رئيس مجلس الإدارة:عبدالمحسن سلامة
رئيس التحرير:جمال الكشكي
الأثنين 24 سبتمبر 2018

المجلة



31 عاما على رحيله ولا يزال القاتل طليقا.. «ناجى العلى» ابن المخيم الحافى الفقير

30-8-2018 | 15:30
عزمى عبد الوهاب

«كنت بسبيلك لبلوغ مدخل المبنى، حيث مكتب جريدة القبس الدولى، متأبطا ملفك الحــاوى رسومــات قيد الإنجاز، يا ناجى، لم ينبس بها أحد لكنها الرصاصة التى اخترقت رأسك، ثلاثون يوما فى الفقدان الكلى، منذ أمس الأول فقط بدأت تتلمس هامشا من وعيك، سمعت ما قاله بعضهم عن أولئك الذين يقتلون القتيل.. تأبى أن تصدق كلامهم».
تلك فقرة من رواية الروائى الكويتى إسماعيل فهد إسماعــيل وعنوانــها «علـى عهــدة حنظلــة» والتـى كرسها الكاتب الكويتى لتجربة ناجى العلى، ومأساته التى اجتذبت أيضا شاعرا مثل عبد الرحمن الأبنودى، ليكتب عنها ديوانا كاملا «الموت على الأسفلت» إضافة إلى مئات القصائد لدى شعراء آخرين، وعشرات من معارض الفن التشكيلى.
 
الثلاثاء الماضى مرت الذكرى الحادية والثلاثون على رحيل الفنان «ناجى العلي» ففى الثانى والعشرين من يوليو سنة 1987 أطلق مجهول النار على رأسه، من مسدس كاتم للصوت، أثناء توجهه إلى مقر جريدة القبس الدولية فى لندن، ليدخل فى غيبوبة استمرت إلى يوم وفاته فى 29 أغسطس 1987 وبعد فتح باب التحقيقات قيدت الشرطة البريطانية الحادثة ضد مجهول، لتعيد فتحها ثانية بعد ثلاثين عاما من إطلاق الرصاصات المجهولة.
الاتهامات طالت جهات عدة أبرزها منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى استحياء أشارت الأصابع إلى الموساد الإسرائيلي، وبعد 31 سنة لا تزال زوجة ناجى العلى تصرخ: «أتمنى أن أعرف القاتل، أو الجهة التى أمرت بقتله، مؤسف أن يذهب دم ناجى هدرا». هذه الزوجة كانت تتحسس الخطر يقترب باستمرار، لذا لم تتخل عن عادتها بتشغيل سيارة ناجي، قبل نزوله من البيت، لتحميه من أية تفخيخات، ومع ذلك طالت الرصاصات الريشة المقاومة المغموسة فى حبر الفقراء.
فى كتاب عنوانه «أكلة الذئب» صدر عام 1999 ادعى فيه مؤلفه شاكر النابلسى أن الشاعر محمود درويش قد هدد بطرد ناجى من لندن، إن لم يمتنع عن التعريض به فى رسوماته، وأورد النابلسى مقاطع من محادثة هاتفية جرت بين الفنان والشاعر، الذى كان قد أجرى حوارا مع صحيفة إسرائيلية، ما أغضب ناجى العلى فانبرى راسما له ومنتقدا.
كان محمود درويش قد كتب مرثية لناجى العلى بعنوان «لا لكاتم الصوت» جاء فيها: «حين استشهد ناجى العلي، سقطت من قلبى أوراق الأغانى لتسكنه العتمة، الاختناق فى الحواس كلها، لا لأن صديقا آخر، صديقا مبدعا، يمضى بلا وداع فقط، بل لأن حياتنا صارت مفتوحة للاستباحة المطلقة، ولأن فى وسع الأعداء أن يديروا حوار الخلاف بيننا، إلى الحدود التى يريدونها، ليعطوا للقتيل صورة القاتل التى يرسمونها وليتحول القتلة إلى مشاهدين». 
فى إحدى رسوماته كان ناجى قد استبدل عبارة درويش: «بيروت خيمتنا الأخيرة» بعبارته اللاذعة «محمود خيبتنا الأخيرة»  ولذا كتب درويش: «كلمته معاتبا: فقال لي: «لقد فعلتُ ذلك لأنى أُحبك، ولأنى حريص عليك من مغبة ما أنت مقدم عليه، ماذا جرى.. هل تحاور اليهود؟ اخرج مما أنت فيه لأرسمك على الجدران».
يقترب درويش من هدفه قائلا فى المقال المرثية: «أذكر تلك المكالمة، لأن صناعة الشائعات السامة قد طورتها من عتاب إلى تهديد، طورتها ونشرتها إلى حد ألزمنى الصمت، فلقد ذهب الشاهد الوحيد دون أن يشهد أحد أنه قال ذلك، على الرغم من أن إحدى المجلات العربية قد نشرت على لسانه أننى عاتبته، وعلى الرغم من أنه أبلغ رئيس تحرير «القبس» بأنه ينوى كتابة رسالة مفتوحة إلى يشرح فيها عواطفه الإيجابية، على الرغم من كل ذلك، فإن صناعة الشائعات مازالت تعيد إنتاج الفرية».
الاتهامات طالت مباشرة منظمة التحرير الفلسطينية، خصوصا أن ناجى كان دائم الانتقاد لقياداتها، ولشخصية مصرية، اقتربت من عرفات، وألفت عنه كتابا عنوانه «ياسر عرفات الرقم الصعب» إنها «رشيدة مهران» السيدة الأقوى فى المنظمة آنذاك، كما كان يرى ويرسم ناجى العلي، حتى إن صحيفة «الأوبزرفر» نشرت إحدى رسومات ناجى فى تلك المرحلة وعلقت: «المزحة المميتة التى قتلت الرسام ناجى العلي»، وعندما سئل الحكيم جورج حبش: من قتل ناجى العلي؟ جاءت إجابته مربكة: «لا أملك معلومات، الوضع حساس وخطير وصعب».
كان ناجى سليم حسن العلى (1937 – 1987) قد هاجر مع أسرته إلى جنوب لبنان فى عمر العاشرة، وعاش فى مخيم عين الحلوة، يقول: «منذ خرجت من فلسطين، وعشت فى المخيم، كان بداية تشكيلى النفسى والفكري، وكانت عندى محاولات للتعبير عن الذات، ومن خلال معاناة جميع الفلسطينيين فى المخيم، كنت أرسم على الحيطان، كل رسومى كانت سوداوية وحادة وناشفة لدرجة أنها ممكن تصدم الواحد، وهو يشرب فنجان قهوة الصباح، لأنى أشعر بأنى فى حاجة لأن أصرخ فى وجه الناس، لأن أهز بدنهم وذهنهم لأن مصيرنا مرعب».
وفى زيارة قام بها غسان كنفانى لمخيم عين الحلوة رأى ثلاث رسومات لناجى العلى فنشر إحداها فى مجلة «الحرية» بتاريخ 25 سبتمبر 1961 بعد ذلك بعامين، يسافر ناجى العلى بتوصية من كنفانى إلى الكويت، ليعمل فى مجلة «الطليعة» ثم «القبس» و»السياسة» التى ظهرت على صفحاتها شخصية «حنظلة» عام 1969، وبعد حرب 1973 أدار حنظلة ظهره للعالم، وأصبح بمثابة توقيع لناجى العلي، تقول الزوجة: «إن حنظلة لم يكن مجرد رمز للصمود بل أراد أن يكون معه، لئلا ينسى أصله بعد انتقاله إلى الكويت، وليذكر نفسه دائما بأنه ابن المخيم الحافى الفقير، الذى لن يهدأ، حتى يعود إلى وطنه المحتل».
مر ناجى العلى بظروف صعبة، قبل ذهابه إلى الكويت، فقد عمل ميكانيكى سيارات وبستانيا، وكان يشغل وقت فراغه بالرسم، وفى الكويت عمل فى الصحافة، كان يرسم رسوما تعبيرية مرافقة لقصص غسان كنفاني، صار يتعامل مع الرسم كلغة، وأحس بأنه يستطيع أن يفرض رسومه الكاريكاتورية على الجميع، واعتبر المساحة المخصصة له بالجريدة منطقة محررة، يدافع عنها، ويقدر بطبيعة الحال الظروف السياسية، ودور الرقابة، حتى لو منعه رئيس التحرير من رسم صورة معينة، وظل ناجى العلى ينتقل بين عدة دول أطلق عليها وصف الخنادق، بسبب الضغوط السياسية، التى كانت تواجهه أثناء العمل، إلى أن أسكتته رصاصات الغدر، وأخرست ريشته، التى لا تكف عن المطالبة بالبحث عن القاتل!

الاكثر قراءة

جميع حقوق النشر محفوظة لدى مؤسسة الأهرام، ويحظر نشر أو توزيع أو طبع أي مادة دون إذن مسبق من مؤسسة الأهرام
راسلنا على البريد الإلكترونيarabi@ahram.org.eg