رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الجمعة 16 نوفمبر 2018

مقالات



ليس كل ما يلمع ذهبا

28-8-2018 | 23:39
مهدى مصطفى

(لسنا) أنطونيو، ولا أنتم شيلوك، ولن نسمح لكم. أنتم محض خُشبٍ مُسنّدة، وإن لمعتم، فليس كل ما يلمع ذهبا، على رأى العم وليم شكسبير، عليه رحمة الله.

و(لسنا) هذه تعود على (أهل مصر) الطيبين، فهم لا يحبون بعد الآن أن يكونوا شخصية أنطونيو فى مسرحية تاجر البندقية الذى رهن رطلا من جسمه مقابل ثلاثة آلاف من عملة مدينة البندقية الإيطالية فى ذلك الزمن البعيد، فهؤلاء الطيبون لن يسمحوا بأن يكونوا مرتهنين لأى شيلوك مرة أخرى، وأنصحكم بألا تكرروا التجربة، ولا تدخلوها كما فعلتم فى الأعوام الثمانية المُهلكة.

 لقد صنعتم ألف شيلوك، وكلما اختفى واحد، أتيتم بآخر من جب عميق، واعتقدتم أننا أنطونيو الدائم، وأننا سنسكت عما تفعلون، وتظنون أننا محض أناس بسطاء، عادة ما يتطيرون من الفرح، ولو كان قليلا، خوفا من شر منتظر وراء هذا الفرح.

نحن بالفعل لا نُفرط فى الفرح، ونخشى من العواقب، فنترك شيئا لساعات الألم، ولكنكم تماديتم وظننتم أنكم نجحتم فى إصابتنا بالألم الدائم، فأعدتم التجربة، وصنعتم تماثيل لامعة، أغريتم بها الناس، ثم إنكم أنتم من قرر إظهار حقيقتها، فكشفت نفسها بأنها ضارة جدا كالتدخين.

كم تمثالا صنعتم على أعينكم، وجعلتم الناس تتعبد فى جمال طلعته البهية؟

أتيتم بتمثال من ليالى الأنس فى فيينا، وأخذتم به ألباب الناس، وصهرتموه فى أفران المنظمات الدولية، كأنه مخلّص الناس من هموم الزمان، وهو فى الحقيقة كان محض موظف دولى متقاعد فى وكالة الطاقة الذرية، أراد أن يقضى شيخوخته فى صخب، لم يكن ليستطيع أن يفعله فى شبابه الغامض، وقد جاء هذا الصنم المعولب، وأشعل النيران فى أجران القمح، ولما كشفه الذين لا يرغبون فى لعب دور أنطونيو الطيب عاد من حيث أتى، ولا يفلح الساحر حيث أتى.

لا يستطيع الزمار أن يخفى لحيته، وأنتم زمّارون حقيقيون، تزاحمتم لرثاء الأسير جون ماكين حين مات، وماكين كان كبير التماثيل، يا لها من مفارقة أن يكون ماكين، الداعى الأول العميق لغزو بلاد الرافدين، وتشتيت أهله فى أصقاع الأرض، والحارس الأمين على إسرائيل من النهر إلى النهر، تمثالا معبودا لديكم، هكذا تطايرت كلماتكم الحزينة فى وداع تمثال مصنوع من الدم والدمار والموت، ليس لأنه منكم، بل لأنه كان حائط الصد الأخير عن لعبتكم، لعبة شيلوك.

مرة ومرات تكررون اللعبة، والزن على الآذان أخطر من السحر، فلا تكلون ولا تملون من استعادة الأحداث والأشخاص بنفس اللعبة التى نجحتم فيها مرة عابرة، فأغرتكم حتى أصبحت لكم طريقا وإدمانا.

لو كان وليم شكسبير حيا بيننا ما استطاع أن يلاحق التراجيديا العنيفة التى تجعل طاحونتكم لا تتوقف عن الدوران، فعلى الأقل فإن شكسبير كان يشرّح النفس والروح البشرية بقليل من الألم الصاخب، بينما أنتم لديكم مسرح كامل من الدمار الشامل.

هكذا زيَّن لكم شيطان شيلوك، وشيلوك هذا مسكين، فهو تلميذ صغير فى مدرستكم، وبرغم ضلاله وتضليله، لم يفكر مرة فى استخدام مشاعر الناس الفطرية فى محبته شخصيا، فقد كان مكروها، أو محبة شخص أو نجم أو ظاهرة ثم يحولها بعد ذلك  إلى خنجر فى خاصرة العباد المساكين، وهم يحاولون الفرح ولو قليلا مثلما تفعلون وتستغلون محبة الناس لهذا النجم أو ذاك فى أى مجال

والحق أقول لكم، إنه بمراثيكم لجون ماكين حصلتم على العلامة الكاملة فى الامتحان، وإن استخدامكم لحادث صغير هنا أو هنا لهو تأكيد على أنكم تعلمتم على أيدى مليون شيلوك، لكنكم لن تفلحوا بعد الآن، فقد تعلمنا ألا نكون أنطونيو الطيب.

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg