد التركى كله مما دفع الليرة إلى الهبوط إلى مستوى 7.22 ليرة لكل دولار من 2.2 ليرة قبل الانتخابات بفترة وجيزة. 
إضافة إلى ذلك فإن عناصر انفجار الأزمة المالية فى تركيا موجودة  أصلا، وأن الأزمة قادمة لا محالة لأى سبب أو عندما تتراجع إيرادات النقد الأجنبي،  حيث لا تتوفر لتركيا فرصة تعويض التراجع بالمزيد من الاستدانة. بعد أن وصلت الديون التركية إلى مستويات من الصعب معها الاقتراض مجددا. وهذا ما حدث بعد الأزمة الأمريكية التركية ومن قبلها التوترات فى العلاقات الأوروبية - التركية قد أثرت سلبيا فى إيرادات السياحة فى بلد يزوره نحو 38 مليون سائح سنويا.
كما أن الصادرات التركية من الألومنيوم والصلب للولايات المتحدة ستتأثر سلبيا بسبب مضاعفة الرسوم الجمركية عليها. كما تأثر رصيد النقد الأجنبى لدى تركيا بصورة سلبية بسبب النفقات الباهظة للحملة العسكرية التركية فى سوريا.
وقد جاء قرار الرئيس التركى باستبعاد الدولار واستخدام العملات المحلية فى التبادلات التجارية مع الصين وروسيا وإيران منقوصا، ولا يمكن أن تكون له أى فاعلية إلا لو ثبتت تركيا عملتها أو حصرت حركتها فى حدود 2 % أعلى أو أقل من سعر أساسى حتى يمكن للدول المذكورة أن تقبل التعامل بها. 
والبديل الثانى هو تسوية الالتزامات الدولية مع الدول المذكورة باليوان الصيني، وهو عملة دولية تشكل نحو 11 % من وحدة حقوق السحب الخاصة. ويعيب هذا البديل أن تركيا لا تملك رصيدا من اليوان، حيث تحقق عجزاً تجارياً يصل لنحو 22 مليار دولار مع الصين، وعجزاً يصل لنحو 18 مليار دولار مع روسيا، وعجزاً يصل لنحو 6 مليارات دولار مع إيران. وصحيح أن السياحة من أبناء تلك الدول فى تركيا تقلل العجز التركي، لكنه يظل حاضرا وكبيرا.  
أما تهديد الرئيس التركى بالبحث عن حلفاء جدد، فإنه يمكن أن يدفعه فى اتجاه تعزيز العلاقات مع روسيا وإيران بصورة غير مسبوقة، حيث يوجد توافق بين قوائم التجارة الخارجية التركية والقوائم المناظرة فى البلدين، لكن هل يكفى ذلك لإنقاذ الاقتصاد التركى من الصعوبات المتوقعة  بعد تراجع الليرة بهذا المعدل وارتفاع كلفة الدين، إضافة إلى تخفيض المؤسسات المالية العالمية لتصنيف تركيا الأئتمانى مما سيعزز عدم الثقة فى الاقتصاد التركي، وسيدفع الاستثمارات بالبعد عن الدخول إليها مع انتظار الاستثمارت القائمة الفرصة المناسبة للخروج من السوق التركى بأقل الخسائر.
وتبدو نداءات الرئيس التركى لشعبه بتحويل ما لديه من عملات أجنبية إلى الليرة التركية لدعمها، مثيرة للشفقة وغير مجدية، لأن الأمور لا تجرى على هذا النحو، فالشعب لن يحول ما بحوزته من عملات أجنبية إلى عملته المحلية إلا إذا ضمن استقرار سعرها أولا للحفاظ على قيمة مدخراته، وذلك من خلال التحول من التعويم الكامل إلى التعويم المدار ووضع مدى محدد لحركة العملة صعودا وهبوطا.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg